كثيرًا ما تتحول رغبة الأب في الزواج بعد رحيل الأم إلى جرح في علاقة الأبناء بوالدهم، حيث يسود اعتقاد بأن بقاء الأب وحيدًا هو الدليل الوحيد على وفائه للراحلة وأنّ ما عدا ذلك هو خيانة وقلة حب، وأنّ أي امرأة أخرى تدخل البيت ليست إلا دخيلة تحاول سرقة مكانة لا تخصها.
هذا الموقف يضع الأبناء في دور الأشخاص الذين يدافعون بكل قوتهم عن صورة الأم وتفاصيلها، وكأن موافقتهم على زواج أبيهم هي اعتراف ضمني بنسيانها أو تقليل من قدرها، بالرغم من أنّه لا توجد علاقة أبدًا. الأب من أقل حقوقه أن يبحث عمن تؤنسه وحسب.
فبينما ينشغل الأبناء ببيوتهم ودوامة حياتهم، يواجه هو الوحدة، ويجد أن ذكريات الماضي -رغم جمالها الذي لا ينكره أحد- لا تستطيع أن تمد له يد العون في لحظات المرض أو تؤنس وحدته في سكون الليل.
هي مفارقة مؤلمة أن يصبح الحب الذي يحمله الأبناء لأمهم سببًا في الحكم على أبيهم بالعزلة، وكأن الوفاء للحي لا يقل أهمية عن الوفاء لمن رحلوا، فالقلب الذي اتسع للعائلة لسنوات، يملك الحق في أن يجد يداً تمسك بيده في ما تبقى من العمر دون أن يشعر بأنه يرتكب جرمًا في حق من أحب.