أثر التباين وظاهرة باربنهايمر Barbenheimer

بحلول يوم الجمعة المقبل، سيصدر فيلمين ذوي طباع وقصة مختلفتين جذريا وهما فيلم Oppenheimer والذي يحكي قصة اختراع العالم الأمريكي روبرت أوبينهايمر للقنبلة الذرية في جو ملئ بالسوداوية والدراما، بينما الفيلم الآخر والذي يتباين بشكل كامل مع الفيلم الأول فهو فيلم Barbie وهو التجسيد الحي الأول من نوعه للدمية في السينما في أجواء احتفالية مليئة بالألوان والحركة، مما نشر حالة من الصراع احتدمت في الأسابيع الماضية قبل صدور الفيلمين تقارن وتفاضل بينهما في كل شئ، الإخراج وطاقم التمثيل والقصة وطبيعة الفيلم بشكل لم يسبق أن شهدناه بين فيلمين من قبل، فيما عرف بالBarbenheimer.

المثير للاهتمام هنا هو أنه عند مقارنة شيئان مختلفان تماما، تصبح خصائص كل منهما جلية أكثر بكثير مما هي عليه في الواقع فيما يعرف بأثر التباين وهي ظاهرة عقلية شهيرة تؤثر علينا في جميع جوانب حياتنا. والصراع بين الفيلمين يعد أوضح مثال على تلك الحالة، حيث المقارنة بين الفيلمين تزيد من انطباع الجماهير عن مدى سوداوية وتشويق فيلم Oppenheimer كما تزيد من توقع الطفولية والبهجة من فيلم Barbie.

توجد أمثلة كثيرة لأثر التباين في حياتنا اليومية. على سبيل المثال، عندما نأكل شيئ مر للغاية ثم نأكل بعده مباشرة شيئ حلو، نشعر بأن طعم هذا الشئ أحلى بكثير مما هو عليه في الواقع، وذلك لأننا بدلا من أن نتذوق الشئ فحسب، نقارنه بالشئ المر مما يعطيه أفضلية كبيرة. بالإضافة إلى ذلك، يعد التباين أيضا عنصر أساسي في التصميم؛ وذلك لأن استخدام ألوان متباينة له دور كبير في وضوح عناصر التصميم أو وضوح النص المكتوب عند تباين لون النص عن لون الخلفية.

يمكن لأثر التباين أن يكون له أثر سلبي على شخصياتنا أيضا. على سبيل المثال، عند مقارنة أنفسنا بمن هم أفضل منا في جميع جوانب الحياة، ذلك قد يعطينا نوع من الإحباط واليأس؛ وذلك لشعورنا أن أوضاعنا مزرية "مقارنة بمن اتخذناهم كنموذج للقياس". وعلى الجانب الآخر، عندما نقارن أنفسنا بمن هم أسوأ حالا منا، قد يعطينا ذلك شعور بأننا أفضل من الجميع مما يثير بداخلنا نزعة من الغرور وعدم الحاجة لبذل مجهود ما دمنا "أفضل من غيرنا". لذلك، غالبا ما ينصح بعدم مقارنة أنفسنا بغيرنا، بل الأفضل من ذلك هو التركيز على مقارنة أنفسنا حاليا بأنفسنا فيما مضى وملاحظة مدى التباين في شخصياتنا وهل كان للأفضل أو الأسوأ.

وبالنهاية ما هو أثر التباين على حياتكم وعلى اتخاذكم القرار؟ والأهم من ذلك، إلى أي فيلم أنتم متحمسون أكثر؟؟ 😊

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

عن نفسي، أنا متحمّس لفيلم Oppenheimer. وفي المقابل، لا أستطيع أن أعترف بالجميل لشيء مثل الاختلاف. إنه القدرة الخفيّة لدى البشر كي يستشعروا مذاق الحياة. وبالتالي يجب علينا أن نضع أنفسنا في المسار المختلف عنّا. يجب أن نعرّض أنفسنا للمفارقة والاختلاف، لأن التناقض هو مولد كل شيء، سواء كان في الإبداع أو الفن أو العمل المهني أو حتى العلاقات الإنسانية، فحبّنا للآخرين أيضًا ينبع من أنهم مختلفون عنّا ويعوَضوننا عمَّ ينقصنا.

بالفعل الاختلاف هو ما يجعل للحياة معنى واختلافنا عن غيرنا هو ما يميز شخصياتنا ويعطينا الفردية.

لكن دعني اطرح عليك سؤالا بخصوص جزئية العلاقات الإنسانية، فقد اختلف علماء النفس في مدى صحة مبدأ "الأضداد تتجاذب" حين يتعلق الأمر بالعلاقات. فبعض الدراسات تؤيد ذلك المبدأ حيث أن الأشخاص يبحثون عن من يكملهم، بينما يعتقد البعض الآخر أن الناس يبحثون عن من يشبههم في جميع تفاصيل شخصياتهم. وهناك أيضا من يعتقدون أنه لا علاقة لهذا الأمر بنجاح العلاقات الاجتماعية من الأساس فما رأيك بهذا الصدد؟

عندما قرأت مساهمتك عن أثر التباين، تذكرت مفهوم النسبية التي تطرق لها الكاتب دان آريلي في كتاب توقع لا عقلاني  Predictably Irrational والقوة الخفية التي تؤثر على عملية اتخاذنا للقرار، ووضح لماذا كل شيء نسبي حتى لا ينبغي أن يكون كذلك، والنسبية تأتي من مقارنة عدة خيارات متاحة وبالتالي قد تستغل الشركات هذه الفكرة في التسويق بتوفير خيارات متعددة ومتقاربة لتدفع العميل لشراء خيار محدد هم يريدون تدافع العملاء نحوه، لذا يجب أن يكون الشخص لديه الوعي الكافي حتى لا يقع فريسة لذلك، ويختار وفقا لاحتياجاته وليس من خلال المقارنة بين خيارات قد لا أكون كمستهلك بحاجة له.

وهذا ما تفعله أغلب الشركات حاليا لضمان نجاح المنتج الذي تطلقه، والمثال الأكثر وضوحا على الإطلاق والأنجح أيضا في اتباع تلك الاستراتيجية هي شركة آبل، التي تتصدر كل عام إصدار مختلف من جهازها الأكثر مبيعا "الأيفون" بتعديلات طفيفة ولكن تركز عليها للغاية وتظهر الإصدار الجديد بأنه يختلف اختلاف شاسع عن الإصدارات التي تسبقه مما يجعل المستهلكين يتهافتون للحصول على الإصدار الأحدث.

متحمّس بكل تأكيد لفيلم باربي أكثر بكثير من انتاجات كريستوفر نولان المُبالَغ بها، رجل استعراضي 100% لن ولم أستطيع الاندماج مع أفلامه قبل الان واستعراضها، من momento إلى بريستيج و interstellar وكل تلك الأعمال، كلّها استعراضية، لا أقول ليست ممتعة أو جميلة ولكن أراها مليئة بالاستعراضات التي لا طعم ولا معنى لها، مجرّد استعراضات بصرية وخيالية فارغة، وهذا الفيلم من البوستر يبدو أنّه كذلك، ولذلك بالطبع ميّال إلى باربي التي أستطيع على الأقل استدعاء صورتها من الذاكرة وإقامة هذا التباين الذي تتحدّث عنه حضرتك لتحصيل بعض المتعة بالفيلم.

قد يكون رأيي قاسياً فيما يخصّ أفلام نولان، ولكنّي أراه يأخذ هو وتارنتينو أيضاً مكاناً في السينما يجب أن يرقى إليها من حيث الشهرة غيرهم

في الواقع أذكر أن أحد أصدقائي كان يملك مثل وجهة نظر حضرتك بخصوص أفلام نولان، فقد كان يعتقد أنه كثيرا ما يتباهى بأنه من المخرجين القرئل، إن لم يكن الوحيد، الذي لا يستخدم المؤثرات البصرية أو الCGI في أفلامه، وبالتالي يحاول دائما إظهار مدى براعته في التصوير باستخدام الكاميرا العادية والمؤثرات الحقيقية، حتى لو كان التباهي على حساب القصة أو قد يؤدي لإطالة الفيلم بشكل مبالغ فيه.

لكن بالرغم من ذلك، أنا لم ألاحظ أنها كانت مشكلة كبيرة في أفلامه، هو بالفعل يحب استعراض قدراته، لكن أعتقد أنها تضفي متعة بصرية للفيلم بشكل كبير ولا توجد مشكلة فيها طالما لا تشتت تركيزي عن أحداث الفيلم

هو يصنع سينما ناقصة، السينما ليست صور جميلة فقط، يمكننا متابعة فيلم ستانلي كوبريك الشهير مثلاً barry lyndon هل يمكننا أن ننكر بأنّهُ ليس تحفة من تحف التصوير والصور؟ لا بكل تأكيد، لكن لماذا؟ ليس فقط لصوره الجميلة بل لإنّ كوبريك أثناء رسمه لهذا الفيلم لا صناعته أدخل الدراما في نسيج كل مشهد وخاصّة المراحل الأخيرة منه، السينما دراما "حكاية" وصور لا فقط صور.

دعنا لا ننسى أيضًا انه قام بسرقة فيلم inception :)

أنا أرى أن التباين يؤثر على حياتي وعلى اتخاذي القرار بطرق مختلفة. من جهة، أحيانًا يساعدني التباين على تقدير ما أملك من نعم ومزايا، وأيضًا على تحديد ما أحتاجه من تحسين وتطوير في نفسي وفي حياتي. كما يساعدني التباين على اختيار الأشياء والأشخاص والظروف التي تتناسب مع ذوقي وشخصيتي وقيمي. من جهة أخرى، أحيانًا يسبب لي التباين بعض الضغوط والإحباطات والغرور والحسد، إذا قارنت نفسي بغيري بطريقة غير مناسبة أو غير حقيقية. لذلك، أحاول دائمًا أن أكون واقعيًا وموضوعيًا في مقارناتي، وأن أتجنب الانجرار إلى التطرف في التباين.

وإذا كان علي اختيار فيلم واحد فقط لأشاهده، فأظن أنني سأختار فيلم Oppenheimer. فأنا أحب الأفلام التاريخية والدرامية، وأنا مهتم بمعرفة المزيد عن قصة هذا العالم العبقري والمثير للجدل. كما أنني أحب أسلوب الإخراج والتمثيل للمخرج كريستوفر نولان والممثل كريستيان بيل، اللذين يعتبران من أفضل صناع السينما في عصرنا. وأنت، ما هو الفيلم الذي تفضله أكثر؟

أحيانًا يسبب لي التباين بعض الضغوط والإحباطات والغرور والحسد

ولذلك ذكرت في نهاية المقال أنه من الأفضل ألا نركز بشكل كبير على حياة الآخرين ومقارنة أنفسنا بهم، بل أعتقد أن البديل الأفضل من ذلك هو مقارنة حالنا الآن بحالنا فيما مضى، سواء من حيث المستوى المادي والمعيشي، أو المهارات والخبرات المكتسبة وغيرها من العوامل، أليس هذا أفضل من المقارنة بأشخاص آخرين لا نعلم شيئا عن حياتهم سوى النتيجة النهائية التي نراها، ولا نرى ما ضحوا به في سبيل ذلك أو إذا ما كانوا يمتلكون عوامل ساعدتهم على النجاح نحن لا نمتلكها؟

وأنت، ما هو الفيلم الذي تفضله أكثر؟

أنا متحمس لفيلم Oppenheimer في الواقع لأن كريستوفر نولان لم يخذلني في أفلامه من قبل وأتوقع أن يكون أفضل أفلامه.