شدة التعلق بالمكان

قد يتعذر على البعض اعتزال أمكنة عاشوا وترعرعوا فيها، ويصاحبهم شعور دائم بنقصان شيء في أعماق أنفسهم، ما داموا بعيدين أن أمكنتهم التي ربطوا معها روابط وجدانية، ويملأهم الإحساس بالغربة مهما قضوا من الوقت في مطارح، فرض عليهم الإقامة بها لأسباب مختلفة : دراسة، عمل، زواج، أو غير ذلك

لماذا لا يستطيع هؤلاء التأقلم والاندماج في المكان الجديد مع الحفاظ بحبهم لمطرحهم الأصلي؟

وإلى أي حد يؤثر المكان في الإنجاز والتقدم والعطاء؟

وكيف يمكن للإنسان ألا يرتبط بمكان ألفه إلى الحد الذي يعيقه عن الإحساس بالإنتماء للأمكنة التي يتواجد بها؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أرى أن ذلك يرجع إلى الذاكرة وعملها؛ فالأماكن التي ترعرعنا فيها مرتبطة في ذاكرتنا بكل المشاعر الجيدة... السعادة.. الدفء... الحنان... الحب غير المبرر... وغيرها من تلك المشاعر الإيجابية التي تجعل ذاكرتنا تتعلق بتلك الأماكن.

ولذلك يصعب علينا التأقلم في أي مكان جديد بعيد عن تلك الأماكن.

أما تأثير المكان في الإنجاز والتقدم فهو يرجع إلى الراحة النفسية التي يشعر بها الشخص أثناء تواجده في ذلك المكان، فمثلًا من نشأ في بيئة ريفية لا يشعر براحة نفسية عندما ينتقل إلى المدينة، والعكس كذلك، أما إذا توفرت الراحة النفسية في المكان فإن الإنسان ينتج وينجز ويتقدم.

أما عن عدم الارتباط بالمكان فأنا أقول دائمًا (تعوّد على التأقلم) فهذا يجعلني أتأقلم مع أي مكان أذهب إليه أو أعيش فيه بسهولة، سواء كان في المكان الذي نشأتُ فيه أم مكان آخر، وهذا هو السر.

فالأماكن التي ترعرعنا فيها مرتبطة في ذاكرتنا بكل المشاعر الجيدة... السعادة.. الدفء... الحنان... الحب غير المبرر... وغيرها من تلك المشاعر الإيجابية التي تجعل ذاكرتنا تتعلق بتلك الأماكن.

الغريب، عندما تكون تلك الأماكن التي يكاد تعلقنا بها يُفنينا، لا تمت للسعادة ولا للراحة ولا الحنان بأية صلة، ومع ذلك حبنا لها يمنعنا من الاندماج في أماكن جديدة انتقلنا إليها لضرورة حياتية.

فأنا أقول دائمًا (تعوّد على التأقلم)

ولكن كيف؟ ما كل واحد يستطيع التأقلم بسهولة.

ليس كل واحد قادرًا على التأقلم بالفعل، وإنه أمر شاق بالنسبة للغالبية من الناس، ولكنه مهارة قليل من يتقنها وقليل من يستطيع ممارستها.

ولكن إذا نظرنا إلى حال الدنيا سنجد أن دوام الحال من المحال، وأن الشيء الثابت الوحيد في الحياة هو التغيير، ونحن أمام هذه الحالة ليس لنا من الأمر شيء إلا أن نتأقلم مع الوضع وقتما كان وأينما كان وكيفما كان.

كانت لي نفس المشاعر تجاه بيت جدتي، ولكن مع الوقت أدركت أن حب الأماكن لا يعني التعلق المرضي بها، بل يمكن أن تكون ذكرياتنا معها مصدر قوة ودفء أينما ذهبنا، لذلك تعلمت مع مرور الوقت أن أحتفظ بحبي لبيت جدتي في قلبي، وأخلق لنفسي روابط وجدانية جديدة مع الأماكن التي أعيش فيها الآن، فالمكان ليس مجرد جغرافيا، بل هو مشاعر وتجارب نحن من نخلقها.

فالمكان ليس مجرد جغرافيا، بل هو مشاعر وتجارب نحن من نخلقها.

أتفق معك بسمة، المكان في حد ذاته لا يعني الكثير، بدون ما نضفي عليه من تجارب ومشاعر وأوقات سعيدة، نحن من نؤسسها وباستطاعتنا حملها معنا في وجداننا أنى ارتحلنا.

الأمر سببه معقد بين الذاكرة والعاطفة، وغالباً لا يحدث هذا التعلق مع الجيل الجديد الذي عاش بدون الإنتماء لمكان أو الامتنان لشئ وفهم محيطه على أنه مجرد مأوى فقط.

أذكر أن والدي بكى بكاء من فقد كل أحبابه عندما قرر الحي منذ سنوات أن يهدم كل الغرف الموجودة على الأسطح لأنها لا تليق بطبيعة الحي، كانت الغرفة فوق منزلنا منذ أن اشتراه والدي في شبابه جعل منها مكتبة ومصلى له، يجلس بها يقرأ أو يصلي القيام ويتعبد وبعد هدمها لم يكن يشعر بالراحة في أي مكان بالمنزل.

الصلاة والعبادة هي هي والكتب والمكتبة موجودة ولكنه تقريبا شعر بالغربة كأن الغرفة هي سكنه الوحيد وقد فقده فلم يعد يشعر بالراحة.

أنا لا اذكر أنني تعلقت بمكان ربما لأني لم استقر حتى الآن وربما أكون حامل لصفات الجيل الجديد اللامنتمي لمكان.

لماذا يتعلق البعض بالمكان، ولا يستطيع العيش هنيئا بعيدا عنه؟ هل هي رهافة أحاسيس؟ أم ماذا؟

أن لا ينتمي المرء لمكان معين هي ميزة، حيث يعتبر كل المطارح مطرحه، ويحاول أن يسيطر هو عليها ويفعل فيها، لا أن يترك أي مكان يأسره

ليست ميزة هذا نقص شعور وانتماء أن تكون كل الامكان لا تعني لا شئ فهذا لا ينم إلا على خلل واضح في الشعور

حقيقة، لا أدري هل هو ميزة أم خلل، المهم أن يستطيع المرء تحقيق الاعتدال، ألا يتعلق بمكان حد إعاقته عن الاندماج في أي مكان غيره، أو أن لا يرتبط بأي مطرح كيف ما كان، فيفقد كل انتساب لأي مجال فيتجوف عمقه، وقد تتصلب مشاعره.

البعض يستطيع، ليس الكل لا يستطيع التأقلم مع الاماكن الجديدة والاندماج فيها وبناء ذكريات جديدة، ولكن هذا لن يمحوا ذكرياتهم القديمة والتي غالبا مرتبطة بفرحة أكبر أثناء الطفولة أو الشباب.

صحيح، هناك أناس يتأقلمون بسرعة فائقة، ويندمجون في الأوساط الجديدة بكل راحة وفرحة، مع الاحتفاظ بذكرى طيبة لأماكنهم القديمة.

ولكن ما السر في تأقلمهم السلس؟

ربما عدم الارتباط القوي بالأماكن القديمة، ربما لديهم ضكريات ليست جيدة هناك، ربما من النوعية التي تحب التغيير أو التي تشعر بالملل من طول فترة وجودها في الأماكن.