وصف لنا تشيخوف نوعاً من البشر لا يطيقون أن يروا إنساناً في فترة راحة أو استرخاء!
إن مر بجانبك ووجدك مستلقياً فلا بد أن يُصدر تعليماته لك بأن تفعل أي شيء، المهم ألا تبقى كما أنت.
وسواء كان الموضوع ضرورياً أم لا فإنما المهم أن تتحرك فوراً ودون أي تأخير.
ولا يكتفي هؤلاء بإصدار التعليمات لمن لهم سلطة عليهم، ولكن غالباً يهمزون ويلمزون ويتهمون الغير بالكسل والتقصير، ثم تبدأ مقارنة حامية الوطيس بين الأجيال: جيل هؤلاء وجيل من يتلقون التعليمات.
الغريب أن تشيخوف يؤكد أن هذه العادة تكبر مع الإنسان، لهذا فإنه يسهل ملاحظتها في كبار السن أكثر من غيرهم.
تلخيص بسيط من رواية ثلاث سنوات
التعليقات
هذا صحيح، وإذا نظرنا إلى سلوكهم هذا بتمعن لمعرفة من أين جاء في البداية، فقد نجد أن الكثير من هؤلاء في صغرهم كان يتم التعامل معهم بهذه الطريقة، وكأن تم برمجتهم على أن الإنسان يجب أن يعمل ويكون منتجًا طوال الوقت وكأنه آلة!
مش شرط يكون بسبب طفولتهم، ربما فهموا لعبة المدير اللي يبان شاطر أنه مشغل الموظفين 24 ساعة وضاغطهم في الشغل، وبيعمل كدا كنوع من الاستعراض أمام الإدارة.
من الطبيعي وقت الدراسة أن لا يجلس الطالب متأملاً الحائط فمن الطبيعي أن يوجهه والداه للقيام والمذاكرة، ومن الطبيعي أيضاً لو وجدت الأم فتياتها يجلسن يتضاحكن على السوشيال ميديا من الأفيد لهن القيام بترتيب البيت، فعلى الأقل سيحميهن ذلك من إرهاق العقل والنظر بسبب السوشيال ميديا.
نتحدث هنا عن حتى وقت الراحة، فهناك أشخاص لا يحبون أن يجدوا أي أحد جالس ليرتاح أو حتى يتسلى بعد جهد، مثل الرجل الذي يدخل ليجد زوجته جالسة بعد الانتهاء من أعمال المنزل فيقول لها هل ستجلسين عندك طوال اليوم؟!
أحيانًا يبدو أن بعض الناس لا يعرفون معنى الاسترخاء، ويظنون أن أي لحظة هدوء أو راحة هي فرصة للتوجيه والانتقاد. شيء مرهق نفسيًا، خصوصًا عندما يكون التصرف بلا داعٍ حقيقي!
تشيخوف شاف إن في ناس ما يطيقوش يشوفوا حد مرتاح، ويعتبروا أي استرخاء كسل وتقاعس.
لكن المدهش إن في ثقافات تانية – زي إيطاليا – الراحة نفسها بقت فن!
في فيلم طعام، صلاة، حب ظهرت فكرة Dolce far niente، أو "حلاوة ألا تفعل شيئاً".
الإيطاليون شايفين إن الاستمتاع باللحظة، قعدة قهوة في الشارع، غداء طويل مع العيلة، أو مجرد التجول بلا هدف، ده مش تقصير… ده حق أصيل للإنسان.
الفرق إن ناس زي اللي وصفهم تشيخوف يقيسوا قيمة الشخص بكم يتحرك ويعمل، بينما الإيطاليين بيقولوا: الراحة مش عكس العمل، دي الوقود اللي يخليك تكمل.
يمكن السؤال هنا:
هل إحنا محتاجين نعيد تعريف معنى الراحة في حياتنا بدل ما نفضل نحاسب بعض عليها؟