لحن النشاز

  • demane

أُتقن النغمة، وأعرف متى يعلو الصوت ومتى يصمت. آلة موسيقية كلاسيكية تعرف باسم الكمان، في زاوية خزانة عرض فخمة، معلّقٌ بجانب صفٍ طويل من الكؤوس الزجاجية اللامعة.جميلات ، لكن فارغات.

كان كل شيء هادئًا… إلى أن حدث ما لم يكن بالحسبان، جاء نادل جديد، اصطدم بالطاولة دون أن يلاحظ. تصدّعت إحداهنّ. يبدو أن الكل لم يفهم الوضع إلا أنا قلتُ بهدوء يملؤوه الخوف أن هناك بعض الشروخ. إن لم تُعالج، سيحدث ما لا يحمد عقلاه. لكن ضحكت الكؤوس، وقلن: لا بأس، يمكنهن التكيّف مع التشققات، المهم أن يبدون لامعين.

توالت الأيام، وكل يوم يتمدد الشرخ ويظهر آخر جديد. وكلما عزفت صوت التنبيه، قوبلت بالإستهزاء، كفى عزفًا نشازًا، لسنا بحاجة لألحان الحذر، نحب صوت الرنين ولو كان على حافة الانهيار. أردت الصرخ بأن هذا ليس انسجامًا، بل جهل جماعي! لكن لا أحد أراد أن يسمع. يصدّقون نفس الكذبة، ويتجاهلون الشرخ المتنامي بينهم. ومن هنا تبدأ المشكلة فعلا...

لكن السلام لم يدم، وُضعت صينية ثقيلة على الطاولة. تكسر الصف كله دفعة واحدة. وأنا... بقيت معلقًا. صامتًا هذه المرة. شاهدا على ما حصل، لا أعرف إن كانوا أدركوا أني حاولت. ولا أعرف إن كنت سأعزف مجددًا. لكنني أدركت يقينا أن لحني الصادق، يُعتبر نشازًا في جوقة الزيف الجماعي.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

"أنا بخير" هي تقريبًا الجملة التي يتم تخبئة الشرخ خلفها في كل مرة يحدث شرخ جديد أو يزداد اتساع الشرخ القديم، فالبعض يعتبر طالما أن الشخص يبتسم ورأسه ما زالت فوق جسده فهو "لامع" وبخير! لكن ما إن يتسع الشرخ شيئًا فشيئًا يبدأ الانهيار الذي قد لا يكون بعده عودة.

بالضبط… "أنا بخير" قد تكون أحيانًا أجمل كذبة جماعية نتفق على تصديقها، حتى يتحول الشرخ الصغير إلى انهيار كامل لا ينفع معه أي لمعان خارجي.

 لسنا بحاجة لألحان الحذر، نحب صوت الرنين ولو كان على حافة الانهيار.

من الظواهر التي نشاهدها بكثرة ونعبر عنها بدفن الرأس في الرمال كالنعام، عقل الإنسان يخشى مواجهة الأمور السلبية فيتجاهلها حتى تظل تكبر وتكبر حتى يحدث يوم ما انهيار لا رجعة فيه..

لكن كذلك أحياناً لا يوجد ما يمكن فعله كشروخ الكؤس فهي لا تلتئم على كل حال!!

صحيح، بعض الشروخ لا تُصلح، لكن الفرق أن الوعي بها يمنحنا فرصة لتخفيف الضرر أو الاستعداد للسقوط… بدل أن نفاجأ به ونحن نصفّق للرنين.

أعتقد أن القصة أشارت بدون قصد لحقيقة تحدث في العقل اللاواعي وهي أن الإنسان حين يتيقن أن النهاية حتمية، يخدعه عقله حتى لا يرى ذلك مسبقاً، فمن ناحية رؤيته للنهاية لن تفيده في شيء، ومن ناحية أخرى أن يهنأ الإنسان بآخر لحظاته أفضل من أن يعيش في كدر وضيق وهو على كل حال ليس بيده شيء ليفعله..

demane
  • حذف بواسطة المستخدم

وجهة نظر مهمة فعلاً، فالسلوك الذي يتبناه بعضنا أحيانًا يكون تهربًا من مواجهة النهاية الحتمية، خاصة لدى أصحاب الأمراض المزمنة. التفكير المستمر في المرض لا يحل المشكلة، بل قد يزيد من الانقسامات النفسية والشروخ الداخلية. لكن إذا وُجدت طريقة بديلة لدينا القدرة على تنفيذها، فإن الامتناع عنها يعتبر ظلمًا لأنفسنا.

يمكن تغيير أوتار الكمان وأجزائه، فقد تكون نصيحته مبنية على طبيعة الكمان نفسها، بينما الكؤوس الزجاجية قد نحتاج إلى إذابتها وإعادة تشكيلها من جديد، ومع ذلك، سيظل أثر الشروخ موجودًا مهما حاولنا إصلاحها.

فهل العيب في هشاشة الكؤوس؟ أم في خطأ النادل؟ أم أن الكأس نفسها لا ترغب بالاستماع؟ أم أن الكمان يحاول فقط اقتراح حلول تتماشى مع طبيعته؟ كل هذا يفتح باب التأمل حول طبيعة المشاكل وسبل التعامل معها.