تسري في خيالي صورةٌ تُشعل الروح شوقاً: "أهرامات الجيزة " تطلُّ من صدر الصحراء كسُفن حجرية راسية في محيط الزمن، وأنا واقفٌ في ظلِّ عظمتها، ألمسُ بحَيرةٍ حجراً حملَ همسَ الفراعنة. ثمَّ ينقلب المشهدُ إلى مائدةٍ على ضفة النيل، تتناثر عليها ألوانُ الكَرْمِ وأطيابُ الأرضِ والبحر، فيما يعانقُ النهرُ النجومَ. هذا هو حلمي المصري

لقاءٌ مع الأزل على مائدة الحياة.

في حضرة الأبد.. سِحْرُ الحجارة الناطقة!

كيف لا تُبهرُ الروحَ وهي تُلقي نظرةَ الوداعِ على غروب الشمس خلف أبي الهول ؟ ذلك الحارسُ الأصمُّ الذي يختزلُ في صمته ألفَ سؤالٍ عن أسرار البناءِ التي حيَّرت الدهرَ. صعودٌ إلى سفح هرم خوفو ، حيث تتحولُ أنفاسُكَ إلى حِكَمٍ حين ترى العالمَ من علوِّ أربعة آلاف عام. هنا، تحت سماءٍ صافيةٍ كقلب طفل، تشعرُ أن الحجارةَ تخبرك: "مَرَحباً بك في مملكة الخلود".

النيل يُدثِّرُ مائدته.. رقصةُ الألوانِ على اللسان!

عندما يُرخي الليلُ ستائره على العاصمة، يتحول النهرُ إلى مرآةٍ تلملمُ أنوارَ القاهرةِ في حُجْرِهِ. هنا، حيث تُنثر موائدُ الطعم سحرها، تبدأ الرحلةُ الثانية:

"الحمام المحشي "

حمامةٌ صغيرةٌ تذوب في الفمِ كأنها سحابةٌ ممطورة، تفيضُ من جوفها كنوزُ الأرزِّ الذهبيِّ والكبدِ الفاتن، مُعطَّرةً بهاراتٍ تروي حكاياتِ الأجداد.

"الجمبري المشوي "

كأنه لآلئ النيل تُقدَّم على صحنٍ من فضة، يرقصُ على اللسانِ بلُعومَةِ الثومِ وعناقيدِ الليمون.

"الاستاكوزا الحمراء "

ملكةُ المائدةِ بقرمشتِها المغرية، تكسرُ قشورَها فتتفجرُ منها نفحاتُ البحرِ، لُجَّةٌ من المرقِ الذهبيِّ تُغمس فيها الخبزَ كأنك تلتقطُ شذراتٍ من الشمس.

ما وراء اللذائذ.. روح مصر التي لا تُقاوم!

ليست الرحلةُ مجردَ حجرٍ أو طبقٍ، بل هي رقصةٌ مع التاريخ الحيِّ . في أزقة خان الخليلي، حيث تتدلى الفوانيس النحاسية كثمارٍ من نور، وفي هيكل الكرنك حيث تُحييك أعمدةُ الرمسيس، وفي عبَقِ البنِّ الزكيِّ بمقاهي القاهرة العتيقة – تشعرُ أنك تدخلُ لوحةً مرسومةً بألوانِ الكرامةِ والجمال. حتى كرمُ المصريين جزءٌ من السحر: ابتسامةٌ تسبقُ الكلام، يدٌ تُرشدك قبل أن تسأل، وكأسُ شايٍ بالنعناعِ يُقدَّم كعهدِ صداقة.

دعوةٌ من الفراعنة والنيل!

لعلَّ هذه الرغبةَ العارمةَ في ارتيادِ مصرَ، هي نداءٌ من دمٍ يتذكرُ موطناً للروح. متى أعبرُ الصحراءَ لأقفَ تحت قبَّةِ السماءِ التي تظللُ الأهرام؟ متى أرفعُ كفِّيَّ مودعاً شمسَ المغيبِ وأنا أتذوَّقُ طعْمَ الكابوريا الممزوجَ بملحِ النيل؟ إنها ليست رحلةً عابرةً، بل لقاءٌ مع الجذورِ الأولى للجمال. يا مصر: وعدٌ من القلبِ أن ضفتيك ستضمّن حلمي قريباً، وسأرددُ على مائدتكِ كلماتِ التاريخِ الخالدة:

"زرتُ.. وشاهدتُ.. وذُقتُ المعنى!"