أود أن أشارككم هذه الفكرة التي ظلت تؤرقني كثيرًا: هل كل من أنجب، يستحق الاحترام؟
نحن نُربى منذ الصغر على أن مجرد كون الإنسان أبًا أو أمًا يجعله تلقائيًا جديرًا بالتبجيل. لا يُسأل، لا يُحاسب، لا يُعاتب. بل يُفترض أن نحني رؤوسنا له حتى لو لم يُمسك يومًا بأيدينا، حتى لو لم يفهمنا، أو آذانا، أو استخف بمشاعرنا.
لكن الحقيقة التي لا نصرح بها، أن بعض الآباء لم يكونوا يومًا آباء، كانوا موجودين فقط، كحقيقة بيولوجية، لا كشخصيات حقيقية في حياة أبنائهم. وحين يكبر الابن ويبدأ بالتساؤل، يواجهه الجميع بكلمة واحدة برّ الوالدين.
لكن، ما البرّ إن لم يُقابل باحتواء؟ فالاحترام لا يُفرض كعبء بل ناتج طبيعي لأي علاقة بها دفء واحتواء، فليس من العقل أن نحترم الصفة، دون الفعل، الاسم، دون المضمون.
لا أكتب هذا كدعوةً للعقوق، ولكن لنفهم معنى البر كما يجب، فليس كل من أنجب، قد كان أبًا.
التعليقات
كلام سليم ومهم. لأن الحقيقة اللي كثيرين يتهربون منها هي إن الإنجاب ما يصنع قيمة، ولا يمنح احترامًا تلقائيًا. بعض الآباء مجرد وجود بيولوجي بلا دور، بلا دعم، بلا حتى محاولة. وبرّ الوالدين ما يعني تمجيد الخطأ أو دفن الألم بحجة الطاعة. اللي ما قام بواجبه ما يحق له يطالب بحقوق ما تعب عليها. الاحترام يُكسب، ما يُفرض، ومن خذل أبناءه ما ينتظر منهم عرفانًا زائفًا.
اللي ما قام بواجبه ما يحق له يطالب بحقوق ما تعب عليها. الاحترام يُكسب، ما يُفرض، ومن خذل أبناءه ما ينتظر منهم عرفانًا زائفًا.
للأسف لدينا نظرة مجتمعية أن هذا عقوق، وأن مهما فعل الأب فهو أب بالنهاية، وله حق الطاعة والعطف والاحترام، فلي زميل تقريبا والده تركه وهو ببطن أمه وانفصل عن الأم وهي حامل، ربما لم يراه، ولم يسأل عنه، وبعد أن كبر واستقر بحياته جائه الأب وهو كبير يستعطفه ليكون في ود ويعيد علاقتهما، لامه الناس عندما قال هذا شخص غريب عني لا اعرفه
المقال جريء لكنه متسرّع، يفتقر للعمق ويقع في فخ التعميم. نعم، هناك آباء غائبون، لكن تحويل الألم إلى خطاب كسر للهيبة الأسرية خطر. الاحترام ليس مكافأة فقط، بل قيمة تُمارس لترتقي العلاقة لا لنسفها. الفكرة تستحق الطرح، لكن بنضج لا بتمرّد.
أين التعميم هل يمكن أن تشير له؟ وأين موضع التسرع؟ أرجو الإجابة على هاتين النقطتين طالما نقدت اشرح مواضع نقدك ليكون النقاش موضوعي وليس مجرد انتقادات
الأب الذي يتخلى عن دوره كأب بحياة أولاده لا يصرف ولا يربي ولا يوجد وقت الحاجة هل يتسحق أن يحترم وأن يقال عليه أبا بالأساس، يا سيدي الفاضل هناك أباء تنجب وتنسى أنها أنجبت، هناك أطفال أيتام وأبائهم موجودين على ظهر الحياة، هناك أطفال يعيشون حياة ضيقة فقط لأن أباهم تخلى عنهم مع والدتهم، وطلقهم هم أيضا، هل هذا يستحق يقال عنه أب أو حتى إنسان، لا أتوقع
أقدّر الانفعالات التي قد يثيرها مثل هذا الطرح، خاصة إذا انطلق من تجربة شخصية مؤلمة، لكن حين نكتب محتوى عام يُنشر على منصة مفتوحة، يصبح من الضروري أن نميز بين التجربة الفردية والتوصيف الجمعي. وهذا تحديدًا جوهر النقد الذي طرحته.
سألت أين التعميم؟
التعميم يقع حين نستخدم ألفاظ تُسقط حكم عام على فئة كاملة دون استثناء واضح. مقالك يقول حرفيا:
"نحن نُربى منذ الصغر على أن مجرد كون الإنسان أبًا أو أمًا يجعله تلقائيًا جديرًا بالتبجيل... حتى لو لم يفهمنا، أو آذانا، أو استخف بمشاعرنا."
ثم تنتهي بقولك:
"فليس كل من أنجب، قد كان أبًا."
هذه الجملة الأخيرة، وإن بدت ذكية من الناحية البلاغية، إلا أنها تُغلق الباب تمامًا أمام احتمال وجود آباء حقيقيين، صالحين، ممن أنجبوا وكانوا آباء فعلًا. هي صيغة تقريرية تقطع بالمعنى، لا تترك مساحة للفروق الفردية، ولا تراعي أن هذه ليست الحقيقة الوحيدة. وهذا هو التعميم بعينه.
أما التسرع، فهو في طرح إشكالية عميقة جدًا (مفهوم البر والاحترام والوالدية) بمنطق الصدمة والعاطفة، دون تأصيل أو تفكيك.مقالك لا يفرق بين "البر كمبدأ ديني"، و"الاحترام كسلوك اجتماعي"، و"العلاقة العاطفية بين الأهل والأبناء". بل يخلط هذه المفاهيم ويوجه السهم كله نحو "اللقب الفارغ"، دون أن يقدّم بديل تربوي، نفسيًا أو حتى منطقيًا للتعامل مع حالات الأذى الأسري.
نعم، هناك آباء لا يستحقون هذا اللقب، وهذا واقع لا يختلف عليه اثنان.
لكن أيضًا، لا يمكن لمقال يُفترض أنه يُنشر في فضاء فكري أن يُبنى بالكامل على هذا الطرف من المعادلة، ويتجاهل الطرف الآخر.
المقال يحفز الغضب، لكنه لا يقدم وعي , يصف المشكلة دون أن يحللها، ويكتفي بإثارة الصدمة بدلًا من صناعة فهم أعمق.
المحتوى المؤثر لا يثير الجدل فقط، بل يبني وعي مسؤول وسط هذا الجدل. وهذا ما افتقر له الطرح.
أولا هذه مساهمة تطرح فكرة للنقاش وليس مقال مطلوب منه أن يغطي كل الفكرة ومن كل النواحي
ثانيا ليس هناك تعميم بالعبارات التي اشرت لها لأني اختصصت الفئة التي تنجب ولا تربي، تنجب ولا تنفق وتسهر على مرض أولادها، تنجب وترمي أولادها، تنجب ولا يسأل عن أولاده إلا عندما يشيب ويعجز ولا يجد أحد يسنده فيذهب إليهم والمطلوب منهم أن يودوه، قد يحترموه لكن كشخص غريب، ليس منطقيا أن نطلب منهم أن يحترموه ويحبوه كأب، هذا في حد ذاته ظلم، الاحترام كمعيار عام وكسلوك أخلاقي هذا لا خلاف عليه لكن أحترام الأباء والأمهات مختلف وبه نوع من التبجيل وهذا الذي لا يجب أن يكون لكل من ينجب فقط، مساهمتي لم تدعو لأن يعامله بجمود أو يهينه أو أو ولكن لن يقبله كأب سهر وربى وأنفق
كون المساهمة تطرح فكرة للنقاش لا يعفيه من ضرورة الدقة والتوازن، خاصةً عندما يتناول موضوع حساس كالعلاقة بين الأبناء والآباء. أما عن التعميم، فحتى وإن ذكرتِ فئة معينة من الآباء، إلا أن الصياغة جاءت بإطلاق يُوهم بأن كل من لا يقوم بدوره كأب لا يستحق الاحترام مطلقًا، وهو تعميم مبطن يُنتج أحكام أخلاقية عامة من وقائع خاصة. الاحترام ليس مكافأة، بل قيمة إنسانية، حتى لو اختلفنا في درجاته أو مظاهره.
لا أكتب هذا كدعوةً للعقوق، ولكن لنفهم معنى البر كما يجب، فليس كل من أنجب، قد كان أبًا.
يبدو أنك لم تنتبه لهذا السطر، كلامي كان واضحا لا أدعو لأي عقوق، والاحترام بعمومه لا أحد يختلف عليه لكن لن أحترمه احترام الأباء والذي هو يختلف جوهرا وقيمة عن أي شخص بحياتنا، فلا تخلط الأمور.
كون المساهمة تطرح فكرة للنقاش لا يعفيه من ضرورة الدقة والتوازن
كلامي كان دقيقا جدا وتناول النقاش حول الأباء الغائبين بإرادتهم عن حياة أبنائهم ثم العودة ليطلب حقوقه كأب وهو لم يعطي وجباته، العلاقات لا تطلب أخي العلاقات تبنى، ولا تحدثني عن الأخلاقيات العامة التي بالأساس لا نقاش فيها أتناقش في مستوى مختلف تماما من الاحترام والتبجيل والطاعة والبر، ناقشني هنا
شكرًا لتوضيحك، لكن دعني أضع النقاط على الحروف:
نعم، قلت إنك لا تدعو للعقوق، لكن مضمون حديثك يقود إلى نزع صفة الأبوة عن من قصّر، وبالتالي نزع ما يترتب عليها من البر، وهذا هو الخلاف الجوهري بيننا.
أنا لا أخلط الأمور، بل أفصلها, البر شيء، والاحترام أو التقبل العاطفي شيء آخر. قد لا أتقبل شخصا أذاقني مرارة الغياب، وقد لا أستطيع احترامه كأب بنفس الشكل الذي أحترم به من كان حاضنا ومربيا، لكن هذا لا يسقط عني واجب البر به كوالد.
أكرر , البر ليس مكافأة تُعطى لمن أحسن، بل هو واجب نؤديه لأنه أب، لا لأنه استحق.
تقدير المشاعر الشخصية والخذلان مفهوم، لكن ذلك لا يغير من المبادئ التي تقوم عليها علاقتنا بالوالدين، مهما كانت ظروفهم أو تقصيرهم.
فدعوتك للفصل بين الاحترام الأبوي والاحترام العام لا تغير من حقيقة أن البر مطلوب، لا مشروط.
وهذا جوهر ما أدافع عنه.
بدأت تضع يدك على صلب النقاش جيد، لننتقل لنقطة مهمة جدا وهي كلمة البر، ما مفهومك عنها؟ يعني لنفترض أب انفصل عن زوجته وهي حامل شهور ول يرى ابنه ولم ينفق ولم ولم حتى شاب وذهب له يطلب منه السماح وأن يعامله كأب، برأيك ما البر التي تراه يجب أن يقدمه هنا كشيء أساسي لا مشروط؟
حاله شخصية لا يقاس عليها .
الحالات الفردية والشحصية لا يقاس عليه .
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
البر , شي واجب مو شفقة أو صدقة .
هذه حالة ليست فردية أبدا، المجتمع مليء بهذه النماذج، المحاكم تعج بقضايا النفقة التي تحاول فيها المرأة الحصول على مال للإنفاق على أولاده الذي طلقهم معه، المجتمع مليء برجال تخلوا عن أولادهم ولا تقول لي مجتمعي ومجتمعك، كل المجتمعات عربية وأجنبية بها هذه الظاهرة، التخلي عن الأبناء، الأباء البيولوجيين الذين لا يعرفون عن أولادهم شيئا، الأباء لديهم مسؤوليات يؤدوها قبل السؤال عن حقوقهم
شكرا لأنك وسّعت النقاش باتجاه الجوهر الحقيقي: البر. وهو جوهر ما لا تفهمه من كلامى السابق لك.
دعني أوضح رؤيتي باختصار، كما أؤمن بها:
البر ليس مكافأة على الأداء، بل هو واجب أخلاقي وديني يُقدَّم حتى لو قصّر الطرف الآخر. هذا لا يعني التغاضي عن الألم أو نسيان الضرر، بل يعني أنني أختار أن أكون بارا لأنني أؤمن بأن البر لا يُشترط له الكمال من الطرف الآخر.
هل يجب أن أُعطيه كل مشاعري؟ لا، فالمشاعر تُبنى ولا تُفرض.
هل يجب أن أُنزله منزلة الأبوة المكتملة؟ ليس بالضرورة.
لكن الحد الأدنى من البر والاحترام، كزيارة، كلمة طيبة، دعاء، معاملة كريمة... هذا ما أراه برا لا مشروطا بعكسك لأنه يعكس أخلاقي ومبدئي أنا، لا سلوك الطرف الآخر.
نحن لا نبر والدينا لأنهم لم يخطئوا، بل لأنهم هم والدينا، وهذا الارتباط لا يمكن تغييره، لكن يمكن تهذيبه بمقدار ما يسمح به الواقع والجرح والتجربة.
إذا كان الأب الذي أخطأ جاء نادما أو حتى غير نادم ( فحسابه عند خالقه )، فحينها يكون البر امتحان لنفسي قبل أن يكون استحقاق له.
أكون قد سامحت، أو على الأقل، لم أبادله إساءة بإساءة، وهذا ما أفهمه من معنى البر في صورته الراقية، لا المتاجرة به كأنه صفقة بين العطاء والرد.
حقيقة أقدّر الطريقة التي تفرق بها بين البر كمبدأ أخلاقي وديني، وبين المشاعر الشخصية. لكن دعني أوضح وجهة نظري التي أظن أننا نلتقي في بعض جوانبها، ونختلف في أخرى.
أنا لا أطالب بإسقاط البر، ولا دعوت يومًا للعقوق، لكنني أدعو لإعادة تعريفه في سياق واقعي وإنساني. البر، كما أفهمه، ليس فقط فعلًا أخلاقيًا نابعًا مني تجاه من أنجبني، بل علاقة يُفترض أن تنمو وتتطور على أساس من العدل، والمسؤولية المتبادلة.
حين يغيب أحد الطرفين تمامًا عن هذه العلاقة، طوعًا واختيارًا، لا أستطيع أن أتعامل معه بنفس الشعور أو ذات التقدير الذي أكنّه لمن كان حاضنًا وفاعلًا في حياتي. نعم، قد لا أسيء، قد لا أُهين، وقد ألتزم بالحد الأدنى من البر كواجب أخلاقي لكن لن أقدمه بنفس الروح التي يُطلب بها في الأحاديث المثالية.
البر، كما تفضلت، لا يجب أن يكون مشروطًا، لكن في الوقت نفسه، لا يجب أن يُطلب بذات الصورة من كل الأبناء دون اعتبار لحجم الجرح، وطبيعة الغياب، والخذلان المتكرر. ليس لأننا نساوم على الأخلاق، بل لأننا نحاول أن نمارسها بوعي، لا برد فعل أو تحميل نفسي ما لا تطيقه من مشاعر زائفة.
الاحترام موجود، لكن التقديس؟ لا. البر قائم، لكن ليس كما يُصور دائمًا، فلكل تجربة سياق، ولكل قلب طاقته.
جميل أننا وصلنا لنقطة تلاق تُظهر أن جوهر الفكرة الذي أقصده بدأ يفرض نفسه، وهذا ما كنت أهدف إليه من البداية. يبدو أن النقاش، رغم اختلاف مداخله، قادنا إلى رؤية متقاربة حتى وإن تم التعبير عنها بصيغ مختلفة.
أنا دائمًا ما أُرحّب بالنقاشات التي تتحول من استجابات انفعالية إلى رؤى أكثر عمقا، ويبدو أنك بدأت تلتقط الخيط الحقيقي للفكرة، وهذا في حد ذاته يُحسب للنقاش وليس لأحدنا فقط.
المفاهيم الكبرى كـ "البر" لا تُنتزع من سياقها الإنساني، ولا تُحمّل النفس فوق طاقتها. لا أحد يُسقط الواجب، ولكن من حق كل إنسان أن يعيد تعريف ما يمنحه من مشاعر في ضوء ما عاشه فعليا، لا ما يُطلب منه .
وإن كان في الطرح بعض الصراحة التي قد تُزعج، فهدفها تحريك المياه الراكدة، لا كسر الجسور. لذا، طالما وصلنا لهذه المرحلة من التفاهم، فالنقاش بات على السكة الصحيحة.
أقدّر مشاركتك وأحترم هذا التطور في الطرح. يبقى النقاش مفتوحا ما دام قائما على ما تمليه علينا مبادئنا الإنسانية العميقة، لا فقط ما يفرضه الواقع من تعقيد وتشوه في مثل هذه العلاقات الحساسة.
فالموازنة بين الواجب الإنساني وظروف التجربة الفردية تظل دائما محور يستحق التأمل.
أنا اتفق معك. كل إنسان يزرع ما حصد. من زرع حب واحتواء سيجده ومن زرع إهمال وجفاء سيجده، ولاحظ هنا أنني أختص المشاعر وليست الأفعال. بمعنى أن الآباء غير المسؤولين قد لا يستحقوا منا الحب لأنهم لم يعطوه ولكن في كل الأحوال المعاملة الجيدة مفروضة علينا تجاهم. وهذا هو التوازن المطلوب بين الحفاظ على البر والحفاظ على النفسية. اعطي لنفسك الحق لكي تستاء ولكن لا تعطي الحق لنفسك كي تسيء.
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .