لا يوجد مسرحية، لقد انتحر الجمهور.

في غرفتك المبعثرة ترتدي ملابسك الأنيقة لحضور عرض مسرحي يتناول عملاً أدبياً عميق المعاني، وعندما تصل إلى المسرح يصدمك ما فيه.

تنظر حولك فتجد في قاعة المسرح الكثير من الدمى المعلقة بحبال كأنها جزء من العرض، ثم تزيد التأمل فتقف فزعاً لترى منظراً بشعاً، الفراغ والأتربة في كل مكان، والحزن يهيم في كآبة شديدة حيران باحثاً عن إنسان ليغزوه.

أذنك تسمع صوت أنين فتتبع الصوت لتجد مصدره حارس الأمن المسؤول عن تأمين المسرح يأن وعلى ملامحه حسرات ضياع كأنما تم إعدام ابنه لتوه، فتسأله ما الذي حدث؟ وأين العرض المسرحي؟!

فيرد بنبرة صوت ظاهرها الهدوء وباطنها الخوف والذعر قائلاً: لا يوجد مسرحية.

فتسأله لماذا؟ أصدر أمر من الحكومة بإلغاء العرض؟ أَمَرِضَ الممثلين؟ ما الذي حدث.

- سيدي، لا يوجد مسرحية، لقد انتحر الجمهور.

فتصدم من وقع الكلمة وتنظر حولك لتلمح جثث الجمهور معلقة في كل أرجاء المسرح شانقين أنفسهم حيث كنت تظنهم في بادئ الأمر دمى لأجل العرض المسرحي.

أي لعنة أصابت المسرح لينتحر الجمهور بأكمله؟

أي شيطان تلاعب بعقولهم وقلوبهم حتى علقوا أنفسهم على المشانق؟

أهلاً بكم يا سادة في ساحة كتابة المحتوى، حيث شنق القراء أنفسهم بحبال من الفيديوهات السريعة التافهة التي تقتل عقولهم وتميت قلوبهم من أجل نشوة من المتعة البصرية الزائفة.

أهلاً بكم يا سادة في مسرح كتابة المحتوى حيث الممثلون هم الكتاب الذين يبحثون عن جمهور يقرأ كتاباتهم ويتراقص معهم على أنغام الكلمات على خشبة المسرح، ولكن هيهات، لا يوجد مسرحية فلقد انتحر الجمهور.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

Emilie97
  • حذف بواسطة المستخدم

لماذا هذا الإحباط؟

ليس إحباطاً والله يا أخي وإنما أحب استعراض عضلاتي الأدبية مين حين لآخر.

صياغة درامية عميقة صورت كيف يفني الكتاب أنفسهم ويزهقون أرواحهم بين سطور كتاباتهم بينما الجمهور لا يجد في القراءة ما يجعله يتخلى عن هوس المقاطع الصغيرة.

أكثر من رأيته يركز على هذه النقطة كان أحمد أبو زيد صاحب كيان دروس أون لاين، كيف أن هذه المقاطع السريعة أشبه بالإدمان الذي يوفر لصاحبه جرعة دوبامين عاجلة لا توفرها له القراءة.

لكن برأيك أين الخلل؟ الجميع بلا استثناء يعرف أهمية القراءة ويحيدون عنها، ما الدافع الذي يجعل الناس يتجهون للقراءة؟ لا أظن أن الرغبات والتفضيلات الشخصية كافية.

أنا عن نفسي أفضل الكتب والمقالات على الفيديوهات، وأسبابي في هذا أن الكتب والمقالات تعطيني تحكم أكبر فأستطيع بنظرة واحدة بعد قراءة فهرس الكتاب أو تمرير المقال بشكل سريع أن أفهم كل عناصر موضوع الكتاب أو المقال وهذا صعب في الفيديو، كما أنني في الكتاب أو المقال أستطيع بكل سهولة أن أقرأ الجزء الذي أريد وأعيده وأقرأه بتأني وبتكرار وهذا ما يصعب مع الفيديو.

وهذه الأسباب نستطيع أن نرجعها لسبب أصلي وهو أنني أبحث عن الفائدة لا المتعة، بينما باقي الناس تهتم بالمتعة لا الفائدة، فتجدهم ينفقون الساعات في مشاهدة مسلسل بينما يملون بعد دقيقتين من قراءة كتاب.

الكل يبحث عن اللذة وسبب هذا هو طغيان القيم الرأسمالية على الإنسان وتحويله لكائن باحث عن اللذة أكثر منه كائناً باحثاً عن المعنى من حياته.

كما أن العقل في طبيعته كسول يحب ما يعطيه المتعة لا الفائدة فينفر من القراءة ويذهب للفيديوهات.

ففي رأيك كيف نعالج كل هذه الأسباب؟

ففي رأيك كيف نعالج كل هذه الأسباب؟

طرف الخيط النقطة التي ذكرتها؛ العقل البشري كسول، النفس بصفة عامة تميل للراحة والكسل.

من وجهة نظر شخصية جدًا أجد أن الدافع الرئيسي لأي جهد مبذول يجب أن يتعلق بمصير الإنسان، الدافع لتغيير عاداتي السيئة، الدافع لتحمل مشاق بناء عادات جيدة، الدافع لتحدي عقبات إدارة الوقت، الدافع وراء كل سعي هو المصير الأخروي (وعن عمره فيم أفناه).

لماذا قلت أن هذه وجهة نظر شخصية؟ لأنني عن نفسي مهما بلغ حماسي للتغيير والتحسين أجد أن المغريات أكبر من مقاومتي، فربما أقول لنفسي ما الذي يجعلني أقرأ مقالًا مفيدًا بينما يمكنني تصفح الفيسبوك في فترات راحتي؟ لن أغير الكون بقراءة مقال ولن أغير الكون بتنظيم وقتي ولا يغريني أن أكون في صفوف المشهورين، ولكن لو ركزت أنني مسؤولة عن وقتي فعندها يمكن لنفسي الاستجابة بشيء من الإيجابية والسعي المثمر.

وهذا هو الممتع في قراءنا، أنك تعلمين جيداً أن الذي يقرأ هو شخص تجاوز تفاهات الدنيا ليقرأ مقالاً قد ينفعه في دنياه أو آخرته غير عابئ بمغريات السوشيال أو اليوتيوب أو غيره ولا يهمه سوى الفائدة.

أهلاً بكم يا سادة في ساحة كتابة المحتوى، حيث شنق القراء أنفسهم بحبال من الفيديوهات السريعة التافهة التي تقتل عقولهم وتميت قلوبهم من أجل نشوة من المتعة البصرية الزائفة.

قد تحتوي هذه الفيديوهات على الخلاصة وتقدم الفائدة أسرع من مقالة كتبت من أجل محركات البحث، ليش شرطا أن تكون الفيديوهات السريعة تافهة، بل يمكن أن تعطي المعلومة أسرع ويمعدل أنسب من بعض المقالات في الفترة الحالية.

وهناك نماذج لمقالات بل لمواقع يمكن أن تكون نموذجا لذلك، نبحث عن سؤال وندخل على أول نتيجة تجد مماطلة في الطرح ومقدمات طويلة وقد تنتظر لنصف المقال حتى ترى إجابة عن سؤالك على عكس المحتوى المرئي.

لو تمكن الكتاب والمدونون اليوم من الكتابة من أجل الجمهور أولا، وتوفير المحتوى المفيد سيتمكنوا من استعادة قرائهم بالتدريج