كيف نتخلص من عبء المعرفة؟

صرنا في هذا العصر نغرق يوميًا في طوفان من المفاهيم والمصطلحات، حتى أصبحت عقولنا مزدحمة أكثر مما تحتمل. نحن نبحث عن التطوّر الذاتي ونقرأ عن الوعي والطاقة والعلاقات والذكاء الاصطناعي والصحة النفسية، لكننا في الوقت نفسه نجد أنفسنا بين مدارس فكرية متناقضة كل منها تدّعي امتلاك الحقيقة.

أحيانًا أشعر أن المعرفة التي كان يفترض أن تنير طريقنا، صارت تشتتنا وتربكنا، حتى لم نعد نعرف ما نؤمن به حقًا. نتنقّل بين المفاهيم كما يتنقّل المرء بين محطات كثيرة دون أن يصل إلى وجهته.

وربما لهذا السبب أصبحت أحلم أحيانًا أن أغادر كل هذا الصخب، أن أضغط زر إيقاف، وأبدأ من جديد في مكان آخر مكان يشبه المريخ مثلا😂 رمزًا للهدوء والبساطة، حيث يمكننا أن نعيد اكتشاف أنفسنا من دون ضجيج.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

المعرفة شهوة ككل الشهوات يا لينا، رغم أنها أعلى الشهوات وأنقاها، لكنها تبقى في النهاية شهوة يميل لها القلب والعقل، وكل شهوة إذا لوحقت بتطرف أصبحت عبء وعائقاً، والحقيقة ليس مشكلتنا مع المعرفة وإنما مع التظاهر بالمعرفة والرغبة في أمان المعرفة، فنطن أن كل منشور يتحق الحفظ وكل معلومة تستحق أن نتوقف عنها، لكن دون أن نعطي أي واحدة منها حقها في التفكير والتحليل والفهم.

صحيح يا خلود، أوافقك تمامًا. فالمشكلة ليست في المعرفة ذاتها، بل في طريقتنا في التعامل معها. أصبحنا نستهلك المعلومات بسرعة دون أن نتأملها أو نفهمها بعمق، فنزداد تشوّشًا بدلًا من أن نزداد وعيًا. ربما الحل ليس في تقليل المعرفة، بل في التمهّل، واختيار ما يناسبنا، والتفكير فيه بوعي بدلًا من تكديس كل ما نقرأه.

منذ أن قررت أن أتعمق في بعض المفاهيم وأصبحت أستخدم عبارة (جحيم الوعي)، كم كان الجهل ببعض الأمور نعمة، ذلك النوع من تجمد الدماغ الذي نشعر به كلما عرفنا شيئًا جديدًا دهس كل ما نتوقع ليعبر إلى منطقة ما لا نتوقع بأسلوب فني مذهل غير قابل للنقد ولكن ربما قابل للبكاء، لم أكن أدري أن المعرفة صعبة لتلك الدرجة خاصة فيما يتعلق بالعلاقات والصحة النفسية، أنا من أردت يومًا في طفولتي أن أصبح عارفًا بكل شيء لأكون عبقريًّا

تعبيرك الخاص بجحيم الوعي شعرت به جدا، فحقًّا ثمة لحظات ندرك فيها أمورًا كانت تمرّ بنا ببراءة، فإذا بها تثقل أرواحنا بدل أن تنيرها. ربما ليست المشكلة في الوعي ذاته، بل في طريقة تعاملنا معه. فالمعرفة حين تغيب عنها الرحمة تتحوّل إلى عبء. لعلّ الحل أن نتعلّم كيف نعرف من دون أن نحترق بما نعرف، أن نُبقي بيننا وبين المعرفة مسافة تمنحنا صفاء النظر لا وجع الإدراك.

المشكلة أنها مزدحمة بما يشبه الكراكيب! يعني مفاهيم ومصطلحات ليس لها ثقل في نفوسنا فلا تكاد تلامس قلوبنا أو تختلط بنفوسنا. المشكلة أيضا أننا أحياناً نظن أنها لكثرتها وازدحام عقلونا بها أننا خلاص قد اكتسبنا كم هائل من المعرفة وهذا خداع جداً. الحل برأيي هو التعمق و التأمل الطويل لموضوع واحد وتكوين رأي فيه يرضينا بحيث نطمئن له ولا نخرج ذلك الموضوع أو تلك القضية مجددًا من وعينا ونطرحها على عقولنا لنكون رأيا من جديد.

أعجبتني تشبيهاتك كثيرًا، فالمعرفة بالفعل تشبه الكراكيب حين تتكدّس بلا ترتيب أو غاية. ما ذكرته عن التعمّق مهم، فهو نوع من الزهد المعرفي، أن نغوص في موضوع واحد حتى نلامس جوهره.

لكنني أتساءل هل يكفي أن نتعمّق في فكرة واحدة فحسب؟ أم أن التوازن بين العمق والاتساع هو ما يعيد للعقل صفاءه؟ ربما ليست المسألة في الكمّ ولا في النوع، بل في الإيقاع الذي نستهلك به المعرفة.

شكرا ولكن ما تقصدين بالزهد المعرفي هنا؟ تعبير جديد علي الحقيقة.

لا احب أن أكون كما يقال أعرف حاجة عن كل حاجة وخلاص. هذه طبيعتي. وما أقصده أن نتأمل ما نعرفه ونربي ملكاتنا العقلية على التدقيق وتقليب الأفكار على كافة وجوهها. ما الفائدة في أن نعرف أشياء كثيرة ولا نربطها بعقيدة لدينا أو نكون عنها فكرة ثابتة إلى حين ياتي دليل ويغيرها؟ ما أقصده بالعمق أن يكون لدينا رؤية واستبصار لما نعرفه ونقتنع بما نعرفه ولا نتردد فيه أو نعلق رأينا فيه...

الزهد المعرفي الذي قصدته يعني التعامل مع المعرفة بقدر من الوعي والانتقاء. هو أن نكفّ عن مراكمة المعلومات لمجرد الشعور بالامتلاء، وأن نكتفي بما يضيف إلى وعينا فعلًا. فكما أن الزهد في الدنيا ليس رفضًا لها، بل تحرر من التعلق بها، كذلك الزهد في المعرفة هو تحرر من استهلاكها بلا غاية.

أتفق معك أن العمق والتأمل ضروريان لتكوين رؤية راسخة، لكن ربما لا يكفي العمق وحده. فالاتساع أيضًا مهم كي لا نحصر أنفسنا في زاوية واحدة من الفهم. التوازن بين الاثنين هو ما يصنع عقلًا ناضجًا يعرف متى يغوص ومتى يطفو، ومتى يتوقف ليعيد ترتيب ما جمعه.

لا أرى أن كثرة المعرفة هي المشكلة بل الطريقة التي نتعامل بها معها فالمعرفة في جوهرها ليست عبئ بل طاقة يمكن أن تفتح أمامنا أبواب جديدة للفهم والنضج المشكلة تحدث عندما نستهلك المعلومات دون وعي أو دون هدف واضح فنملأ عقولنا بما لا يخدمنا وهنا فقط تتحول المعرفة إلى فوضى لكن لو تعلمنا أن ننتقي وأن نقرأ بتركيز ووعي سنجد أن كل معلومة تضيف لبنة في بناء فكرنا بدل أن تشتته فالهروب من هذا الزخم ليس حل لأن العزلة لا تمنحنا الفهم بل ربما تجعلنا أسرى لما نجهله الهدوء الحقيقي لا يأتي من تقليل المعرفة بل من تعلم كيفية تنظيمها والتعامل معها بعقل ناقد وهادئ

أحترم رأيك يا إسراء لكن أظن أن الأمر أعمق من مجرد طريقة تعامل. أحيانًا كثرة المعرفة بحد ذاتها تُرهق النفس، حتى وإن كنا نقرأ بوعي. فالعقل له طاقة محدودة، ومع هذا الانفتاح المستمر يصبح من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالاختناق المعرفي.

اختر الفكرة التي يمكن تطبيقها واستفد منها.

لكن أحيانًا المشكلة ليست في كثرة الأفكار بل في محاولتنا تطبيقها كلها دون وعي. ربما الحل أن نختار ما يناسبنا فعلًا ونتوقف قليلًا لنفهم قبل أن نواصل التلقّي.

نعم لينا

إنّ التطبيق العملي لأيّ عملٍ يحتاج إلى تخطيطٍ دقيق، وتقديرٍ سليم، ومراجعةٍ مستمرة، غير أنّ ذلك كله لا يؤتي ثماره إلا إذا استعان الإنسان بالله تعالى، وسأله التوفيق والبركة في مسعاه.

فمن توكّل على الله، وصدق في الاعتماد عليه، بارك الله في جهده، ووفّقه في عمله، وجعل عاقبته خيرًا، ولو لم تتحقق النتائج كما أراد.

وقد قال رسول الله ﷺ:

«عَجَبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمرَهُ كلَّهُ له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبرَ فكان خيرًا له».

(رواه مسلم)

من كل هاته الفوضى المعلوماتية يمكننا صناعة نظام فكري خاص نتبعه طالما أن فيه عدالة بيننا و بين من هم حولنا ..