الكتابة هي "قراءة الكاتب" .. هل تتفق ؟

كل كاتب يملك تعريفه الخاص للكتابة، بما يتوافق مع أهدافه وممارسته الكتابية، أنا على سبيل المثال تحدثت أكثر من مرة حول نظرتي للكتابة باعتبارها وسيلة التعبير الأولى والأصدق والأدق بالنسبة لي،  وبالطبع أنت يا كاتب حسوب قد تمتلك تعريفك الخاص للكتابة، أو أنك قد مررت بتعريف لأحد الكُتاب فأيدّته فيما يقول .. شاركنا رأيك .. ماذا تعني لك الكتابة ؟

في كتاب "ما أنا بقارئ" وصف الكاتب أحمد الزمام الكتابة بوصف مثير للإهتمام حيث أشار إلى أن الكتابة ما هي إلا "قراءة الكاتب"، وهذا الوصف مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتعريف القراءة عند الزمام، حيث تتعدى القراءة عنده كونها مجرد فعل ينحصر في قراءة المكتوب والمرور عليه فقط، إنما القراءة هي فعل حياتي وجودي مهم لبناء الإنسان وتطوره، القراءة ليست تحريك العيون أو الشفاه أثناء تقليبك لصفحات كتاب، بل تتعدى ذلك لاستقراء مافي السطور وما بين السطور وما خلف السطور وكل ذلك لا يتم إلا عبر المرور بعدة مراحل عقلية وإدراكية.

"والكاتب حينما يلجأ إلى الكتابة، فهو يقوم بعملية قراءة (تجميع) أفكاره وعلمه ومعرفته وآرائه وشعوره ويحولها إلى كتابة، فيكون القارئ لتلك الكتابة قارئاً لقراءة الكاتب"

بين القراءة والكتابة وارتباطهما وتمازجهما، تحدث عدد من الكتاب والمفكرين، فمثلاً يقول واسيني الأعرج " أحتاج إلى أن أكتب وأقرأ، حتى لا أموت اختناقًا"، فالقراءة والكتابة لديه متنفس، أما بثينة العيسى فتقول عن الكتابة بنظرة فردية مليئة بها هي وحدها " إنني أكتب لأكون واضحة معي، وحيدة معي، مليئة بي" .

فهل يكتب الكاتب لنفسه أم أنه يكتب للقارئ والمجتمع ؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

فهل يكتب الكاتب لنفسه أم أنه يكتب للقارئ والمجتمع ؟

سأجيب عن السّؤال وكأنّه موجّه لي، بالنسبة لي لا أكتب للمجتمع ولا للنّاس، فأغلب كتاباتي الشّخصية كنت أخطّها بأناملي لغرضٍ واحد ووحيد وهو أن أرتاح، كنت أهرب من مشاكلي اليومية ومن التّعب والإرهاق اليومي، عبر تلك الأحرف التي أكتبها، فكنت حينما أقوم بنشرها على صفحتي الشّخصية أرتاح نفسيا، ولا يهمّني بعد ذلك من قرأها أو من علّق عليها، كلّ ذلك لا يعني لي شيئا، قد تحمل آراء البعض تشجيعا وتحفيزا لا بأس به، لكنّي في النّهاية قد حقّقت المطلوب وارتحت بعد كتابتي للمقالة أو للمنشور.

أمّا بصفة عامّة فلا شكّ في أنّ الكاتب يجب أن يكتب بحيادية وموضوعية خاصة في المواضيع التي تمسّ أمّته ووطنه، ويعالج بها تلك القضايا وفقا لمبادئه، حينما يكتب لنفسه ولوجه الله سبحانه وتعالى ويخلص نيّته أكيد أنّه لن ينحاز لرأي أو لفئة ما أو يخاف من ردّة فعل فلان ومن المجتمع الفلاني أو الحاكم الفلاني، الكاتب لا يجب أن يجعل بين فكره وقلمه أيّ شخص سوى ضميره ومبادئه وإدراكه بأنّ هنالك ربّا يراقب ما يكتبه.

بالنسبة للشق الأول من جوابك فأنا أشاركك الأمر نفسه، فكتاباتي تعبّر عني بشكل أساسي، وهي نتاج فوضى وتجمع لمشاعري، ولكنني ما زلت أرى في هذا النوع من الكتابات أنها رغم ما تظهر عليه من ارتباط تام بالكاتب إلا أنها بشكل آخر مرتبطة بالقارئ ويمكن أن نقول أنها كتبت له على حد سواء والسبب في ذلك أننا نحمل ذات المشاعر الإنسانية، نحن لسنا وحدنا فيما نحس وفيما نشعر، وقد تكون تدوينة كتبتها أتحدث بها عن نفسي وجد فيها قارئ آخر نفسه، لذلك نحن بشكل أو بآخر نكتب للقراء بنسبة معينة ما دمنا ننشر كتاباتنا للعامة .. هل تتفق مع ما قلته ؟

سأتناول المساهمة على نقطتين متتاليتين. النقطة الأولى تتمثّل في السؤال الرئيسي، وهو السؤال الذي لا أتفق مع إجابته بالإيجاب على الإطلاق، حيث أنني أرى أن الكاتب الذي يكتب قراءاته هو الكاتب المبتدئ. أمّا الكاتب المحترف هو ذلك الشخص الذي يكتب "تفاعلاته" إن صح التعبير. وأعني هنا تفاعلاته مع العالم، ومع قراءاته، ومع نفسه.

أمّا فيما يخص النقطة الثانية، فهي تتمثّل في فكرة القارئ والمجتمع. يرى رولان بارت أننا يجب أن نفصل بين نوعين من القرّاء: القارئ الفعلي، وهو القارئ الذي لا يتوقّعه الكاتب عادةً، حيث أنه يمثّل مجموعة كبيرة من الاحتمالات، ولكل نوع من هذه الاحتمالات أسلوب في القراءة يختلف عن الآخر، وبنيات وتفاصيل تركيبية في النصوص يعتني يها على حساب الأخرى.

أمّا النوع الثاني فهو ما يعرف بالقارئ الافتراضي، وهو القارئ الذي يفترضه الكاتب، أو يضمره في نفسه كما أشار رولان بارت. ويعتمد النص الأدبي على الجمع المتتالي بين هذه الأنواع، لكن دون أن يضع الكاتب حدودًا مقصدوة من وراء ذلك. لكن فيما يخص النزريات المختلفة للقراءة، لا يمكننا أن نتناول مسألة توجيه الكتابة للقراءة الاجتماعية فيما يخص المحتوى الفنّي أو الفن بشكل عام.

ربما وقع تقصير من جهتي في شرح مفهوم القراءة من وجهة نظر الكاتب نفسه والتي شرحها في فصول مستفيضة قبل أن يتطرق لموضوع الكتابة .

حيث أن القراءة تعني له تجميعة خبراته وآراءه وتحليلاته ونقده، فهي تعني له التواصل والجمع والتأمل والإستبصار، لذلك فالكاتب يقوم بكتابة "قراءاته" بالمعنى المذكور أعلاه ويقدمها لشخص آخر سيقرأها بإدراكه الخاص.

يكتب "تفاعلاته" إن صح التعبير.

وهذه التفاعلات تقع ضمن نطاق مصطلح "القراءة" لدى الكاتب .. لذلك النقل ليس كتابة لقراءة الكاتب الخاصة إنما كتابة لمن قرأ له في السابق .

فمثلاً يقول واسيني الأعرج " أحتاج إلى أن أكتب وأقرأ، حتى لا أموت اختناقًا"

أتفق يا تقوى مع واسيني الأعرج قلباً وقالباً؛ فمن يكتب يكتب لنفسه أولاً حتى لا يختنق أو بتعبيري حتى "لا ينفجر". فالكتابة وسيلة تعبير وتنفيس بين الكاتب و الورق الذي ينفث فوقه نيران أتراحه أو ضحكات أفراحه أولا مبالاته أو ..أو ..إلخ. وأعتقد أن بعد تلك المرحلة يتطور الكاتب إلى أن يكتب ليُعرف وحتى يشاطره بنو جنسه خواطره وأفكاره. ولذلك بعض الكتاب يرون أنهم قد فقدوا أنفس ما يحيون لأجله عندما يفقدون القدرة على الكتابة أو التعبير. أتذكر أني قرأت جملة في كتاب أنيس منصور" في صالون العقاد كانت لنا أيام فحواها أن العقاد حينما ارتعشت يده وفقدت السيطرة على خطً الكلمات أحس بدنو الاجل وفقدان قيمة الحياة! فقد أحس العقاد أنه فقد جوهراً لا يعوض وهو وسيلة التعبير عن النفس.

في المراحل الأولى للكاتب هو يكتب لنفسه بالتأكيد، يعبر عن ما يدور في ذهنه، يريد أن يرتب الفوضى العارمة لديه، وهذا الأمر لابد منه، ولكن في مراحل متقدمة للكاتب تتغير توجهاته وغاياته خصوصا عندما يجد بأن هناك شريحة من القراء يريدون أن يقرأوا جديده، في هذه الأثناء لابد أن يرفع الكاتب سقفه توقعاته بعدما كان يفكر فيما يرضي غاياته فقط، لابد أن يعي بأنه مسؤول اتجاه ما يتلفظ به، وكلماته لابد أن تكون لديها معنى ودلالة تنفع القارئ وتنير دربه، لأن في النهاية الكتابة هي رسالة مهمة للمجتمع قد تنير الرأي العام وتغير طريقة تفكيره، والأمر متعلق كله بطبيعة المواضيع التي يكتب عنها وأهداف الكاتب أيضا.

فهل يكتب الكاتب لنفسه أم أنه يكتب للقارئ والمجتمع ؟

ألا يمكن تشبيه الكاتب بالممثل المحترف الذي يتقمس شخصية القارئ وما يفكر به ويدور في عقله وخاصة في الكتابة التسويقية؟ وذلك لا يعني أنه يفقد نفسه ويضيع بين القراء.

وبنفس الوقت للكاتب ركنه الخاص للكتابة عنه وعن نفسه. والكاتب المبدع أو صاحب الموهبة لا يمكنه من دون ذلك الركن. لأن هذا الركن هو أحد أهم عوامل نجاحه وتطوره بالكتابة التي تدفع به للزج بأفكاره تفريغها.

والأهم أنه لا يمكن الفصل بين الإثنين، لأن الكاتب الموهوب هو نشأ وتطور من خلال الكتابة عن نفسه والكاتب الذي يكتب فقط للقار تجده كالكاتب المجرد الذي لا يحمل أي شيء منه. تتجرد منه نفسه وافكاره وربما يضيع بين القراء فلا يجد نفسه. وبذلك تجد كتاباته للقارئ مجردة لا روح فيها مهما ارتفع مستواها. ليس كالذي يحمل نفسه معه في كتاباته لنفسه وكتاباته لقارئه.

يجب على الكاتب أن يسعى لتحقيق التوازن بين الكتابة للقارئ والكتابة لنفسه.

وميف يمكن تحقيق ذلك ؟ وهل ينبغي عليه الفصل بينهما ؟

على سبيل المثال أشعر في بعض الأحيان أن كتاباتي في مدونتي مرتبطة بي بشكل كبير حيث أنها قد تبدو مبهمة للقارئ أحياناً وللبعض غير مفهومة بشكل كلي، رغم ذلك لا لا أجرأ على تحريف الكلام الذي نشأ من قلبي مباشرة حتى لا أنزع منه صدقه، لذلك أعتمد في كتابتي في المدونة على أن أكتب لنفسي بينما في الأماكن الأخرى فأنا أكتب للقارئ بشكل أكبر .

تحميل كتاب فلسفة الرفض PDF