عقد اجتماعي جديد ... بين مطرقة حق الخصوصية وسندان الرفاه

Saphae05

العقد الإجتماعي الجديد

في إحدى أقصوصات الأطفال للجيل القديم والتي عنونها ساردها "جربي يافاطمة"، ظهرت تجليات مشهد فلسفي مصغر يضعنا أمام جدلية الحرية المطلقة والفوضى والتي تقابل الحرية المقننة والإمتيازات الإجتماعية .

لقد قيد التردد الدائم على المدرسة من حرية "فاطمة" إلى أن قررت التخلي عن إلتزامها هذا والإقتداء بحياة القطط الحرة مما أفقدها سيل الإمتيازات وسط أسرتها الصغيرة وسرعان ما هرعت لتعانق إلتزاماتها الإجتماعية مقابل ما توفره لها أسرتها من حقوق .

إن مشهد "فاطمة" وهي تعود للإلتزام المجتمعي مقابل التخلي عن حريتها المطلقة ،طرح التساؤل المركزي ومثل مربط الفرس لدى المجتمعات الإنسانية في الفصل بين الطبيعة والثقافة .

فبعدما انتهى الإنسان من السعي وراء غريزة البقاء ، وشدته الغريزة للحفاظ على نوعه وجنسه ،فتزاوج الزمن والتطور لتتمزق شرارة الإدراك داخل عقله البشري ،وهو يتساؤل عن أصول الأشياء وايبستيمولوجيتها ،تائقا إلى لم جزيئات الحقيقة المبعثرة في أرجاء الإدراك .ليتمخض هذا العقل فينجب إيديولوجيات وفلسفات وقوانين ، من خلالها بدأت المفاهيم تتجذر وبدأت الفلسفات تنظر في محاولة العدل بين الحرية المطلقة والحماية الإجتماعية ،فكشفت الفلسفات الأخلاقية ثوبها في بداية القرن 19 عن نظريات تهتم بمدى شرعية السلطة الحاكمة على الأفراد فولد "العقد الإجتماعي"مع" توماس هوبس" و"جون جاك روسو" ، والتي نادت بشكل ضمني وصريح بالتخلي عن البعض من الحرية مقابل الخضوع لسلطة الحاكم أو الدولة رغبة في حماية الحقوق .

لقد سعى منظرو العقد الإجتماعي للبرهنة على الأسباب المعقولة لجعل الفرد العقلاني في التخلي طواعية عن حريته الطبيعية من أجل منافع النظام السياسي .

إن مجمل القيم المميزة للإنسان بصفة عامة سواء المفروضة من قبل الطبيعة أو الثقافة والتي قد تتغير بفعل التاريخ أو السياق الزمني أو ربما قد تحمل هذه الخصائص نفسها في إسقاط آخر وتحور جديد يعاصر وقته والخصائص الجغرافية للمكان .

فمن المرجح أن نظرية" هوبز" لطالما وجدت مكانا لها مادام مفهوم الدولة والفلسفة السياسية والأخلاقية قائما رغم تغير المجتمعات وتعاقب الحروب والثورات التي رسمت ملامح التاريخ والمجتمعات إلى ثوراثنا الرقمية هذه و التي تكاد تشكل خرائطا جديدة في بنية المجتمعات والوعي الجماعي ،فهاهو العقد الإجتماعي الآن مرة أخرى يطرح نفسه بنسخته الجديدة ويطرحه الجدل القائم بين دعاة حماية حرية الخصوصية وبين المطالبين بإعطاء الأفضلية على حساب الخصوصية .فبعدما جعل التطور الرقمي حياتنا أكثر رفاه ،ووهبنا اكتشافات رفعت أرقام و مؤشر الإستهلاك بسخاء ،فقيدت حركات المواطنين عبر كاميرات المراقبة المزروعة في كل مكان وكل جهاز متطور في بعض الدول وصارت الهواتف والمعاملات الإدارية والتحركات مسجلة على شكل بيانات لا حد لها من خلال تطبيقات نحملها كل يوم ترصد كافة اهتماماتنا.

فلبست بهذا ثوب ولي الأمر المراقب وعباءة السلطة الحاكمة التي تخيرك بين رفاهية وسهولة نمط يومك وتوليها الرقابة عليك وبين حرية حياتك الخاصة .

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

رغم المناداة التي زادت برفع معدل الخصوصية بيننا كأفراد، فتجدين الابن يطلب الخصوصية من والديه والزوج يطلب من زوجته مساحة من الخصوصية، والأفراد بشكل عام، إلا أننا نعيش بزمن تلاشت به الخصوصية لأبعد الحدود، بكبسة زر يمكنني معرفة بياناتك ومكان عملك وعائلتك وأغلب المعلومات يمكن لأي فرد الحصول عليها اليوم بكبسة زر حتى اهتماماتك وما تكرهين ، ومن هنا أتذكر سؤال طرحته أحد المستخدمات بمساهمة لها والسؤال لفت نظري كثيرا هل نحن بحاجة لعقد اجتماعي جديد؟

في الواقع نحن بأمس الحاجة لعقد اجتماعي جديد يتناسب مع الوضع الذي نعيشه حاليا.

سياسة الخصوصية أصبحت محل جدلٍ كبيرٍ، خاصةً في عالم الميديا الذي نعاصره من انتهاكات مستمرة ويومية للخصوصية. لكن الأزمة الحقيقية هو قبول الأفراد لهذا الاختراق لبنود الخصوصية الإنسانية دون دراية، حيث أننا بحكم استخدامنا للأدوات المعاصرة، لا نستطيع رفض أيٍّ من هذه الانتهاكات المتعلّقة بطرح الآراء حول حياتنا الشخصية وخلافه، لأننا وافقنا من البداية على المبدأ نفسه باستخدامنا لهذه الأدوات، لذلك فمن الطبيعي أن تكون هذه الأمور قيد الحدوث، والنضج الحقيقي هو أن يكون الإنسان مدركًا أنه معرض لمثل هذه الظروف.

ذكرني مقالك بشخصية شاهدتها في مسلسل أجنبي. كان الرجل الذي أتحدث عنه من أكبر معارضين التقنية لهذا السبب

فمرة تم إرسال إعلان له واستغرب كيف عرف المرسل عنوانه فعلم أن العنوان يكتب على أحد المواقع على الانترنت فما كان منه إلا أن أغلق حاسوبه وألقى به بعيدًا ولم يحاول فتحه أبدًا. كما لم يسعده التطور التكنولوجي في الهواتف فتوقف عن استعمالها.

قد يبدو هذا مثالًا شديد التطرف لغرض الضحك فحسب وهو كذلك ولكن أعده شديد الأهمية فهذا الشخص في حفاظه على خصوصيته وحريته قد أضاع منه بعض المميزات الكبرى التي جلبتها له هذه الأنظمة ومنها سهولة التواصل على سبيل المثال.

وإذا أردت إكمال قصته فقد اشترى هاتفًا صغيرًا فيما بعد ليتمكن من التواصل مع أسرته. في هذا المثال الكوميدي البسيط أرى أن مربط الفرص هو الموازنة حيث نقارن بين المميزات التي نأخذها والعيوب التي نلقاها ونرى ما يفيد وما قد يضر.

شخصيًا لا أمانع إن أخذت بعض المواقع بعض المعلومات عني إن كان هذا سينتج عنه سهولة في تصفحي أو بحثي وشرائي عبر الانترنت.

ولكن قد نرى بلادًا مثل ألمانيا قد طبقت نظرية الخصوصية الشخصية لأبعد درجة فقلدت الشخصية صاحبة المثال ومنعت كاميرات المراقبة بشكل كبير إلا في حالات معدودة وضيقة، فهل ترى هذا مما يفيد الخصوصية والحرية الشخصية حقًا؟ أم أن الأضرار أكبر من المنافع ولا ضير في التضحية ببعض الخصوصية في مقابل أن أجد تسجيلًا لوقت معين عندما احتاجه؟

الإعلامية ديمة الخطيب، والمتواجدة بقوة على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، تقول، "بالنسبة لمن يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد هناك خصوصية، بل بقايا خصوصية نحاول انتشالها كي نحافظ عليها وهذا فيما يتعلق بنوع اخر من انتهاك الخصوصية المتمثل في السوشيال ميديا، لكن فيما يتعلق في خصوصية اليوم بشكل عام فهي للأسف انعدمت في كثير من الجوانب فاليوم اصبحنا جميعها سهلين الوصول بمجرد اقتناءنا للهاتف الذكي بمعنى أن أي جميع تحركاتنا اصبحت مرصودة من قبل اخرين ابدأها بالأصدقاء والاسرة الذين يريدون دائما معرفة تفاصيل حياتنا وثم الشركات العملاقة التي اصبحت تفرض علينا حتى ما نريد شراءه ونعتقد اننا احرار في اختيارتنا!