حلم الزبدة

Khaledmo70

طموح في الظل

كلّ منا يحمل طموحًا خاصًا به، لكنه يظل حبيسًا في زوايا العقل المهملة، لا يزوره إلا في أحلام اليقظة، وقد يكون هذا لأن بعض الأحلام أجمل من السعي لتحقيقها، أو لأن الظروف لا تبدو مواتية، لكن هل هذه هي الحقيقة حقًا؟

قصة الشاب وجرة الزبدة

أتذكّر في صغري قصة تربوية وفكاهية في آنٍ واحد، كانت تروى لنا لنتعلّم درسًا في الواقعية وأهمية اللحظة الحالية، ونتجنّب الغرق في الماضي السحيق، كانت القصة عن شاب فقير للغاية رهن كوخه البسيط ليشتري جرة زبدة يتاجر بها في السوق، فعاد إلى بيته ليخطّط لمستقبله بعد بيع الجرّة، التي علّقها فوق سريره وأخذ يتأملها.

غرق الشاب في أحلام اليقظة التي بدأت ببيع هذه الجرة، وشراء شاة يحلب لبنها، ويصنع منه الجبن والزبد والسمن ليبيعها، ثم يشتري المزيد من المواشي حتى يصبح صاحب مزرعة ويهجر كوخه الحزين، تزدهر تجارته ليصبح من أكبر التجار وتكون له أسواق في كل أنحاء العالم، حتى يعرض عليه أحد الأثرياء ابنته الجميلة فيتزوجها، وينجب منها ابنًا يقوم بتربيته، فإذا رفض الابن له أمرًا، يضربه بالعصا، وهنا لوّح الشاب بعصاه في الهواء حتى صدمت جرة الزبدة المعلقة بقوة، فكسرتها، وسقطت الزبدة عليه وعلى الأرض، موقظًة إياه من أحلام اليقظة.

أحلام اليقظة والمؤلفون

هذه هي حالة كل من يمتلك مهارة، أو مشروعًا، أو تجارة، ويغرق في أحلامه وطموحاته دون أن يبذل أي مجهود في التخطيط لخطواته القادمة، بل يظل غارقًا في خياله حتى يمرّ الوقت وتذهب فرصته إلى من يقدّرها.

أشهر من يسقطون في "حلم الزبدة" هم الكتّاب والمؤلفون؛ فمعظم أفكارهم العظيمة تبقى حبيسة أدمغتهم، لأنهم يظنون أن الفكرة لا بد أن "تستوي" في عقولهم قبل أن يكتبوها، ويؤدي هذا إلى نسيان معظم التفاصيل مع الوقت، وحين يبدأون في الكتابة، يخرج من بين أيديهم عمل مشوّه لا صلة له بالكتابة أساسًا.

السبب هنا هو الغرق في التوقعات وعدم اتخاذ خطوات عملية في الكتابة، لأن التخيّل عملية مستمرة ومتغيرة في الوقت نفسه، فإذا كنت تريد أكل البطيخ اليوم، سوف ترغب في عصير الليمون غدًا، وبعده قد تشتهي البطاطا الحلوة، وكل فكرة جديدة تنفي وتلغي الفكرة القديمة وتأخذ مكانها، فإن كانت فكرة روايتك في رأسك اليوم، ولم تختبرها على الورق، فإنها مجرد "حلم زبدة" سوف يذوب بمجرد شروق النهار عليه.

الكتابة أفضل معيار

إذا كنت تظن أن فكرتك عظيمة، فدع الكتابة تثبت ذلك وليس الخيال؛ فكل مشاريع الخيال ناجحة ولا يوجد بها أي أخطاء، أما حين نطبّق خطواتها على أرض الواقع، نتعثّر في المعطيات التي لم نحسب حسابها خلال "طموح الزبدة اللذيذ"، وتظهر لنا عوائق وعوامل أخرى كان لا بد لنا من التفكير فيها.

لا توجد طريقة أفضل من الكتابة للتحقق من قوة أي فكرة وصلابتها، فحين يتعامل عقلك معها على أنها واقع، سوف يضعها في سياقات متعددة، مما سوف يفضح نقاط الضعف فيها، وهذا ما أعتقد أن الجميع يخشاه، لأن "حلم الزبدة" جميل، بسيط، وسهل، أما الواقع فمعقّد وصعب ومليء بالتحديات، لذلك يُبقي الناس أحلامهم في تلك الزاوية من "حلم الزبدة"، لأنه المكان الوحيد الذي يضمن لهم أن أحلامهم سوف تتحقق فيه دون أي شروط.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ما شاء الله مبدع دائما وفى المقال دة لخصت حاجات كتير وفكرتنا بقصة الزبدة دى والأحلام إلى بتضيع مننا بسبب طموح الزبدة اللذيذ بجد ما شاء الله برافو عليك استمر بالتوفيق

شكرًا لك، فهذه المساهمة تُعد تنبيهًا وتحذيرًا للكثير منا وأنا على رأسهم 😅

فهذه حقيقة أننا أحيانًا ننشغل بالتفكير والتخطيط والأحلام أكثر من التنفيذ، لدرجة أننا قد نغرق في مرحلة التفكير ولا ننتقل لمرحلة التنفيذ أبدًا.

اتفق معك، بالفعل كل من يجد في رأسه فكرة عليه أن يدونها في الحال حتى لو لم تكتمل، لأن تأجيلها سيؤدي إلى نسيانها ونسيان تفاصيلها، وفي حال كتب الكاتب ما يدور في رأسه من أفكار تتجلى له عوالم لم يفكر بها سابقا وتتضح الفكرة أكثر على سطح الورقة

أحسنت في الدعوة إلى بدء التنفيذ وعدم النوم في أحضان "حلم الزبدة" لكن لم رأيت أن الكتابة هي أفضل طريقة للتحقق من أي فكرة؟ لماذا لم تقل مثلا: التنفيذ، التطبيق، الواقع ...

لاني تناولت حالة الكتاب والمؤلفين

ربما ينطبق مقالك على كثير من الموهوبين في مجال الكتابة، لكن لا أظنه يصلح كقاعدة عامة.. فالناس بشكل عام تنضج أفكارهم مع الوقت، وتزداد خبرتهم من التجارب؛ الأفكار الأولى في الغالب ما تكون ساذجة بشكل كبير، فالأفضل أن ينتقي الكاتب ما هو قيّم ومناسب للطرح، كما أن ممارسة الكتابة بينه وبين نفسه -قبل إطلاع الجمهور عليها- تُصقل الموهبة وتُعلّمه أخطائه، وتقيه شر التصيد.