مجتمع للمبدعين لمناقشة وتبادل الأفكار حول التدوين وصناعة المحتوى. ناقش استراتيجيات الكتابة، تحسين محركات البحث، وإنتاج المحتوى المرئي والمسموع. شارك أفكارك وأسئلتك، وتواصل مع كتّاب ومبدعين آخرين.
مما لا شك فيه بأن الكتابة الأدبية تختلف عن الكتابة الفكرية ليس فقط من ناحية طبيعة الموضوع وإنما أيضا من ناحية صياغة الكلمات والأسلوب، وبالطبع ليس كل الروايات والقصص يمكن لها أن تلقى نجاحا باهرا إلا إذا استطاعت أن تكسب قلوب القراء عبر جملة من المعاني والأحاسيس التي يشعر فيها القارئ بأن الموضوع موجه له هو بوجه التحديد.
لكن بصراحة قد تبادر في ذهني سؤالا مهما "هل وضوح الأفكار ينتج عنه غياب للإحساس؟"، لكون الإحساس يستدعي توظيف التشبيهات والاستعارات للكلمات من أجل أن يتأثر القارئ بها، وقد نجد أمثلة كثيرة في هذا الصدد، مثلا عُرف المتنبي بتوظيفه اتشبيهات في مواضع عدة في أشعاره، من بينها: "وأسمعت كلماتي من به صمم"، فهو هنا يمدح نفسه لإعجابه بكلماته، فبدلا من أن يقول كلماتي تعجب كل من يقرأ لها، اختصرها في جملة تعبيرية تعكس حقا قوة ايحاء كلماته، وبالتأكيد أن الكلمات التي تحمل الإحساس والعاطفة يكون معناها بليغا، مثلا أيضا قول أحمد طلقُ اليدين كناية عن الكرم.
برأيي الكاتب الناجح هو من يستطيع أن تكون كلماته قريبة لإحساس القارئ ومفهومة ولو زينها بتعبيرات مجازية إلا أنها تمكن القارئ من فهم مغزاها، ويقول في ذلك الكاتب فيليس جيمس "متى ما تعاظمت ثروتك اللغوية صارت كتابتك مؤثرة أكثر"، وأسوأ ما يمكن أن يقدم على فعله الكاتب هو اقتصاره على مصدر واحد للمعرفة، لا يطور من تعبيره أو كلماته، لو قرأتها قبل سنة ستشعر بأن الزمن قد توقف عنده دون أن يحاول أن يضفي لقاموسه عبارات أخرى تعبيرية يستطيع بها أن يوظفها في محتوياته. ولمن يعتقد بأن الموهبة كافية، فالكاتب لن يصير عظيما إلا إذا عمل بجهد وكد من أجل لوصول لمبتغاه.
وحضور الإحساس لا يكمن في الاستعانة بإلهام مجهول أو تكلف في إحضاره، وإنما كما قال أورهان باموق "سر الكتابة لا يكمن في الهام مجهول المصدر، بل في المثابرة كمن يحفر بئرا بإبرة".
مارأيك أنت، هل توافقني الرأي "في وضوح الأفكار غياب للاحساس" ، ولماذا؟
التعليقات
مارأيك أنت، هل توافقني الرأي "في وضوح الأفكار غياب للاحساس" ، ولماذا؟
أرى أن وضوح الأفكار والإحساس يكملان بعضهما البعض، بل إن وضوح الأفكار هو عامل مساعد لتقوية عامل الإحساس بتوظيف التشبيهات والاستعارات وباقي الجماليات البلاغية بشكل مناسب، فكل كتابة تناقش فكرة معينة قد يتم إدخال عامل الإحساس إليها. ألاحظ تلك النقطة في كتابات المبدع " المنفلوطي " ، وضوح أفكاره وأهدافه السامية من النصوص الأدبية التي يكتبها لم يخل من جانب بلاغي قوي يلمس الإحساس وتُذرف العبرات لقرائته .
وإن ما يجعل القراءة ممتعة من الأساس هو تكامل النص من خلال تقديم ومناقشة أفكار واضحة مهما كان نوعها مع إحساس جميل يترك انطباع الكاتب لدى القارئ، فتغمر القارئ السعادة بينما يقرأ هذا السطر، وتدمع عيناه لذلك التعبير، ويتحمس بقراءة هذه الجملة.
بالتأكيد بأن الأمرين يكملان بعضهما، ولكن هل توظيف الاستعارات يحمل وضوح للأفكار ؟ بالتأكيد لا، الفكرة الواضحة المباشرة التي يتمكن القارئ من فهمها من أول وهلة لا توصل له احساسا قويا مقارنة توظيف التشبيهات والاستعارات.
كتابات المبدع " المنفلوطي " ، وضوح أفكاره وأهدافه السامية من النصوص الأدبية التي يكتبها لم يخل من جانب بلاغي قوي يلمس الإحساس وتُذرف العبرات لقرائته .
كتابات المنفلوطي احساسها نابع ليس من الكلمات فقط بل من ناحية المواضيع الاجتماعية التي يتناولها، وكل ما له علاقة بمشاكل الفرد ومجتمع أكيد أنه يحمل احساسا، ولكن القلة القليلة من تنجح في جعل كلماتها واضحة مع مرافقتها للاحساس.
الكاتب فيليس جيمس "متى ما تعاظمت ثروتك اللغوية صارت كتابتك مؤثرة أكثر"
أنا أشعر من الموضوع أنّ حضرتك تلمّحين أنّ الذخيرة اللغوية هي العامل الاساسي الذي يجعل الكلام مقروئاً ومسموعاً، لا شك أنّ للغة عامل رئيسي بالاجتذاب، لكن يسأل أي كاتب دائماً وأسأل: ما حدود اللغة؟ اللغة لا تصنع من ببغاء كاتباً، المسألة برأيي كلّها متعلّقة بالتجربة الإنسانية، بالمعاني، بالحكمة والخوض في الحياة، بالمعرفة الحق ولا علاقة لهذه الجودة بالكتابة بأمر اللغة، قد تكون عاملاً مساعداً ولكنّها ليست العامل الرئيسي، والدليل أنّ دوستويفسكي مثلاً قد كتب روائعه باللغة الروسية ولو كتب ذات ما كتب بلغة عادية لما كُنّا لاحظنا ذلك الفرق نحو الأسوء، لماذا؟ لإنّ التجربة التي خاضتها الشخصية كانت هي من ترفع النص لا اللغة، لأجل هذا لم يتضرر هذا النوع من الروايات، كُل ذلك حُمِل بالمعنى الإنساني.
لاشك بأن اللغة هي أداة تواصل بين الكاتب والقارئ، وهي تعكس أفكار صاحبها، المقصود بالمقولة هذه :متى ما تعاظمت ثروتك اللغوية صارت كتابتك مؤثرة أكثر"، بأنه كلما كان يملك الكاتب رصيد لغوي ثري ومفردات ايحائية تحمل تشبيهات فستكون كتاباته تحمل احساسا ومؤثرة للقراء.
الدليل أنّ دوستويفسكي مثلاً قد كتب روائعه باللغة الروسية ولو كتب ذات ما كتب بلغة عادية لما كُنّا لاحظنا ذلك الفرق نحو الأسوء، لماذا؟ لإنّ التجربة التي خاضتها الشخصية كانت هي من ترفع النص لا اللغة، لأجل هذا لم يتضرر هذا النوع من الروايات، كُل ذلك حُمِل بالمعنى الإنساني.
لكن الترجمة هي الأخرى تفسد الاحساس، لو كنت أعرف اللغة الروسية لقرأت رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي، كما قرأت له بالعربية لوجدت الفرق الشاسع في سرد التفاصيل، ذلك لان احساس الكاتب التي يكتبها باللغة الأم تكون أكثر بلاغة ومؤثرة مقارنة باللغة التي تم ترجمته بها.
لكن الترجمة هي الأخرى تفسد الاحساس
وهذا تماماً ما أحاول أن أثبته، في أنّ ورغم أنّ الترجمة قد قامت بخلخلة النصّ وإتعابه لإنّ أي كتاب تكمن روعته بلغته الأم، إلى أنّ دوستويفكسي قد استطاع التفوق بكل اللغات، وهذا ليس بسبب ذخيرته اللغوية أو أسلوبه الأدبي (لإنّ هذه الأمور يحدث عليها تغييرات بسبب الترجمة، حتى أنّ نغمة الأبجدية كلها تختلف) وإنّما بسبب التجربة المطروحة والمعنى العميق جداً الذي تبرز أهميته بعيداً عن دقة اللغة ووفرتها، إنّما باستخدامها فقط.
بعد ان قرأت التدوينه حدث عندي بعض الالتباس لذلك دعيني استوضح الامر أكثر حول رأيك.ولنستخدم نفس المثال السابق ،
عندما قال المتنبي "و أسمعت كلماتي من به صمم"
هل كانت الفكره واضحه والإحساس موجود؟
أم حضر أحدهما و غاب الآخر ؟
حتى تتضح الصورة أكثر :
المثال الأول: و أسمعت كلماتي من به صمم....... الفكرة غير واضحة من أول وهلة، تستدعي الى التركيز وفهم الفكرة، والاحساس حاضر من خلال التشبيه المستخدم الذي يوحي حقيقة بقوة كلمات المتنبي.
المثال الثاني: كلماتي تعجب كل من يقرأ لها......الفكرة واضحة ولكن الاحساس بقوتها لاتظهر، مدح بدون استدلال.
اذا نحن متفقان علي أن الاحساس موجود و يتبقي لنا وضوح الفكره وهنا أجد نفسي لا أوافقك في بعض الرأي .
أولا: عندما قال المتنبي هذا الشطر " و أسمعت كلماتي من به صمم" فان جميع الحاضرون في عصر المتني سواء من سمعوه مباشرة أو من نقل إليهم الشعر كانت الفكره واضحه لديهم تمام الوضوح وخصوصا انها جاءت تقريبا في منتصف القصيده الشعريه مؤكده لما قبلها من أبيات قالها فخرا و دفاعا عن نفسه.(وهي مختلفه في قوة المعني و الفكره عما ذكرتي "كلماتي تعجب كل من يقرأ لها ")
ثانيا: انا اتفق معك انه قد تضيع الفكره وتفقد رونقها عندما يستغرق الكاتب في التشبيهات فيكثر منها علي حساب الفكره والمعني الاصلي وهذا مأخذ قد أخذ علي بعض من الشعراء او الكتاب .
ثالثا: دعيني الان اقتبس من مقالتك،
"برأيي الكاتب الناجح هو من يستطيع أن تكون كلماته قريبة لإحساس القارئ ومفهومة ولو زينها بتعبيرات مجازية إلا أنها تمكن القارئ من فهم مغزاها"
من هذا الاقتباس استطيع ان اقول انه لا تعارض بين وضوح الفكره ووجود الاحساس في ظل استخدام صور وتعبيرات مجازيه ولكن الامر يعود الي الشاعر او الكاتب وكيفية توظيفه لهذه التعبيرات المجازيه بما يخدم النص ويثري الفكره والمعني دون استغراق في التشبيهات،وفي رأيي هذا مايميز كاتب عن الاخر.
رابعا : أري ان من حق القارئ ان تكون الفكره واضحه فتصل اليه دون تعقيدات فيمل او يترك الكتاب،ومن حق القارئ ايضا ان يري جمال اللغه في التراكيب و الاستعارات والتقديم و التاخير و التشبيهات ..الخ حتي يستطيع القارئ ان يثري مخزونه اللغوي.
أخيرا أعتذر عن الإطالة و لكن عزائي أن يكون الامر واضحا.
شكرا