خطاب لم يُقرأ

الورقة المهملة وظرف البريد

كانت الورقة تنتظر شيئًا ما. انتظار لا يشبه الترقّب، بل يشبه الثبات الكئيب… كمن يعي أن لا أحد سيأتي، ومع ذلك يترك الباب مواربًا. مرّت عليها أسابيع منذ أن طُبعت عليها تلك الجملة العريضة: "طلب عمل" بخطّ دقيق، محترم، محسوب الحروف. طُويت الورقة بعناية داخل ظرف أنيق، خالٍ من البهرجة. كأن صاحبها أراد أن يقول: "أنا متواضع، لكنني مهمّ."

في البداية، ظن الظرف أنه وُلد لأجل هذا الخطاب. حمله بفخر، انتظر فوق الطاولة، تحمّل غبار المكتب، وسخر في نفسه من كل رسائل البريد الإلكتروني التي تمرّ فوق رؤوسهم. "نحن الحقيقيون، نحن الذين نشمّ رائحة الحبر… لا إشعارات سريعة تُنسى خلال دقائق."

لكن الأيام مرّت، ولم يُرسل أحد شيئًا. نسيهم صاحبهم، أو ربّما فقد الأمل… وبدأت الورقة تتجعّد شيئًا فشيئًا، كأنها تتأقلم مع الفشل. قال الظرف يومًا، بصوت خافت: "على الأقل كُتبتِ. الكثير من الأوراق تبقى بيضاء، لا يُطلب منها شيء، ولا تُحمَّل بأيّ أمل." ردّت الورقة: "وما نفع الكلمات إن لم تُقرأ؟ أنا لا أُريد أن أُحفظ… أريد أن أُفتَح."

صمت الظرف، ثم ضحك بهدوء: وأنا؟ أنا لا أُريد أن أَحفظ… أريد أن أُرسَل."

مرّت الأيام، والرسالة بقيت مطويّة، أنيقة، لم يمسسها أحد… كأنها شهادة على أن بعض المحاولات، مهما كانت صادقة، تبقى حبيسة الأدراج.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

نص رائع خصوصًا فكرة إن الورقة والظرف مشكلتهم مش في (وجودهم) بل في (عدم الوصول). ده خلاني أفكر: هل القيمة في الكتابة/المحاولة نفسها حتى لو ما خرجتش للنور؟ ولا قيمتها الحقيقية إنها تلاقي قارئ ومستقبل يكمّل معناها؟

يمكن في عصرنا، كتير من (الرسائل) بتتبعت على شكل أفكار أو مشروعات أو حتى مشاعر… بس بعضها بيفضل في الأدراج. السؤال هنا: هل الأفضل إننا نركز على جودة ما نكتبه/نحاول فيه، ولا على طرق إننا نخليه يصل للناس بالفعل؟"

كأن الورقة والظرف يمثلان كل حلم لم يجد طريقه للنور… كثيرٌ من المحاولات الصادقة لا تفشل لأنها ضعيفة، بل لأنها تُترك دون فرصة. وربما الألم الحقيقي ليس في عدم الوصول، بل في البقاء معلّقًا بين الأمل والتجاهل.

المشكلة ليست في الورقة والظرف صديقي محمد وأنت قلت أيضا أن رسائل البريد تمر كإشعارات، المشكلة الحقيقية هي أننا أصبحنا تنهكنا مشاغل كثيرة ومشاكل أكثر فأصبحت جميع وسائل المراسلة سيان؛ لا فرق في الهدف ولا الصياغة وإنما في المضمون والسياق.

الزمن لم يعد يمنح الرسائل وزنها كما من قبل، والمضمون غالبًا ما يُهمل وسط دوامة الأولويات المتراكمة. لكن هل المشكلة فعلًا في كثرة الوسائل والمشاغل، أم في تراجع قدرة الناس على التوقف والتفكير والتفاعل بصدق؟ هل ما زال هناك مكان للرسائل التي تُكتب بقلب، وتُنتظر بإخلاص؟

هل المشكلة فعلًا في كثرة الوسائل والمشاغل، أم في تراجع قدرة الناس على التوقف والتفكير والتفاعل 

المشكلة الحقيقية يا صديقي ليست في هذا ولا ذاك؛ بل هي في أننا تعودنا على السرعة ... السرعة في المشاعر والأحداث وردود الأفعال حتى الطعام والشراب بل وحتى المشاكل والنزاعات؛ تخيل أن شخصا يقطع علاقة بصديق عمره بسرعة بحجة أنه مش عاوز وجع دماغ! فلو قللنا رتم هذه السرعة وصورنا حياتنا بكاميرا ذات فتحة غالق بطيء وحركة متزنة فسوف نعطي بالا لتلك الرسائل.

السرعة الزائدة أكلت من أعمارنا أكثر مما نعتقد، وجعلتنا نمر فوق المعاني مرور الكرام. بالفعل نحتاج إلى "التقاط" اللحظات، لا مجرد المرور بها. حسب قولك إن كانت السرعة سببا رئيسيا فهل الحل هو إبطاء هذه الوتيرة في حد ذاتها، أم الثبات على هذه السرعة وإعادة تعريف ما الذي يستحق فعلًا أن نتوقف لأجله؟

لو قمنا بتبطيء السرعة لربما عادت حياتنا كلها إلى طبيعتها.

المهم أنلا نتوقف وقوف الجماد بأن نغرق في اللحظة وحنين الماضي ولا أن نتجاوز كل لحظة جميلة بحثا عن هدف ربما غير موجود