هل يُمكن أنّ تُكرس حياتك للآخرين؟

  • mone

مُنذ مدة قصيرة سمعت عن قصة لِرجُلٍ أشتهر بأنّه أغنى فقيرٍ في العالم، حيث أنّ العنوان لوحده شدني بشكل كبير، لمعرفة القصة بشكل كامل، ولذلك أحببت أنّ انقلها لكم هنا، ولك يُرجى قراءة القصة حتى نصل إلى نقطة النقاش... تدور القصة حول رجل اعتبره الكثير من الأشخاص بطلاً مثل مهاتما غاندي، والأم تريزا..

.

عندما كان صغيرًا ترعرع في عائلة متوسطة أو شِبه فقيرة، وكما نعرف كُلنا في ما سبق كانت التربية للأطفال أفضل، وذلك لقلة التكنولوجيا، حيث كان الأغلبية يُركز على زرع الأخلاق، والمبادئ، والتعليم في طفله، حيث قامت أم هذا الرجل في صِغره بتربيته على حُب الخير، والعطاء، وزرعت فيه بذور الرحمة، والإنسانية.

.

اسم هذا الرجل هو عبد الستار، وولِد في عام 1928... وعام 1939 أصيبت والدته بالشلل، وفي هذا الوقت لم يكن مُتجاوز الـ 11 من عُمره، ولكنه، ورُغم صُغر سنه تكفل برعاية والدته بالكامل من (إطعامٍ، وعلاجٍ، وتنظيف، وغيره)، وبمعنى أوضح كرّس كل حياته لِخدمة أمه، وبسبب انشغاله بها للأسف لم يُكمل تعليمه.

.

ولكن الجميل الحزين في الأمر، عندما توفيت والدته، وهو في عُمر الـ19 عامًا، قرر أنّ يُبذل جهده ليوفر لكل المرضى المحتاجين رعايًة صحية جيدة، ويكفل لهم تكاليف العلاج، ولهذا قلنا الجميل الحزين.

.

قام عبد الستار بالعمل كبائع متجول من أجل أنّ يُحقق حُلمه الإنساني، ولكن سُرعان ما ادركَ إنّ هذه المهنة لن توصله لهدفه، فأخذ يتسول، ويجمع التبرعات، ومن خلال هذا العمل قام بانشاء خيمةً لتقديم الخدمات الطبية، والرعاية للفقراء، وبعد انشاءه للخيمة، قام بإقناع اطباع للتطوع معه، واشترى سيارة اسعاف، حيث كان يقود سيارة الإسعاف بنفسه لإنقاذ المرضى

.

بعد مدة من الزمن، وبمرور الوقت، وثق الكثير من الباكستانيون بـعبد الستار، وانهالت عليه الكثير من التبرعات، ومن خلال هذه التبرعات قرر أنّ يتوسع أكثر، وأكثر، وانشأ مؤسسته الخيرية.

.

من خلال المؤسسة وفر المئات من المراكز، والمستوصفات الطبية، ومراكز رعاية الأمومة، وخصصت للفقراء مقابر خاصة بهم، وقدمت المساعدات لكبار السن، وذوي الاحتياجات، والمُدمنين، كما أنّه من خلال المؤسسة أيضًا وفر مئات الملاجئ للأطفال، والنساء، الذين يتعرضون للعنف الأسري.

.

وامتلكت المؤسسة أيضًا أسطولاً من سيارات الاسعاف، وطائرات مُجهزة طبيًا، وعلى مدار السنوات أنقذت المؤسسة أكثر من 20 ألف لقيط، ورعت ما يزيد عن 50 الف يتيم، حظي عبد الستار بشعبيةٍ كبيرةٍ في العالم، وفاز بعدة جوائز مرموقة، وأطلق عليه الكثير من الألقاب منها، أمبراطور الخير، وأبو الفقراء، وأغنى رجلٍ فقير في العالم، وذلك بسبب أنّه لا يمتلك سوى عباءتين، ويعيش في شُقةٍ متواضعة مع زوجته، وابنائه.

.

في عام 2013 أصيب عبد الستار بفشلٍ كلوي، وعرض عليه رئيس باكستان بالتكفل بجميع مصاريف علاجه بالخارج، ولكنه رفض، وأصر أنّ تتم معالجته في مستشفى حكومي في باكستان، وأوصى قبل وفاته بالتبرع بجميع اعضاءه للمحتاجين، ولكن المرض دمر اجهزة جسمه، وحرمه من تطبيق وصيته، ولفظ انفاسه الأخيرة في عام 2016 تاركًا خلفه مؤسسته الخيرية الكبيرة

.

لذلك! هل يُمكن أنّ تُكرس حياتك فعلاً لخدمة الآخرين؟

أو ترى أنّ تكريس حياتك للآخرين ما هو إلا هراء لا جدوى منه، ويجب أنّ تعيش حياتك الخاصة؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لقد قصتت علينا الجانب الخير في حياته، وهذا لا يعني أنه كرس حياته للآخرين فقط.

، وذلك بسبب أنّه لا يمتلك سوى عباءتين، ويعيش في شُقةٍ متواضعة مع زوجته، وابنائه

وهذا يعني وجود حياة خاصة به، تزوج وأنجب وبالتأكيد كان يعمل وإلا كيف سيعيش؟ فبالتأكيد رجل مثله قدم العديد من المساعدات للآخرين لن يقبل العيش على المساعدات.

فقلة من تكرس حياتها من أجل أمر معين وتتنازل عن الجانب الدنيوي، والذي لا أرى فيه عيبا فعيش حياتك وزواجك وإنجابك هي بالنهاية رسالة قد خُلقنا من أجلها

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، رواه مسلم

تكريس الحياة للآخرين او بمعنى أخر التطوع من أجل إحداث أثر إيجابي للأخرين شيء عظيم

وقبل اسبوعين تقريبا شاهدت حفل مبادرة صناع الأمل، كان هناك عدة نماذج عظيمة كرست حياتها للأخرين، سواء لعلاج او تبني الأيتام، أو التطوع في الدول النامية، نماذج تجعل الإنسان يفكر دائمًا لماذا لا يكون لكل منا حلم تطوعي وهدف إحداث أثر إيجابي في حياة الأخرين بجانب أهدافه الخاصة .

اتمنى لو أُحدث اثر ايجابي في مشوار حياتي بمثل هذه الأعمال، وأعتقد أن كل منا يحتاج ان يخلق في داخله جانب من العطاء بلا مقابل.

هل يُمكن أنّ تُكرس حياتك فعلاً لخدمة الآخرين؟ أو ترى أنّ تكريس حياتك للآخرين ما هو إلا هراء لا جدوى منه، ويجب أنّ تعيش حياتك الخاصة؟

أعتقدت أن هنالك اختيارًا لم تلحظه، أنا أرى أنه من الممكن فعلًا أن يكرس شخص حياته لفعل الآخرين، ولكن هو لا يفعل ذلك الفعل لذاته، بل لنفسه ولمصلحته، سواء مصلحة سياسية أم إجتماعية أم نفسية -وهي الغالبة.

ما أقصده بذلك القول ألا نحمل أنفسنا نوعًا من المسئولية تجاه من يكرسون حياتهم من أجلنا، وخاصةً إذا ما كرروا على مسامعنا أفضالهم علينا، لأنه لا يوجد إنسان على وجه الأرض يفعل شيئًا رغمًا عنه بل له مصلحة منه بشكل أو بآخر، ولا وجود للتكريس الذي نتخيله عند الحديث عن الإيثار إلا في مخيلاتنا، أو لدى بعض المرضى العقليين، وهذا لا ينفي فضيلة الإيثار وقيمته، فقيمته تنبع من تفضيل السعادة المعنوية -السعادة بفعل الفضيلة- على مصادر السعادة الأخرى -مال أو طعام أو غيره من المصادر الحيوانية.

لذا إجابة على سؤالك: نعم يمكنني فعل ذلك، وأراه له جدوى بلا أدنى شك، وإلا لما فعلته، ويمكنني أيضًا ألا أكرس حياتي لخدمة الآخرين، ويمكنني كذلك أن أجمع بينهما دون تناقض داخلي أو اغتراب، وإذا متت فلا أتمنى صراحة من أحد أن يكتب عن أفضالي عليه -إن وجد أفضالًا أصلًا.