هل ما حدث كان صوابًا؟

السكوت عن الخطأ يُحوّله إلى قاعدة

حين يقع الخطأ لأول مرة، يكون واضحًا ومُحرِجًا، وربما مثيرًا للانتباه. لكن إن مرّ دون اعتراف أو تصحيح، يبدأ تدريجيًا في التغلغل داخل السياق العام، وكأن لا أحد يجرؤ على طرح السؤال البسيط: "هل ما حدث كان صوابًا؟"

هذا السكوت، وإن بدا تصرّفًا عابرًا، إلا أنه يحمل أثرًا تراكميًا خطيرًا. فكلما سكت الناس عن خطأ واحد، تكرر هو نفسه في أذهانهم على أنه "جزء من الواقع"، لا مجرد استثناء. ومع التكرار، يفقد الخطأ صورته الصادمة، ويبدأ في التحوّل إلى سلوك طبيعي. ثم تبدأ الجملة المألوفة في الظهور: "هكذا نفعل دائمًا" أو "الكل يقوم بذلك"

وما هي إلا لحظة حتى يتحول الخطأ من شيء يجب تجنبه… إلى قاعدة غير مكتوبة يتّبعها الجميع، وأحيانًا يُفرض على من يعارضه بأنّه "خارج عن المنظومة".

والأسوأ من ذلك: حين يظهر شخص جديد ويسأل ببراءة "لماذا نفعل كذا؟"، تكون الإجابة: "لا تسأل، فقط افعل مثلهم"

وهنا لا نكون فقط أمام خطأ، بل أمام عُرفٍ موروث يُمنع المساس به، رغم أن أصله كان لحظة ضعف، أو قرارًا جبانًا، لم يجرؤ صاحبه على الاعتراف به.

كم من السلوكيات التي نراها اليوم "عادية"... هي في الأصل أخطاء تكررت حتى أصبحت قاعدة؟

وهل نملك الشجاعة أن نكون أول من يقول: هذا ليس صحيحًا؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أحيانًا لا يكون السكوت هو المشكلة وحده، بل غياب من يتحمّل مسؤولية التصحيح. في بيئات كثيرة، حتى من يرى الخطأ لا يملك الأدوات أو الصلاحيات لتغييره، فيضطر للمسايرة. المشكلة أعمق من مجرد صمت، إنها في ترسيخ منظومة تعاقب من يخرج عن الصف. وهنا يصبح السؤال: كيف نخلق بيئة تسمح بالتصحيح بدلًا من تطبيع الخطأ؟

demane أضف ردا

أستاذة @Esraashaaban129 عندما تُهمل الإجراءات الاحتياطية، تتحول الأخطاء الصغيرة إلى أزمات كبيرة، والإجراءات التصحيحية تصبح باهظة الثمن. هذا بالضبط ما نراه في الانقلابات الشعبية، فهي ليست إلا نتيجة طبيعية لتراكم التنازلات وتجاهل الإنذارات على مدى سنوات.

الخطأ حين يتكرر بصمت يتحول من حدث فردي إلى منظومة. الصعوبة ليست فقط في تصحيحه، بل في كسر الإطار الجماعي الذي شرعن وجوده. كثير من المؤسسات والأفراد لا يمانعون الخطأ، بل يخشون ارتباك التغيير. الصواب أحيانًا لا يحتاج أكثر من شخص واحد يطرح السؤال الصحيح في الوقت الصعب.

أستاذ @Mohamed_Shelby ، ما تفضلت به دقيق وعميق؛ فالصمت عن الخطأ يُكسبه شرعية، ومع الوقت يتحول من سلوك شاذ إلى عرفٍ مقبول. لكني أود أن أضيف أن هذا الصمت لا ينبع دائمًا من القبول، بل أحيانًا من الخوف، أو الشعور بالعجز أمام "منظومة" أقوى من الفرد.

نعم، كسر الإطار الجمعي صعب، لا لأن الناس يفضلون الخطأ، بل لأنهم يخشون الفوضى التي قد تصاحب التغيير. فالصواب، وإن بدا نظريًا أفضل، يحتاج لبيئة تُؤمن بالمراجعة لا بالولاء الأعمى. وهنا تبرز قيمة الشخص الذي يطرح السؤال الصحيح، لكن الأهم أن يجد من يسمعه، لا من يُسكت صوته بحجة "الاستقرار".

فالسؤال الصحيح لا يكفي وحده، ما لم يتحول إلى حراك واعٍ يتبناه أكثر من فرد، ويضع مصلحة الجميع فوق راحة العادة.

كلامك عميق ويكشف عن واحدة من أكثر الظواهر خطورة في المجتمعات وهي اعتياد الخطأ تحت غطاء الصمت الجماعي الصمت قد يبدو خيارًا بسيطًا لكنه في جوهره مشاركة غير مباشرة في ترسيخ السلوك الخاطئ وحين يتحول الخطأ إلى قاعدة بحكم التكرار يصبح من الصعب كسره أو حتى مساءلته

ما لفتني هو تسليط الضوء على الجملة المؤلمة لا تسأل فقط افعل مثلهم فهي تجسيد دقيق لكيفية قتل روح التفكير والنقد لدى الأفراد منذ البدايات

الوعي بهذه الظاهرة هو الخطوة الأولى نحو التصحيح أما الشجاعة فهي فيمن يملك أن يقول بصوت واضح هذا ليس صحيحًا حتى لو كان وحده بين جمهور صامت

شكرًا على هذا النص القوي الذي يدعو للتفكير والمراجعة ويمنحنا حافزًا لرفض التكرار الأعمى والانتصار للقيم الصحيحة

أستاذة @Abeerabdelsalam ، شكراً على هذا التفاعل العميق والمضيء. لفتني بدوري وصفك الدقيق للصمت الجماعي، فهو ليس مجرد غياب صوت، بل نوع من الشراكة الصامتة في ترسيخ الخطأ. ومن المؤلم فعلاً أن يتحول هذا الصمت إلى عرف، وأن تُصبح جملة مثل "لا تسأل، فقط افعل مثلهم" شعاراً غير مكتوب يغتال التفكير منذ الطفولة.

لكن ما نحتاجه فعلًا، كما تفضلتِ، ليس فقط الوعي بالخطأ، بل الشجاعة في مواجهته. لأن الصمت قد يمنح راحة مؤقتة، لكنه يترك أجيالًا كاملة تتنفس التكرار وتختنق بالحيرة.

إن القدرة على الوقوف في وجه التيار، ولو بكلمة واحدة، هي أول لبنة في بناء مجتمع أكثر وعيًا وأقل قابلية للانقياد.

كل الشكر لك على هذا الرد الملهم الذي لا يكتفي بالتأييد بل يعمّق زاوية النظر ويحث على

الفعل.

ممتنة لك أستاذ محمد على هذا التعقيب الناضج والمفعم بالبصيرة

ما تفضلت به يلقي الضوء على جوهر المعضلة التي نعاني منها كمجتمعات

فالصمت كما ذكرت ليس مجرد غياب صوت بل هو أحيانًا تواطؤ غير معلن يعيد إنتاج الخلل ذاته تحت ستار الطاعة أو الاتساق مع الجماعة

ومع كل تكرار لعبارة مثل لا تسأل فقط افعل مثلهم نتنازل عن حق التفكير ونصادر من الأطفال أبسط حقوقهم في الفهم والاختيار

نعم الوعي لا يكفي إن لم يتبعه فعل

والكلمة حين تُقال في وجه التيار لا تكون مجرد رفض بل إعلان عن بداية تشقق في جدار المألوف

لذلك فإن التغيير الحقيقي يبدأ من لحظة الجرأة لا من لحظة التذمر

كل الشكر لك على هذه المداخلة العميقة التي تُضيف للمعنى بعدًا آخر وتُذكّرنا بأن الطريق إلى الوعي لا يُسلك إلا بخطوة شجاعة واحدة في الاتجاه الصحيح