مأساوية الوضع البشري

  • AJ11

المأساة الوجودية والصيرورة الإنسانية

يحمل الواقع الإنساني مأساة وجودية تتجلى في غياب نقطة انطلاق محايدة. نحن لا نبدأ من الصفر، بل نوجد وسط صيرورة سبقنا فيها العديد من الأحداث وتشكلت خلالها أفعالنا. هذه الصيرورة، التي قد تبدو أحيانًا موجهة بغاية وأحيانًا عشوائية بالكامل، تضعنا أمام حتمية اتخاذ قرارات جذرية. تلك القرارات تتطلب تجاوز القلق الوجودي والتردد الذي يُوهن العزم والإرادة.

لكن، كيف يمكننا فهم هذه الصيرورة التي تحدد وجودنا؟ وكيف يمكننا تجاوز قلقنا الوجودي دون السقوط في أوهام اليقين أو العشوائية المطلقة.

يمكننا هنا الاستفادة من الجمع بين طرحين فلسفيين كلاسيكيين:

كانط: الذي يحدد إمكان المعرفة البشرية بحدود الشروط العقلية التي تضعها الذات في مواجهة الواقع. بالنسبة له، المعرفة لا تكشف "الشيء في ذاته"، بل هي دائمًا مركبة من معطيات حسية وصور عقلية.

هيغل: الذي يرى أن الصيرورة ليست عشوائية بالكامل، بل هي حركة جدلية تعيد تشكيل الواقع وتطوره نحو تحقيق معانٍ أكثر عمقًا.

هذا الجمع يفتح أفقًا لفهم جديد، حيث لا تُلغى فكرة الجوهر، بل يُعاد تعريفها.

الجوهر كصيرورة: المادة وحركة الطاقة

الجوهر، في رأيي، ليس كيانًا جامدًا أو ثابتًا. يمكننا أن نعتبر الواقع المادي جوهرًا أساسيًا، لكنه جوهر خاضع للصيرورة. المادة نفسها، كما نعرفها اليوم في ضوء الفيزياء الحديثة، ليست صلبة ولا ثابتة، بل هي أشكال متغيرة للطاقة. هذا التصور يعيدنا إلى فكرة الحركة الجوهرية كما صاغها الفيلسوف الإسلامي ملا صدرا، حيث الجوهر ذاته متحرك في صميمه، وليس ثابتًا كما تصورته الفلسفات الكلاسيكية.

الإنسان: كائن متجذر في الصيرورة

الإنسان جزء من هذه الصيرورة، فهو كائن متجذر في الواقع المادي، خاضع للحركة والتغير في جسده ووعيه. لكن وعي الإنسان محكوم بزمانيته، أي بشعوره العميق بالفناء والزوال. هذا الوعي، رغم أنه مصدر القلق الوجودي، فهو بحمل أيضًا إمكانية البحث عن المعنى.

وفي قلب هذا الوجود المتغير، أؤمن بأن الإنسان يحمل داخله "نبضًا". هذا النبض ليس مجرد حركة مادية، بل هو إيقاع وجودي يربطه بالحقيقة الأصلية. يمكن للنبض أن يكون دليلًا مرشدا نحو مصدر الفعل الأول، نحو الحقيقة المطلقة، نحو الله

قلب هذا الوجود المتغير ينبض بحقيقة عميقة الإنسان يحمل داخله « نبضًا ». هذا النبض ليس مجرد حركة مادية، بل هو إيقاع وجودي يربطه بالحقيقة الأصلية. الله، القيوم الحاضر المهيمن على الوجود، هو مصدر هذا النبض ومعناه. الله ليس مجرد مفهوم عقلي ولا روحًا سارية في الوجود، بل هو الذات الإلهية المطلقة التي تتمثل في « فعل كن » المستمر، حيث تتجلى قدرته المطلقة في منح الصيرورة معناها وتوجيهها نحو الغاية الأسمى التي تتجاوز حدود الفناء.

إن الحديث عن الجوهر والصيرورة هو محاولة لفهم عمق الواقع الإنساني. فالصيرورة ليست نقيضًا للجوهر، بل هي تعبير عن حقيقته المتجددة. والإنسان، رغم زمانيته وفنائه، يمكنه أن يجد في النبض دليلًا نحو حقيقة أعمق، نحو الله كمنبع الوجود وغاية الصيرورة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الذي فهمته من طرحك عن الصيرورة أنها منسجمة مع ما نؤمن به من أن العقل هو أداة الإنسان لفهم الكون وتنظيم حياته. لكن الله خلق العالم بنظام محكم، وكل تغير فيه يسير نحو تحقيق هذا النظام. الصيرورة إذن ليست عشوائية، بل مسار له غاية والعقل هو مفتاح إدراك هذه الغاية، لكن ووفقا لما تعلمناه فإن إعمال العقل له حدود. حيث لا ينبغي أن نعمل عقولنا في الغيبيات كذات الله..

فكيف نجد هذا النبض دون تجاوز حدودنا في التساؤل؟ آمل أن يكون سؤالي مفهوما اههه

أشكرك على تعليقك العميق. أما أرى بالفعل أن الصيرورة ليست عشوائية ، بل هي حركة نحو غايات تتوافق مع النظام الكوني الذي خلقه الله. للعقل دور أساس مهمته إدراك هذا النظام والتناغم الذي يشتمل عليه. لكن للعقل حدوده التي يقف عندها وهي لا تختلف عما سطره كانط في نقده للعقل الخالص. هنا تنتصب أمامنا فجوة هائلة لا يستطيع ردمها إلا الإنصات إلى حقيقة النبض المودع فينا والذي هو السبب في شعورنا بالقلق. قد تفسر الصيرورة بشكل مادي مجرد بوصفها حركة بلا غاية مسبقة مثلما طرح دولوز، وقد تكون نتيجة ٱرادة عمياء مثلما أراد شوبنهاور، وذلك في حين تعكس الرؤية الإيمانية غاية نهائية للصيرورة تفسر بوجود الحكمة الإلهية. إذا استطاع المرء الخلوص إلى الموقف الفلسفي فهو بالضرورة يرفض الدوكسا(العقائد والآراء المتواترة)، ويقبل على السعي إلى الحقيقة الأصلية من خلال الإنصات إلى نداء الحقيقة في باطنه.العقل يظل الأداة التي تكشف في الكون العلاقات التي تربط بين أجزائه، المادة وقوانينها. 

وعند مواجهة فراغ الفجوة ينبغي التواضع، والإنصات إلى ترددات الوجود العليا التي مقرها في النبض، حتى يحصل التناغم بين التواجد في الصيرورة الواقعية، أي التجذر في الواقع، وبين السرور الناجم عن التحقق بالصيرورة الأصيلة، بحيوية النبض. مادام ليس هناك انزعاج بين الصيرورتين فالسائر في تقدم، أو في تحقق بالذات الأصيلة. وأما إن حصل انزعاج فلإخلال في إحدى القيمتين: التجذر في الواقع أو في نبض الصيرورة الأصيلة