كيف يدفعنا الرفض الاجتماعي إلى العزلة؟

في رواية أحدب نوتردام، يصف فيكتور هوجو بطل روايته "كوازيمودو" ويقول أن من الآثار التي سببت له البؤس أنه اقتنع أنه خبيث، وهذا ليس شيئاً فطرياً فيه بل اكتسبه من معاملة الناس له، فوجهه الدميم وهيئته المتوحشة جعلته مهاناً طيلة حياته، وهذا جعله مقتنعا بأنه خبيث، فكان يكره النظر للناس، فانعزل في الكتدرائية.

الأمر نفسه وجدته في طاهر أو "تيتو" في فيلم تيتو، كان طفل شوارع ونشأ نشأة قاسية جعلت منه وحشاً من الداخل، ولكن رغم ذلك كان الخير بداخله، وعندما وجد صديقا جيدا ومحترما ودخل بيته وعرف أهله، وأحب من هذا الوسط الجديد فتاة مثقفة ومن أسرة محترمة، قرر ترك المستنقع الذي كان يعيش فيه.

ولكن المستفيدين من وحشيته لم يتركوه وشأنه، وأوصلوا ماضيه السيء إلى الفتاة التي أحبها وتركته.

بعدها قرر الإنعزال في بيته منتظراً مصيره المحتوم، فقُتل في بيته في النهاية في مشهد مؤلم لشاب كان يشعر في آخر أيامه أن قدره المحتوم جعل منه مرذولاً خبيثاً لا يستحق أن يعيش ويحب مع الناس العاديين.

كوازيمودو أحدب نوتردام الذي دفعه شكله إلى العزلة.

تيتو الشاب الذي دفعه ماضيه إلى العزلة.

ولكل واحد منا قصته، أناس تركهم لنفس السبب، وأماكن هجرها، وعزلة طالت به لشعوره أنه غير مرغوب فيه ذات يوم.

ويبقى السؤال

ماذا على الإنسان أن يفعل حينما تلفظه الحياة، ويشعر أنه غير مرحب به أيا كان السبب، ولا يجد أمامه إلا أن يعزل نفسه عن الناس؟

كيف ينجوا بنفسه من أن ينتهي به المطاف كما انتهى بأحدب نوتردام وتيتو؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعتقد أن الحاجة للمجتمع هي التي تسبب المشكلة، فلو لم يرغب أحدب نوتردام بشدة في الانتماء للمجتمع كان سيتقبل رفضهم له ببساطة ويمضي في طريقه، كثير من الناس يمضي وحيداً لا ينتظر من أحد قبول أو ترحاب فلا يسهل التأثير عليه، بل يقرر أن الحياة رحلة وحيدة فيصنع نجاحاته ويبني نفسه ويضع المجتمع في المرتبة الثالثة أو الرابعة وليس الأولى.

قد يسمي البعض هذا الاستغناء أنه مجرد تخدير للفشل الاجتماعي.. حيث ان الإنسان الذي يقول (لا يهمني أحد) هو في الحقيقة أكثر شخص مجروح من رأي الناس، فيقرر أن يسبقهم بالرفض قبل أن يرفضوه. كيف يمكن لشخص أن ينجح وهو معزول؟ النجاح يتطلب جمهورا، والمال يتطلب زبائنا، والحب يتطلب شريكا..

عن طريق تغيير البيئة التي نشأ فيها وعامله المجتمع هنالك بالرفض. هذا يذكرني بقصة الرجل الفاجر الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا وقال له العالم في نهاية المطاف اترك بيئتك لتنجح وتتوب وتتغلب على ما انت فيه من شر. ليس كل الناس ترفضنا وليس كل المجتمعات لا تقبلنا. أحياناً أومن بمقولة: لا كرامة لنبي في وطنه وهذا عن النبي فكيف بإنسان عادي ينعاني نقصاً من جوانب الحياة....

تغيير البيئة هو حل جيد في حالات كثيرة بالفعل مثل القصة التي ذكرتها لكن احيانا اشعر اننا صرنا اكثر جبنا وخوفا بحيث نبحث عن التغيير بمجرد الاصطدام بمشكلة او مشكلتين..

قد يكون الاستغناء هو استغناء عن رغبات غير منطقية، فليس هناك إنسان يجمع الجميع على حبه، وليس هناك إنسان مقبول من الجميع، بل الطبيعي أن يقبل الإنسان رفضه من الآخرين بنضج.

الإنسان يميل لأن يألف ويؤلف

ويميل لأن يكون منتمي لمكان ما

إن شعر الإنسان أن ما يحب أن ينتمي إليه يلفظه ولا يريده سينكسر شيء بداخله

وأحياناً لا يرغب الإنسان بأكثر من أن يكون مقبولاً فقط ليس محبوباً أو مكروهاً.. فقط مجرد قبول

وهذا ما كان يحتاجه كوازيمودو .

أرى أن عدم وضع آراء الناس ومواقف المجتمع في الحسبان شيء هام، ولكن هذا صعب جدا الوصول إليه ولا يفعل ذلك إلى قلة نادرة

فكرة أن نكون منبوذين وسط مجتمع لا يقبل أي قدر من الاختلاف عنه هي بلا شك واحدة من أصعب التجارب التي قد يمر بها أي شخص، خصوصا عندما نحتاج لأحد يدعمنا في فترة صعبة مثلا او حتى نحتاج لصحبة عموما في حياتنا، ومن غير المنطقي أن نقول أننا يمكننا العيش بمفردنا بدون أحد، ولكن ربما تكون المشكلة أننا نسعى للانتماء للمجتمع الخاطئ، وهذا السعي يجعلنا لا نرى مجتمعات أخرى قد تكون أكثر تقبلا لنا

إذا ذهبنا فقط للأماكن التي تصفق لنا وتقبلنا كما نحن، فلن نتطور أبدا.. المجتمع الرافض هو الذي يضغط عليك لتثبت نفسك، لتغير هندامك، أو لتهذب أخلاقك. البحث عن بيئة بديلة قد يكون مجرد بحث عن مطبلين يريحون أعصابك لكنهم لا يصنعون منك بطلا مثل تيتو الذي حاول التغيير فعلا!

ولكن ربما تكون المشكلة أننا نسعى للانتماء للمجتمع الخاطئ، وهذا السعي يجعلنا لا نرى مجتمعات أخرى قد تكون أكثر تقبلا لنا

دائماً هناك فرص أخرى

ولكن الإنسان أسير اختياراته وما تعلق به قلبه

تيتو عندما انصدمت فيه الفتاة وتركته .. لم يرى أي فرصة أخرى للقبول وكأن العالم لن يقبله على علاته

فما كان منه إلا أن فتح أحضانه للموت

في كلتا القصتين تعريف مهم جدا في علم النفس يُدعي النبوءة ذاتية التحقيق، أي أن الشخص لا يستطيع أن يفصل حقيقته عن رأي الناس فيه، فيبدأ يصدق حكمهم عليه، ويتصرف على أساسه، وفي مرحلة ما من حياتي وقعت أنا الأخرى في نفس الشيء، ونتيجة لذلك قررت الانعزال، ولكن خلال فترة التشافي تعلمت أنه علىّ الفصل بين رأي الناس عني وبين حقيقتي نفسها، فالحقيقة كما ذكرتها ان كوازيمودو لم يكن خبيثاً هو فقط كان بحاجة إلى مرآة تُريه حقيقته الفعلية، وتيتو ايضاً نفس الشيء، فالتشافي الحقيقي يبدأ من إدراك الشخص بأن رأي الناس عنه هو في الواقع نابع من نظرتهم هم الأمور وليس أنت، وبعدها يمكنك خلق شخصية جديدة عنك في بيئة بديلة، وقطع كل خيوط الماضي تماماً.

فالتشافي الحقيقي يبدأ من إدراك الشخص بأن رأي الناس عنه هو في الواقع نابع من نظرتهم هم الأمور وليس أنت، وبعدها يمكنك خلق شخصية جديدة عنك في بيئة بديلة، وقطع كل خيوط الماضي تماماً.

قد ينجح الإنسان في فصل حقيقته عن رأي الناس.. وهذا بعد محاولات ومحاولات.

ولكن ماذا يفعل إن كان ما يراه الناس يدفعهم لاجتنابه والبعد عنده ؟

هل سيستطيع الإنسان أن ينصف نفسه وحده!

يحاول أن يغير بيئته إذا تطلب الأمر، أو إذا كان مجبراً ان يعيش في تلك البيئة، عليه أن يحاول أن يجعل من نفسه شخص أصلب داخلياً للمواجهة وعدم التهرب، وينمي نفسه ويفعل أشياء تتناسب مع حقيقته، ويحاول جاهداً أن يعمل على نفسه على أمل أن يترك هذا المكان ويعيش حياة جديدة، فكلنا نستحق فرص أخرى.

اعتبر تلك العزلة نوع من الاستسلام لدور الضحية وتبرير للتخلي عن المسؤولية الفردية تجاه تطوير الذات. إن كوازيمودو وتيتو، رغم مأساويتهما، يمثلان نماذج أدبية تبالغ في تصوير أثر المجتمع لتبرير الانكسار الداخلي، بينما الواقع يثبت أن الشخصية القوية هي التي تتخذ من الرفض حافزاً لإثبات الجدارة وفرض الاحترام عبر التميز في مجالات أخرى. الهروب ليس نتيجة حتمية بل هو قرار شخصي، في حين أن النجاة الحقيقية تكمن في رفض ذلك الدور والبحث عن مجتمعات بديلة تقدر الجوهر لا المظهر أو الماضي.

الهروب ليس نتيجة حتمية بل هو قرار شخصي، في حين أن النجاة الحقيقية تكمن في رفض ذلك الدور والبحث عن مجتمعات بديلة تقدر الجوهر لا المظهر أو الماضي.

لكن للإنسان طاقة وقدرة محدودة على التحمل بعدها يكون القرار ليس شخصيا بل حتمياً.

بالضبط كما لا يمكننا أن نلوم البعير الذي قسمت ظهرها القشة

طبعا احترام حدود الطاقة البشرية هي نظرة واقعية تحترم ضعف الإنسان، لكن الركون إلى فكرة الحتمية قد يحرمنا من اكتشاف القوة الداخلية بنا التي تظهر في اللحظات الصعبة. فبينما يُشبه البعض التعب بالقشة التي تقسم ظهر البعير، يرى آخرون أن التمسك بالأمل وبذل جهد إضافي بسيط قد يغير النتائج تماماً ويمنحنا القدرة على تجاوز الأزمة. الاستمرار رغم الإرهاق ليس إنكاراً للتعب، بل هو محاولة لعدم خسارة كل ما بنيناه في لحظة ضعف عابرة، فكثيراً ما نكتشف أننا نملك طاقة أكبر مما كنا نتوقع حينما نصرّ على بلوغ النهاية