الجلسة الشعرية (2): حوليات، ارتجالية.. أيهم أجود شعرًا؟

مرحباً يا أصدقاء!

أهلاً بكم في جلستنا الشعرية ونصيبكم من الحلوى لهذا اليوم.. حللتم أهلًا ووطئتم سهلاً.

الشعر، هذه الصناعة الفريدة والفن العذب إن صحّ الوصف، يختلف في نظمه كل شاعر ويتفرد كل منهم بأسلوبه ولونه وهويته، من امرئ القيس إلى زهير بن أبي سلمى إلى أحمد شوقي، رحلة في مزارع الكلمات ومصانع الأبيات، فمن حاز وسام الجودة من شعراء العربية؟

يختلف الشعراء في طريقة توليد الشعر، هناك من يخرج الشعر منه كفطرة فُطِر عليها لسانه، وهناك من يطبخ القصيدة على نار هادئة حتى يطمئن لها، ولذلك وجد شاعر الحوليات ورواد الإرتجال في الشعر.

من هو شاعر الحوليات؟ هو زهير بن أبي سلمى، وسمّي بهذا الإسم لأن القصيدة عنده كانت تمكث حولاً كاملاً -أي عام- قبل أن تخرج للعلن، حيث يستغرق قرابة العام في كتابتها وتنقيحها والتدقيق فيها من ثم عرضها، كما كان يراعي صدق أبياته خلال هذا العام المليء بتلك القصيدة والمختَزَل فيها، ولذلك أصبحت لفظة الحوليات بمثابة علامته التجارية الخاصة.

يقول ابن قتيبة:

” ومن الشعراء المتكلف والمطبوع : فالمتكلف هو الذي قوم شعره بالثقاف ، ونقحه بطول التفتيش ، وأعاد النظر فيه بعد النظر ، كزهير والحطيئة . 

على نحو مغاير، يوجد لدينا الشاعر المرتجل، ولعلّ الإرتجال كان صفة ملازمة لعرب الجاهلية القدامى، فقد كان الشعر من مكونات ألسنتهم، يسكن بين فكوكهم، ولذلك تم تسميتهم بالشعراء المطبوعين، البعيدين كل البعد عن التكلف، فيكفي أن تهيج دواخلهم، فتنساب من بين شفتيهم شعراً، وفي ذلك نجد شعراء أمثال أبو نواس وأبو العتاهية، وعلى الرغم من شيوع هذه الصفة في الشعر الجاهلي، إلا أنها لم تغب عن شعراء العصر الحديث، كهذه الأبيات من ارتجال مصطفى لطفي المنفلوطي على سبيل المثال:

إذا ما سفيهٌ نالني منه نائلٌ من الذمِّ لم يُحْرِجْ بموقفه صدري

أعودُ إلى نفسي، فإن كان صادِقًا عَتَبْتُ على نفسي وأصلحتُ من أمري

وإلا فما ذنبي إلى الناسِ إنْ طَغى هواها، فما تَرْضَى بخيرٍ ولا شر؟

من ناحية جودة الشعر وعذوبته فقد تتباين الآراء بين من يفضل الإرتجال والتلقائية في الشعر، وبين من يميل إلى الشعر المصنوع الذي أغدق فيه الشاعر بمجهوده، ولكن أنقل هذا الرأي حول الإرتجال اقتباساً من كتاب قضايا الشعر المعاصر:

ومهما يكن من شيء فالارتجال في الشعر ظاهرة فسيولوجية فحسب؛ أي إنها في ذاتها ليست معيارًا للتفوق الفني ما لم يصاحبْها بالفعل ذلك التفوقُ الفني دون جهد، وهذا أمر نادر.

عمومًا، سأنهي جلستنا إلى هنا، لأفتتح المساحة لكم لمشاركتي بآراءكم حول هذه القضية، ما بين الطبع والتكلف، لمن ستمنحون أصواتكم؟

وأخيرًا، شاركوني شعرًا لتكتمل الليلة!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

” ومن الشعراء المتكلف والمطبوع : فالمتكلف هو الذي قوم شعره بالثقاف ، ونقحه بطول التفتيش ، وأعاد النظر فيه بعد النظر ، كزهير والحطيئة . 

أراني لا أتفق مع هذا الرأي لابن قتيبة وخاصة بعد ظهور مدارس الشعر العربي الحديث. يعني ما المشكلة في ان يطيل الشاعر النظر في شعره ومعاني شعره؟!! من درر القصائد مما كتب شوقي كان لا يرتجلها بل كان ينقحها ويفكر فيها وكان شوقي يقول مصدران للشاعر: التاريخ و الطبيعة. فمن درر قصائده ما استلهمه من التاريخ القديم و الحديث. ولكن لعل ابن قتيبة يقصد أن المطبوع هو القادر على الارتجال حال فارت في نفسه المشاعر الفياضة فيخرجها شعراً. نعم قد يخرجها باوزان وموسيقى وقافية ولكن المعاني قد تكون ركيكة جداً.

ولكن لو خيرت بين أمير للشعراء من جديد فسأختار شوقي صراحة؛ لأنه أغزر أهل العربية قاطبة لدرجة قيل أنه نظم فوق أربعة وعشرين ألف بيت! لي ذلك فحسب بل قدرته على نظم الحوادث التاريخية في سك شعري و قدرته على بث عاطفته الجارفة في معاني شائقة رائقة لم يسبق لها فيما أرى وكما قرأت له.

ومهما يكن من شيء فالارتجال في الشعر ظاهرة فسيولوجية فحسب؛ 

لا أؤيد جعل "قدرة الشاعر على الارتجال" مقياسًا لتفوقه الشعري، ولكني أرى تلك الجملة مبالغًا فيها كثيرًا وفيها عدم إنصاف للقادر على الارتجال من الشعراء.

لو فكرنا في صفات الشاعر الذي يجيد الارتجال فلا بد أنه سيكون صاحب حصيلة لغوية ممتازة، وسيكون صاحب ثقة بالنفس عالية، وصفات أخرى قد لا تصب في القدرة على إنتاج قصيدة رائعة، ولكنها تصنع شاعر جيد.

لو فكرنا في صفات الشاعر الذي يجيد الارتجال فلا بد أنه سيكون صاحب حصيلة لغوية ممتازة، وسيكون صاحب ثقة بالنفس عالية، وصفات أخرى قد لا تصب في القدرة على إنتاج قصيدة رائعة، ولكنها تصنع شاعر جيد.

قبل ذلك لابد أن يكون ذا أذن موسيقية مرهفة لتأتي بأبيات على موازين بحور الشعر العربي المعروفة.

شعر المنفلوطي الذي ذكرته سيء للغاية، ويمكن أن أضعه في خانة القبيح لول اقترانه بإسم الأستاذ الكبير، عمومًا، لا أجد أن هناك حكمًا نهائيًا على القصيدة الحولية أو المرتجلة، فالأمر سيختلف من شاعر إلى آخر، فلكلٍ مهارته المختلفة، بعضهم من يأتي بالسليقة ما لا يقدر عليه أحد بالكتابة والتفنيد والتفكير والإضافة والحذف، فالأمر ليس في نوع الشعر، بل في مهارات الشاعر .