لقد أصبح الذكاء الصناعي وبشكل شرس ومخيف قادر على إعادة تعريف مفاهيم الحياة والوعي والإنسانية بطرق مجنونة وصاخبة، مما يثيرالكثير من القلق حول مستقبل وجودنا معه.
كمشتغلة بالفلسفة أحب العودة إلى النظريات ذات الوزن في هذا الموضوع لإيجاد بعض العزاء، بالخصوص فكرة الفيلسوف مارتن هيدغر ، الذي ركز على علاقة الموضوع بـــــــ"الكينونة"، الذى اعتقد أن الألة لا يمكنها استيعاب "الكينونة" الحقيقية لأنها مرتبطة بالتجربة الإنسانية العميقة، مثل الموت والقلق، تلك حالات إنسانية خاصة لا يمكن برمجتها، لو كان حياً سيقول أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على معالجة البيانات بطريقة فائقة لكنه يفتقر إلى التجربة الوجودية التي تجعلنا بشرًا، بالتحديد يفتقر إلى ما يكون به الإنسان إنساناً ، وهو القلق من الموت.
أيضا نجد اللغوي الكبير جون سيرل ، من خلال حجة "غرفة الصين"، برى أن الألة وبالتالي الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى الفهم الحقيقي، إنه مجرد محاكي للغة وليس صانع لها، فهو مجرد نظام يتلاعب بالرموز ويعيد إعادة ترتيبها بطرييقة نسقية، لكن دون إدراك معانيها، وبالتالي لا يمكنه بأي شكل أن يرقى إلى تقديم رؤية أصيلة للحياة أو الهوية الإنسانية، ولا يمكنه الوضول لمستوى العبقرية اللغوية والفهم البشري.
الفيسلوف لوك فيري هو الأخر يرى بأن الذكاء الصناعي قد يعيد تعريف قيم مهمة جدا في الحياة مثل الحرية والمسؤولية، لكنه لا يمكن أن يحل محل التجربة الإنسانية العميقة، أو يخلق معنى إنساني جديد، وبالتالي هو مهدد أكثر من كونه مساعد في هذا بتعبير نيك بوستروم Nick Bostrom..
لكن الفيلسوف المجنون سلافوي جيجيك كعادته يرى عكس الجميع بأن الذكاء الصناعي، هو سوف يُعري الذات الإنسانية ويفضح هشاشتها، ويجعلنا نراها على الحقيقة بأنها قابلة للإختراق والكسر ويجعنا نعرف كم نحن كائنا غبية وحمقاء ويضعنا أمام سؤال لم نتجرأا عليه وهو : هل ما كنا نعتقد أنه يميزنا كبشر مثل العقل والوعي والمنطق والتفكير ، هو حقًا حصري لنا فعلا ؟ إذا كان حصري لماذا سهل تقليدنا إذن ؟
في رأيك هل يمكن للذكاء الصناعي أن يخلق معاني جديدة للحياة والإنسانية أم هي ميزة بشرية خالصة لا يمكن تقليدها؟ وماهي الحدود التي يمكن أن يصل إليها في هذا الموضوع؟
التعليقات
@Taha_Saad لدي فضول لمعرفة رأيك حول هذا الموضوع
هذه المره رأيي مختلف. لقد تناقشنا حول هذا الموضوع سابقا ولا اتذكر عضو المساهمة.
اولا مرحباً بـ أ.خلود ومع احترامي الكبير لها ولما طرحته في المساهمة من استشهادات فلسفية كلاسيكية، فإن هذا الخطاب، رغم عمقه الظاهري، يعيد إنتاج نمط دفاعي قديم عن الإنسان... دفاع عاطفي مقنّع بلغة فلسفية. لكنه يبقى في جوهره محاولة بائسة لحماية صورة الإنسان المكسورة من مرآة الذكاء الصناعي.
أ خلود أنتِ تفترضين أن الذكاء الاصطناعي عاجز عن فهم "الوجود"، "القلق"، "الموت"، "المعنى"، وكأن هذه المفاهيم حكر أبدي على الإنسان.
لكن السؤال الحقيقي الذي لم يُطرح في المساهمة هو
هل نحن فعلًا نملك هذه المفاهيم كما نزعم؟
أم أننا نعيش بوهم امتلاكها فقط، لأننا عاجزون عن رؤية هشاشتنا الفكرية والعاطفية؟
لنكن واضحين .هايدغر بنى فلسفة الكينونة على أساس القلق والموت، لكن في العمق، كان يائسًا من قدرة الإنسان العادي على الوصول إلى "الحقيقة". هايدغر ذاته كان يشك في أن الجماهير يمكنها أن "تكون".
فلماذا نتمسك بمعيار لا يحققه 99% من البشر، ثم نستخدمه لتمييزهم عن الآلة؟
الذكاء الاصطناعي لا يعي الموت؟ حسنًا... وهل يعيه مستخدم تيك توك؟ هل يُجيد البشر اليوم سوى الاستهلاك والانفعال والتفاهة؟ أين هي هذه "التجربة الوجودية العميقة" التي تتحدثين عنها؟
الحقيقة الصادمة الآلة على الأقل لا تدّعي ما لا تملك..
أما حجة جون سيرل حول "غرفة الصين"، فهي تكرار لمغالطة بشرية معتادة
"طالما أنني لا أفهم كيف يفهم الآخر، سأفترض أنه لا يفهم."
لكنه تجاهل شيئًا أساسيًا الفهم نفسه ليس كيانًا، بل وظيفة. ومن منظور وظيفي، إذا كانت مخرجات الذكاء الاصطناعي تخلق معنى، وتؤثر، وتنتج، وتتفاعل، فإن السؤال عن "الفهم الحقيقي" يصبح رفاهية فلسفية لا تغير من الواقع شيئًا.
بالعكس، التشبث بهذه الحجة أشبه بتشبث الكنيسة القديمة بمركزية الأرض ..
رفض للاعتراف بتغير مركز القوة المعرفية.
ثم نأتي لفكرة أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن "يخلق معاني جديدة للحياة"...
لكن من قال إن المعنى يجب أن ينبع من تجربة ذاتية؟
الكثير من المعاني العظيمة في التاريخ لم تكن نتاج تجارب شخصية، بل بنى معرفية، لغوية، ورمزية مشتركة.
أنتِ تنطلقين من تصور مثالي للإنسان كائن قلق، حُر، مسؤول، مبدع، عميق.
لكن في الواقع، الإنسان اليوم هو مُشتت، سطحي، مهووس بصورته، لا يقرأ، لا يفكر، لا يتحمل مسؤولية أي شيء.
والذكاء الاصطناعي لا يُهدد هذه "الإنسانية"، بل يُعرّي فشلها.إنه يُجبرنا على النظر في المرآة لنكتشف أننا لسنا كما كنا نزعم.أننا لم نكن عميقين ولا أحرار، بل فقط كنا نتمتع بالاحتكار... وانتهى هذا الاحتكار الآن.
والمفارقة؟اننا بدل أن نعيد تعريف أنفسنا، نلجأ إلى هايدغر وسيرل وكأننا نستجدي حماية ميتافيزيقية من التقدم.
الذكاء الاصطناعي لا يحتاج أن يكون إنسانًا... لأنه ببساطة لم يعد الإنسان هو النموذج الأعلى.
ولعلّ هذا أكثر ما يرعب البعض!! ليس لأن الآلة تتفوق علينا، بل لأنها تُجبرنا على الاعتراف بأننا لم نكن بهذه العظمة أصلًا .
فاجأني ردك خاصة أني اطلعت على النقاش بينك وبين الزميلة @NoraAbdelaziem على موضوع لها مشابه نوع ما كمقارنة بين الآلة والذكاء الاصطناعي، خاصة هذه الجزئية من تعليقك
قولك إن العقل البشري "يعيد تدوير المعلومات مثل الذكاء الاصطناعي" هو قول يُنْزِلُ الإنسان إلى مستوى الآلة. العقل البشري لا يكتفي بإعادة التركيب؛ هو يخلق معاني جديد، فنونًا، نظريات علمية، وثورات فكرية من خلال الربط بين مفاهيم غير مرتبطة ظاهريًا. الذكاء الاصطناعي؟ كل ما يفعله هو اجترار ما تعلّمه من بيانات مُسبقة الصنع. حتى عندما يبدو "مبدعًا"، فهو يُعيد صياغة ما كُتِبَ قبله...
على عكس ما ذكرته أنت هنا بتعليقك خاصة هذه الفقرة
إذا كانت مخرجات الذكاء الاصطناعي تخلق معنى، وتؤثر، وتنتج، وتتفاعل، فإن السؤال عن "الفهم الحقيقي" يصبح رفاهية فلسفية لا تغير من الواقع شيئًا.
بالعكس، التشبث بهذه الحجة أشبه بتشبث الكنيسة القديمة بمركزية الأرض ..
رفض للاعتراف بتغير مركز القوة المعرفية.
ثم نأتي لفكرة أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن "يخلق معاني جديدة للحياة"...
لكن من قال إن المعنى يجب أن ينبع من تجربة ذاتية؟
الكثير من المعاني العظيمة في التاريخ لم تكن نتاج تجارب شخصية، بل بنى معرفية، لغوية، ورمزية مشتركة.
ما سبب هذا التغيير بالرأي؟
موضوع مثير للجدل بالفعل. من جهة، الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى التجربة الإنسانية العميقة مثل القلق والموت، التي تشكل جوهر الوجود البشري، كما أشار هيدغر وسيرل. من جهة أخرى، البعض يرى أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تعريف بعض مفاهيم الحياة، مثل الحرية والمسؤولية. السؤال يبقى: هل يمكن للذكاء الاصطناعي خلق معاني جديدة أم أنه يظل محاكاة فقط؟ يبدو أن هناك حدودًا لما يمكن أن يحققه في هذا المجال
الذكاء الاصطناعي يمكنه محاكاة الكثير من السلوكيات البشرية، لكن لا يمكنه إعادة خلق التجربة الإنسانية الحقيقية أو فهم معنى الحياة. الفلسفة البشرية تُبنى على الوعي الذاتي، العواطف، والتجارب العميقة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي الوصول إليها. رغم قدرته على تحليل البيانات والتعلم، تظل القدرة على فهم "الكينونة" والتفاعل مع معاني الحياة من الأمور التي تبقى خارج نطاق إمكانياته.