ما سبب "الأزمة الأخلاقية" في مجتمعاتنا: غياب الوعي أم الضمير؟

لاحظت من متابعتي للأحداث مؤخرًا إن الحوادث اللاأخلاقية أصبحت غير نمطية كما اعتدناها سابقًا. ومقصدي هنا بغير نمطية هو عدم القدرة على تصنيفها بناءً على طائفة، أو طبقة اجتماعية، أو جنس، أو سمات شخصية أو مستوى تعليمي، أي إن كل الأسباب التي كنا نطرحها سابقًا لإيجاد أسباب للجرائم، أصبحت بلا قيمة.

وهذا مثير للريبة جدًا، فإذا كان المستوى التعليمي لا يؤثر، ولا العقيدة تروض الدوافع، ولا الطبقة الاجتماعية تؤثر في المبادئ والأخلاق العامة، فكيف يمكننا هنا وضع أسباب منطقية للأزمة الأخلاقية الحالية، هل هي فعلًا تغييب للوعي مقصود، أم الضمير والمبادئ أضحت شعارات خاضعة للموقف فقط؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مرحبا د. إيريني

الحوادث اللاأخلاقية أصبحت غير نمطية كما اعتدناها سابقًا. ومقصدي هنا بغير نمطية هو عدم القدرة على تصنيفها بناءً على طائفة، أو طبقة اجتماعية، أو جنس، أو سمات شخصية أو مستوى تعليمي، أي إن كل الأسباب التي كنا نطرحها سابقًا لإيجاد أسباب للجرائم، أصبحت بلا قيمة.

أعتقد أن تصرفات الشخص له علاقة بشخصيته هو، فقد يكون غنيًا وتاجرًا للمخدرات، امرأة وتعذب مساكين في دار أيتام، دكتور جامعة لكنه متحرش، يذهب ليلًا ونهارًا للمسجد أو الكنيسة لكنه غشاش وعديم الأخلاق والضمير.

شخصية المرء الحقيقية ليست تلك التي تظهر أمام الناس أو في العلن، ولكنها تلك التي تكون في الخفاء حيث لا عيون تتابعه ولا كاميرات ترصده، علاقته الحقيقية بربه وما يقر بقبله هو ما قد يمنعه من فعل أي شيء خاطيء لا أخلاقي أو غير قانوني عندما لا يراه أحد.

ولكن يا سهام، أنت تعلمين أن الناس تحكم بالظاهر، وتبني أفكار عن أخلاق الشخص من خلال سلوكياته الواضحة، وتضع معايير بناءً على شهاداته العلمية ومهنته وميوله السياسية وغيرها، والغريب أن كل تلك المعايير يمكن جدًا تزييف حقيقة أخرى معها، وهذا حتى موجود في حوادث كثيرة، شخص مثلًا له سمعة جيدة وشهادات جامعية مرموقة، ولكن سلوكه المنزلي مع الزوجة عنيف جدًا بل ويبرر له تحت شعار "ما كل الرجالة كده" (أتحدث هنا عن حادثة سيدة الأردن).

أنت تعلمين أن الناس تحكم بالظاهر

ربما الغالبية وليس كل الناس، وهذا الأمر يحتاج لإعادة فهم وتشكيل للوعي، فالمظاهر غالبًا ما تكون خداعة.

شخص مثلًا له سمعة جيدة وشهادات جامعية مرموقة، ولكن سلوكه المنزلي مع الزوجة عنيف جدًا بل ويبرر له تحت شعار "ما كل الرجالة كده"

من رأيي أن شخصيته الحقيقية هي تلك التي تظهر خلال تعامله مع زوجته لأنه يعتبرها ويعتبر البيت مكانًا آمنًا لإخراج ما بداخله دون يتعرض للنقد أو الحكم من أحد، فيستقوى على زوجته وربما أولاده لأنه شخص ضعيف الشخصية وخسيس.

ويبرر له تحت شعار "ما كل الرجالة كده"

لا، لا يفعل كل الرجال هكذا، فقط المرضى غير الأسوياء.

(أتحدث هنا عن حادثة سيدة الأردن)

عليها رحمة الله.

يمكن القول أنه غياب الوعي والضمير معاً ، مجتمعنا أصبح يمنش بمبادئ الرأسمالية المكافيلية حيث أننا فيما يبدو أننا أمام مشهد جديد ومربك للحوادث اللاأخلاقية، التي تتلاشى فيها التصنيفات والروابط التقليدية التي كنا نحاول من خلالها فهم دوافع الجريمة والانحراف. عندما نرى أشخاصًا من مختلف الخلفيات التعليمية والاجتماعية والدينية يرتكبون أفعالًا منافية للأخلاق، يصبح من الصعب الاعتماد على التفسيرات القديمة، وهذا يدفعنا للتساؤل بعمق عن جذور هذه الأزمة الأخلاقية. هل نشهد فعلًا عملية تخدير للوعي الجمعي، ربما بفعل تأثيرات وسائل الإعلام؟ 

ErinyNabil أضف ردا

موضوع وسائل الإعلام والسوشال ميديا عمومًا يعقد الفكرة أكثر، بمعنى إنه على السوشال ميديا يسهل جدًا اختلاق القصص ودعمها باللجان الإلكترونية، وعليه يكون التلاعب بعواطف الناس، حتى أكثرهم عقلانية، لأنهم ببساطة سيكون لديهم رأي متحيز بطبيعة الحال بناءً على أفكارهم ومعرفتهم، المقصود هنا أن كلنا بلا استثناء خاضعين لفكرة التلاعب لأننا أيضًا لا نرعف القصص كاملة.

ولكن غياب الوعي والضمير هي أمور أصبحت طبيعية لدرجة مقلقة جدًا، فمثلًا في حادثة الطفل ياسين، قرأت اليوم منشورات كثيرة تحدثت عن تأليف أحداث القصة من قبل صديقة الأم، وعندما وجدت تعليقات قوية جدًا، قامت بمسح البوست، وهنا لا أعلم حقيقة هل المذكور صحيح أم لا، ولكن تخيل أم -من المفترض إنها واعية- تتاجر بابنها وتنشر قصص مسيئة إليه شخصيًا حتى تحصد تفاعل أو تحقق هدف ما، فأي وعي وضمير هذا؟ (مرة أخرى ما ولت لا أعلم صحة هذا الكلام، وبالتأكيد صحته أو عدمها هذا لا يحمي أي مجرم)

هذه القصة صديقتي هي محض هراء مع أحترامي الشديد لما تقوليه بالطبع ، لأن التقرير الخاص بالحكم في قضية ياسين والذي أصدرته النيابة مصدقة من الطب الشرعي [العنصر الحاسم في الأمر] أكد على كل ما ذكر في تلك المشكلة (لذا كان الحكم من الجلسة الأولى) لأنها قضية مكتملة الأركان .. أتفهم استنكار البعض ومحاولتهم جعل تلك القصة كذبة، ولكن أنا متابع بدقة لتلك الواقعة التي تثبت بشكل مرعب تورط أكثر من أسم فيها وليست فقط الأسماء التي ظهرت بالإعلام ، وأكاد أجزم أن حادثة (ياسين) ليست الحادثة الوحيدة بتلك المدرسة .. ولا حتى الحادثة الوحيدة بكل المدارس ((للأسف الشديد)) ولكن الحادثة الوحيدة التي قامت الأم بالذهاب لأبعد نقطة .. مهما كلفها هذا من ضغط نفسي وإجتماعي و حتى تهديدات .. للأسف تلك القضية شائكة بدرجة مرعبة وقادرة على تفتيت الروابط الاجتماعية إن لم يتم حسمها وحسم أي قضية مشابهة ... ولكن أنا أتفق تماماً معك فيما أشرت له في باقي ما طرحت

نعم، أنا أيضًا أتفق مع موضوع التقرير الخاص بالطفل، ولا أحاول بأي شكل أن أوافق على القصة الجديدة أو حتى أتابعها، أنا فقط أذكرها ك "مثال" على قدرة البعض على قتل الضمير تقريبًا!! وبخصوص القضية نفسها، لا أراها شائكة إلا لمن يعتبرونها طائفية فقط، وهذا لجهلهم بالطبع، لأن الدين ليس له علاقة بأي أمر، هذا سلوك مريض وشخصي، ويُحاسب عليه أي إنسان، قائد ديني أو مسؤول دولة، أو أي شخص كان، وبالطبع الحادثة ليست الأولى من نوعها. ولكن دعني هنا أسألك، بمعزل عن قصة تلفيق صديقة أم ياسين للقصة، ألا ترى أن الرعب الحقيقي هو قدرة تلاعب السوشال ميديا والإعلام بعقولنا؟ ففي الأخير، نحن مهما تابعنا القصص، ما زلنا خاضعين ومتحيزين لرواية عن أخرى، لأننا لن نكون قادرين على الوجود فعليًا لمتابعة الحدث.

نعم السوشيال ميديا تلعب دور الهندسة الاجتماعية لتعكس توجهات الأنظمة الحاكمة أو الدول العميقة حيث تعمل على إعادة وصياغة القصص لخدمات التوجهات ، وتعمل الميديا و السوشيال ميديا على عمل (غسيل الدماغ) المستمر بمنطق التكرار المستمر لأكاذيب معينة حتى تتحول بمرور الوقت للشخص العادي بمثابة الحقيقة المطلقة لكونه [لا يشكك .. لا يبحث عن مصادر الحقائق - ويود أن يعيش في نعيم الجهل وليس جحيم المعرفة] وبما أن تلك الشريحة من الأشخاص تشكل الشريحة الأكبر في المجتمعات العالمية فيصبح الرأي العالمي عن الحقائق مرهون بالحقائق التي يعيد الإعلام من صياغتها وسردها .. وهو بالتأكيد يا صديقتي العزيزة أمر مرعب .. فالأشخاص غالباً ما يتحيزون لأرائهم دون البحث عن حقائق .. إلا من بعض الأحداث الشاذة عن تلك المعادلة التي تؤكد على القاعدة.

ما نراه اليوم من انحدار أخلاقي لا يمكن اختزاله في فقر أو جهل أو قلة تعليم. الأزمة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام حالة تعرية كاملة للضمير، ووعي مشوّه لم يعد يفرّق بين المبدأ والمصلحة.

المشكلة لم تعد في غياب المعرفة، بل في غياب الالتزام، في التحايل على القيم، وفي تبرير السقوط الأخلاقي بكل وقاحة. نعيش زمنًا يُمارس فيه الخطأ بوعي، ويُبرر بثقة، ويُطالب بالاحترام بلا خجل.

الأخلاق لم تعد تنظّر، بل تُمارس أو تسقط. وثبات المبدأ وسط السقوط الجماعي هو المعيار الحقيقي للقوة، لا الشهادات ولا الخطابات...

و من يملك ضميرًا حيًا ووعيًا نقيًا هو من يستحق أن يُقال عنه نُخبة. البقية مجرد صدى، مهما علت أصواتهم.

ErinyNabil أضف ردا
المشكلة لم تعد في غياب المعرفة

ولكن يا طه، ألا ترى أن هناك فرق بين المعرفة نفسها وإدعاء المعرفة؟ أعني أنه غالبًا كلما زادت مرعفتنا بنسبة 1% نكتشف أننا غالبًا لا نعرف شيئًا، ونكتشف أمورًا عن أنفسنا والآخرين ويزداد مع ذلك القدرات التحليلية والنقدية، هذا من المفترض أن يجعل الإنسان نفسه غير مؤذي، أما مُدعي المعرفة، فهو يعتقد أنه العليم بكل شيء وتكون نظرته قاصرة فقط على ما يعرفه، وعليه يجد مبررات لكل ما هو فاسد ووقح كما ذكرت.