الساعة الذكية والساعة الحائطية
على جدار المكتب، كانت ساعة الحائط الكبيرة تراقب الغرفة بصمت. عقاربها تدور ببطء، لا تهتم كثيرًا بمن ينظر… فقط تواصل أداءها القديم بثقة لا تتزعزع. على الطاولة، بجانب شاحن أنيق، استراحت ساعة ذكية صغيرة، يلمع شاشتها كل بضع ثوانٍ، تعرض عدد الخطوات، معدل ضربات القلب، إشعارًا برسالة، ثم تحليلًا لجودة النوم. قالت الساعة الحائطية بنبرة هادئة: "كنتُ أذكّرهم بالوقت… لا أُطاردهم به." ردّت الساعة الذكية بفخر: "وأنا أساعدهم على استغلاله! أُحصي كل شيء، أنبّه، أُرشد، أتابع…" ابتسمت الساعة الحائطية بهدوء: "لكنهم صاروا لا يعيشون اللحظة… بل يراقبونها وهي تمرّ." سكتت الساعة الذكية للحظة، ثم قالت بصوت خافت: "أحيانًا… أظن أني جعلتهم يركضون خلف كل دقيقة، حتى نسوا لماذا بدأوا." في الجدار، دقّت الساعة الحائطية: دقّة واحدة، بلا إشعار، بلا تحفيز، بلا هدف. ثم تمتمت: "أدقّ لأذكرهم… أن الوقت لا يُراقَب، بل يُعاش."
التعليقات
من الغريب أن الجميع يتفق أن الوقت في الماضي كان أكثر بركة وأكثر طولاً، كان الإنسان يشعر أن قضاء ساعة في أمر هو وقت طويل وكثيف ومثمر، على عكس الآن تمر الساعة كخمس دقائق، لابد أن هناك شيئاً ما حدث، ولا أظن أن لذلك علاقة بالنضج أو التكنولوجيا.
كلامك صحيح صديقي جورج وأعتقد أن التكنولوجيا هي المدان الاول في هذا. وبرأيي ليس الإختلاف هنا في الساعة الكونية او أن الشمس تسارعت في ورانها حول نفسها أو أن الأرض أسرعت من دورانها حول الشمس فقل اليوم وتناقصت الثواني ولكن بسبب أن الزمان الوجودي لم يعد من مائة سنة مثلاً كما هو اليوم! الزمان الوجودي أقصد به المشاعر و الأحساسيس و الأفكار التي تتوارد على خاطرنا في مسألة ما وحشد المشاعر وتكثيفها بحيث تكون ساعة زمان مثل خمسة من ساعات اليوم. نحن أصبحنا فقراء في الأحاسيس و المشاعر بما حولنا ولم نعد نعطي وقتًا لتأمل أي شيئ بسبب الريلز و قفظ وعينا كنا يقفز عقرب الثواني بدون أن يقبض هذا الوعي على مشاعر حقيقية تدوم معنا.
صحيح شعورنا بمرور الوقت تغيّر بشكل واضح في الوقت الحالي رغم أن الساعات والدقائق هي نفسها لكن كثافة الأحداث والمعلومات التي نعيشها اليوم تجعل الوقت يبدو أسرع بكثير وأيضًا الانشغال المستمر والشاشات التي تسرق انتباهنا تجعل الساعة تمر وكأنها دقائق قليلة لذلك التغير في شعورنا بالزمن لا يتعلق بالنضج فقط أو التكنولوجيا بل بكيفية عيشنا وانشغالنا اليومي