كان نبض يتقدم في العالم وكأنه يعرف خريطته الخاصة. نبض لا يتعثر رغم الظلال، ولا يضل رغم الضجيج. كان الناس يظنون أنه قوي لأنه لا يسقط، لكنه في الحقيقة قوي لأنه يعرف متى ينهض، ويعرف متى يحمي جمرته من رياح الأيام.
هذا النبض لم يتعلم الطريق من البشر، بل تعلّمه من نفسه، من تلك اللحظات التي انكسرت فيها روحه ثم عادت لتقف بلا ضوضاء، من تلك الليالي التي ظن فيها أن نهايته اقتربت ثم اكتشف أن البداية كانت تُفتح أمامه دون أن يدري.
كان يسير بهدوء يشبه اليقين. يعرف أن الألم ليس عدوًا، بل معلّمٌ يفتح بابا لم يكن يُفتح لولا العتمة. يعرف أن الحب ليس صدفة، بل نبض يختار صاحبه حين ينضج داخله ضوء لا يراه أحد. يعرف أن الفراق ليس ضعفًا، بل خطوة تحمي ما بقي من نبضه قبل أن يتآكل.
ولم يكن هذا النبض يبحث عن النجاة فقط، بل يبحث عن نفسه. وفي كل مرة كان يقترب من الحافة، كان يسمع داخله صوتًا لا يشبه الأصوات، صوتًا يقول له إن الطريق الطويل لم يُخلق ليُخيفه بل ليصنع ملامحه، ليمنحه حكمة لا تُشترى، وليجعله قادرا على أن يرى ما يعجز الآخرون عن رؤيته.
كان الناس يمرون بقربه، بعضهم يلمح ضوءه، بعضهم يُفلت يده، وبعضهم يظن أنه يعرفه. لكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك. فالنَبض الذي لم يخطئ طريقه لم يكن يسير ليعجب أحدا، بل كان يسير لأنه يعرف أنه يحمل سرا لا يفهمه إلا هو.
سرٌ يقول إن النور لا يأتي من الخارج، بل يولد من شقوقٍ تركتها الخيبات، وإن القوة ليست صراعًا، بل سكون يعرف أين يقف ومتى يتقدم. سرٌ يقول إن الحب لا يضيع، بل يعود حين يرتفع النبض من داخله لا من الخارج، وحين يصبح جاهزا لأن يفتح أبوابا جديدة دون خوف من الفقد.
وهكذا، ظل هذا النبض يمشي، لا يركض ولا يلتفت. يمشي بخطوات تشبه النضج، وبصمت يشبه الحكمة، وبإيمان يشبه المعجزة. كان يعرف أن الطريق الطويل ليس امتحانا، بل رسالة تقول له إنه لم يُخلق ليضيع، وإنه لم يختر يوما إلا ما كان له، وما سيكون له، وما ينتظره حين يصبح مستعدًا لاستقباله.
هذا هو سر النبض الذي لم يخطئ طريقه. نبض يعرف أن الرحلة أكبر من الحيرة، وأنه كلما ظن أنه وصل، اكتشف أنه لم يبدأ بعد.