على الرغم من أنني عملتُ كمدقّق لغوي وكاتب محتوى، فإنني لم أعمل في الترجمة على الإطلاق من قبل نظرًا لأنها ليست من تخصّصي أو هواياتي. لذلك طرأ السؤال على بالي للاطلاع على مختلف المهارات التي يحتاجها المترجم بالإضافة إلى إتقانه اللغتين.
إلى جانب إتقان اللغة، ما هي مؤهلات المترجم ومهاراته المطلوبة؟
التعليقات
على الرغم من أنني عملتُ كمدقّق لغوي وكاتب محتوى، فإنني لم أعمل في الترجمة على الإطلاق من قبل
التدقيق اللغوي و كتابة المحتوى تدخل أيضاً ضمن مهارات المترجم، فالمترجم بالأخير ( وخاصة في الترجمة الأدبية) لا بد أن يترجم أحاسيس و مشاعر النص المكتوب من اللغة الأصلية إلى اللغة المترجم لها. فهو لابد أن يعيش النص ويشعر به وكأنه يكتبه ويصيغه من جديد. فمهارة الكتابة قطعاً متداخلة مع مهمة المترجم. وكذلك، التدقيق اللغوي فهي تتقاطع معها أشد تقاطع؛ فلا أتصور مترجماً يترجم وهو لا يدقق اللغة المترجم منها و إليها وكذلك تدقيق المعنى المراد.
إلى جانب إتقان اللغة، ما هي مؤهلات المترجم ومهاراته المطلوبة؟
إذا فرغنا من ضرورة إتقان اللغتين( المترجم منها و إليها) يأتي بعد ذلك تشرب ثقافة اللغتين إذ ما اللغة إلا وعاء يحمل طريقة فكر و شعور و نظر الشعوب إلى الحياة. وأرى أن مهارة ترجمة المعنى بدقة هي الأولى بالنسبة للمترجم ( بغض النظر عن الشكل سواء أكانت قصدية شعرية أو غيرها) . وهذه مهارة تكتسب بالخبرة و المران وكذلك النظر في ترجمات كبار المترجمين. كذلك المترجم لابد أن يمتلك حس دقيق وهذه قد يسمونها بالموهبة أو أن يكون المترجم مطبوعاً على الترجمة وهذه مَلَكة غير مكتسبة. فأنا قرأت أن المازني رحمه الله كان يمسك الكتاب الأنجليزي ( أدبي بالطبع) فيترجم وهو يقرأ ترجمة دقيقة وذلك باعتراف العقاد صديقه الملازم له. وهو يقر له بأنه مترجم مطبوع لا يكاد يقف عند المعاني؛ فيسيل منه النص كما يسيل النص العربي من مداد قمله فلا تعمل هناك ولا تكلف.
مسألة تشرّب الثقافة نقطة رائعة يا خالد، أسعدني للغاية أنك رميت إليها. في هذا السياق، يمكننا أن نضع مجموعة من العادات والسلوكيات التي يستطيع المترجم من خلالها أن يتقن اللغة من خلال الاطلاع على ثقافة شعبها، فهو امر مهم بالطبع. لكن علينا أن نضع في الحسبان أيضًا أن معظم العاملين في هذه المهنة لا تسنح لهم الفرصة كي يحظوا بسفر إلى الدولة التي يترجمون لغتها. فهل من الممكن أن نضع مجموعة من العادات والسلوكيات التي تمكّنهم من تشرّب الثقافة بدون السفر إلى محيطها الجغرافي؟
فعلاً يا صديقي، مسألة الإنغماس في الثقافة من الأهمية بمكان. ولكن ليس شرطاً أن نسافر إلى دولة ما لنتشرب ثقافتها. أرى أن ذلك قد يتحقق وأنت في مكانك عن طريق المطالعة الجادة المتواصلة وأن تطلع ليس فقط على أدب شعب ما بل على كل منتجاته السياسية و الإجتماعية و التقنية و العلمية. أذكر في هذا الصدد أن قد قرأت للعقاد فصل للعقاد في سيرته الذاتية " أنا" بعنوان: طفت العالم من مكاني. فهو قد خطط للسفر وهو في بداية الأربعين ولكن حالت الحوائل دون ذلك. فلم يمنعه ذلك من أن يعايش الثقافة عن طريق الإطلاع الطويل الجاد. و من نافلة القول، لكي يطلع على الثقافة لابد أن يكون عالماً بلغتها.
سأقول أنه يجب أن يكون في المترجم بعض الأخلاقيات لضمان كونه مترجمًا جيدًا. أولها هي الأمانة في النقل وعدم تشويه النص فالكثير من المترجمين قد يغيرون في النص لما يشاءون. مثلاً أضاف مترجم رواية عالم صوفي جزءًا عن الفلسفة الإسلامية لم يضفه الكاتب، وقد استفدت من المعلومات لكن سقط المترجم في نظري.
غيرها من المهارات ستكون الثقافة في رأيي فالمترجم عليه أن يكون مطلعًا على أغلب التخصصات، ليس متخصصًا ولكن لا ينبغي أن يكون جاهلًا تمامًا خاصة لو كان يترجم نوعاً معينًا من النصوص فالثقافة ستجعل نصوصه أفضل وتبدو الخبرة فيها.
بالطبع أيضًا مهارات الكتابة واللغة التي يكتب بها من إملاء وتدقيق لغوي وغيره.
إذن يمكنني أن أجنح هنا إلى ما يسمّى الأمانة في النقل الفكري للنص، لا الترجمة الأمينة، حيث ان مفهوم الترجمة الأمينة يفقد النص الكثير من معناه، ولا أعني هنا ان يزيّف المترجم في معنى النص، وإنما أعني أن يستخدم الترجمة السياقية ويبتعد عن الترجمة الحرفية ويوضح ما نقله قدر الإمكان بمعناه الفكري الحقيقي.
بالنسبة إليّ، أرى أن العديد من المترجمين يقعون في فخ الاعتماد على معتقادتهم الفكرية والشخصية أثناء الترجمة، وهو الأمر الذي يحتاج أي مترجم إلى افصل بينه وبين عمله، حيث انه يجب أن يتعامل مع نفسه في هذه الوضعية كآلة لنقل المعنى كاملًا وكما هو قدر الإمكان.
من وجهة نظري يجب أن يكون مطلع في التخصص الذي يترجم فيه، ومثقف فى اتساع ذهنه يقبل كل الثقافات والأيدلوجيات المختلفة.
أختلف معكَ في هذا الصدد يا محمد، حيث أن المترجمين معظمهم يعملون بشكل تقني، حيث أنني لا يمكنني أن أبحث عن متجرم في اللغة الصينية مثلًا متخصص في ترجمة النصوص التجارية، ولا يترجم نصوصًا أخرى. هذا مستحيل، من الممكن أن نجده في لغات شائعة مثل الإنجليزية. لكن في اللغات نادرة المترجمين، الأمر يصبح أكثر صعوبة، وبالتالي فمن الممكن أن نضع رأي كلينا على أرضية مشتركة، فنقول أن المترجم يجب أن يطلع كفاية على مجال المشروع إذا كان غير متخصص.