يمكننا أن نقول أن الحدس هو ميزة تطورية إنسانية، وطالما مجدت ثقافتنا فكرة الحدس، وعظمت من أصحاب الحدس الجيد.
يمكننا استعمال حدسنا في المواقف الاعتيادية المتكررة، لأن حدسنا ينتج من تراكم خبراتنا الواعية وغير الواعية، فيختار عقلنا أن يتعامل مع الموضوع المتكرر بناءاً على خبراتنا الماضية، ونختار التصرف الأنسب بناءاً على حدسنا.
لكن لو استعملنا الحدس في تعاملاتنا مع مواضيع جديدة فنحن نرتكب خطأ كبير، لأننا بمجرد أن نختار أن نتعامل مع الموضوع الجديد بناءاً على حدسنا، نكون قد طابقنا بين هذا الموضوع الجديد ومواضيع قديمة مشابهة له مشابهة سطحية، وبالتالي يتأثر إدراكنا بخبراتنا القديمة ولا نخرج من دائرة الماضي.
بالطبع يتطلب ذلك منا أن نجيد تصنيف المواقف الحياتية المتشابكة إذا كانت بالفعل مواقف جديدة، أم مجرد مواقف متكررة، وهذا ليس بالسهولة التي يبدو بها!
ويمكننا أن نعد في استعمالنا الحدس أكثر من مغالطة، على سبيل المثال:
مغالطة القياس الخاطئ (False Analogy):
حيث نتسرع في إصدار أحكامنا على الأمور الجديدة بناءاً على تشابهها السطحي بأمور حدثت في الماضي، ونفقد قدرتنا على تمييز الاختلافات.
سرير بروكرست (Procrustean bed):
وهي النزعة إلى «فرض القوالب» على المواقف والأحداث وتشويه المعطيات لكي تنسجم قسرًا مع مخطط ذهني مسبق.
يحدث ذلك معنا في مجال العلاقات إذا تعرضنا لعلاقة سيئة سابقة، فحين يتصرف الشريك الجديد بما يشبه تصرف الشريك القديم في موقف ما، يجد الشخص نفسه تنقبض من شريكه الجديد، ويتشائم منه ولا يأمل خيراً، كأن الماضي يعيد نفسه.
ويحدث ذلك أيضاً مع مؤيدي حقوق الحيوان (ورأيت ذلك منهم بنفسي)؛ حيث يعتمدون على خبرتهم اللطيفة السابقة مع الكلاب في إصدار حكم أنه لا توجد كلاب مؤذية على الإطلاق، ولو حدث وعقر كلب إنساناً، فلابد أن ذلك خطأ الإنسان وليس الكلب، فحتماً الإنسان قد أخاف الكلب، أو أساء إنسان في الماضي إلى الكلب مما أدى لنمو عدوانيته، المهم إن الإنسان مخطىء، والكلب بريء.
قد لا نستطيع أن نتخلى عن خبراتنا الماضية وإلا سنتعامل بسذاجة مع كل موقف جديد كأننا ليس لدينا أي خبرات، بالإضافة إلى أن معظم خبراتنا تعمل داخل عقلنا اللاواعي، مما ينتج عنها مشاعر وإحساسات حدسية بدون تحكم منا.
فكيف يمكننا الاختيار بين استخدام حدسنا بطريقة صحيّة، أو تنحيته إذا لزم الأمر؟