ما بين التجديد والأصالة، أيهما تختار؟

قُل لِمَن يَبكي عَلى رَسمٍ دَرَس
واقِفاً ما ضَرَّ لَو كانَ جَلَس

قد تذكركم هذه الأبيات بأبيات أخرى أشهر من نار على علم، وهي مطلع معلقة امرئ القيس الشهيرة "قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل"، من أشهر المقدمات الطللية في الشعر العربي، فكيف سخر منها أبو نواس في شعره ؟

في الأبيات السابق عرضها، يخاطب أبو نواس امرأ القيس ساخراً من مقدمته ووقوفه للبكاء على الأطلال، وهو من الثوابت في الشعر العربي القديم حيث استهلّ أهم الشعراء معلقاتهم وقصائدهم بها مخلفين لنا أجمل الأشعار والمشاعر.

والجدير بالذكر أن تلك الأبيات ليست الأبيات الوحيدة لأبي نواس والتي يقوم فيها بانتقاد هذه المقدمة، فقد اشتهر بثورته عليها ودعوته للتجديد في الشعر العربي عبر إلغاء هيمنتها، وهو القائل :

أَيا باكِيَ الأَطلالِ غَيَّرَها البِلى
بَكَيتَ بِعَينٍ لا يَجِفُّ لَها غَربُ
أَتَنعَتُ داراً قَد عَفَت وَتَغَيَّرَت
فَإِنّي لِما سالَمتَ مِن نَعتِها حَربُ

علة أبو نواس في ذلك هو تغير الحياة والبيئة المحيطة بالشاعر فما عادت المقدمة الطللية تتناسب مع مقتضيات العصر والحياة والأدب آنذاك، فهل كانت دعوته محقة حقاً، أم أنه استحلى الضرب في الأصالة الشعرية العربية وغيّب هويتها، وهل الأدب بحاجة إلى ديناميكية تجديد مستمرة أم أن الحفاظ على الأصالة والرسم القديم هو ما يمنح الأدب العربي تميزاً على بقية أعراق وأجناس الأدب المختلفة ؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

وهل الأدب بحاجة إلى ديناميكية تجديد مستمرة أم أن الحفاظ على الأصالة والرسم القديم هو ما يمنح الأدب العربي تميزاً على بقية أعراق وأجناس الأدب المختلفة 

يعتمد ذلك على نظرة كل شاعر في تلك الفترو، فهناك من يرى بأن تلك المقدّمات الطللية لم تعد تتناسب مع مقتضيات العصر، فلكل زمان حكمته، ولكل مقام مقاله، لكن حينما نتحدث عن أبو نواس فالمعروف عنه هو الجرءة وتحدي العادات والتقاليد، فمثلا إستبدل في أحد أبياته المقدمة الطللية بمقدمة أخرى جريئة إحتفى بها بالخمر، وفي مثال آخر إستهزئ من امرئ القيس والعديد من شعراء الأطلال، فهو لم يكن يستخدمها في مقدمات أشعاره فحسب بل كان يستهزئ بها ويسخر ممن يستعملونها.

Taqwa_Mubarak أضف ردا

نعم وهو مؤسس الخمريات في شعره، ولكن ماذا لو أتى من بعده شاعر واستهزأ بمقدماته الخمرية وطالب بإلغائها ؟ وهنا هذا ينقلني إلى سؤال آخر .. هل السخرية هنا من الأساليب الصائبة للدعوة إلى التجديد ؟ فامرؤ القيس في زمانه كانت المقدمة الطللية هي الرائدة في الشعر .. لماذا يأتي شاعر آخر في زمن آخر ليسخر منها ؟ ما رأيك؟

فامرؤ القيس في زمانه كانت المقدمة الطللية هي الرائدة في الشعر .. لماذا يأتي شاعر آخر في زمن آخر ليسخر منها ؟ ما رأيك؟

ربما سبب ذلك هو حب الظهور وجذب الإنتباه ومخالفة العامة، لا يمكننا معرفة السبب الحقيقي الذي دعاه إلى ذلك، بالنسبة لي يمكن أن نتميز عن غيرنا دون إستعمال الإهانة والإستهزاء، ونحقق التجديد دون السير وراء خطى أبو نواس في ذلك العصر بغض النظر عن أشعاره ونهايته.

 وهل الأدب بحاجة إلى ديناميكية تجديد مستمرة أم أن الحفاظ على الأصالة والرسم القديم هو ما يمنح الأدب العربي تميزاً على بقية أعراق وأجناس الأدب المختلفة ؟

هذا مفروغ منه. لكن علينا أن نؤكّد على نقطة في غاية الأهمّية يا تقوى. وهي أن الأدب في هذه الحالة لا يحتاج إلى الوصاية الثقافيّة التي تسوقه إلى هذه النتيجة. فالأمر عفوي إلى حدٍّ غير متوقّعٍ. وبالتالي يجب علينا أن نضع في الاعتبار أن كلَّ عصرٍ يخلق أدبه الخاص، وبالتالي لسنا في حاجة إلى تحديد التقنيّات التي يستطيع من خلالها كل جيل أن يعبّر عن نفسه. من هنا، لا أرى أن الأمر في حاجة إلى التحليل والنقد، وإنما في حاجة إلى الملاحظة بالمزيد من الإتقان.

في الواقع، لقد تغير الأدب بالفعل على مر العصور من العصر الجاهلي مرورا ببداية الإسلام ثم الدول الإسلامية المختلفة كالدولة الأموية والعباسية والأندلسية انتهاء بالعصر الحديث، حيث تغيرت الأغراض والمفردات والصور البلاغية كالاستعارات ووالتشابيه وغيره. والتغيير بالفعل حاجة ملحة لاختلاف الثقافات والقضايا الملحة بمرور الزمن وتغير العصور. فمثلا، كان هناك في الشعر قديما وصف الناقة، وقد كان جزءا أساسيا من بناء القصيدة لما كان للناقة من شأن عظيم في حياة العرب قديما، ولكن بعد اندثار استخدام الناقة واستبدالها بأشياء أخرى، لم تعد هناك حاجة لوصف الناقة. لذلك، يجب أن يكون هناك وسيلة فعالة لتجديد الأدب بشكل مستمر للتأكد من أنه يعبر عن الأجيال الحالية ويجذبهم إليه لئلا يندثر ويصبح طي النسيان

.. للتأكد من أنه يعبر عن الأجيال الحالية ويجذبهم إليه لئلا يندثر ويصبح طي النسيان.

الشعر شأنه كشأن سائر الفنون كريم، يجيء الجديد منه ليضاف إلى القديم إضافة الشقيق إلى شقيقه في الأسرة الواحدة، وينبغي أن يجيء ذلك التجديد ليوسِّع من رقعة الشعر، بأن يُضيف إليها جوانب لم تكن مشمولة فيها..

لكننا رغم ذلك نلاحظ في تاريخ الفنون ـ ومنها الشعر ـ أن أصحاب القديم وأصحاب الجديد يتوهمون دائمًا أن حياة كل فريق منهما مرهونة بزوال الآخر، وأن ميدان الأدب لا يتسع لهما معًا، ومن هنا كانت المعارك الأدبية التي ما زالت قائمة بين فريقي الأصالة والتجديد إلى الآن!

بالنسبة لي لابد من الإحتفاظ بشيء من أصالة الشعر القديم منذ نشأته القوية جداً، ولكن ذلك لا يمنع من التجديد والتشكيل بما يتوافق مع جوانب الحياة العامة في كل عصر حتى لا ينفصل الشعر عن الواقع والشاعر عن العامة من الناس، ولكن يبقى الإشكال قائماً مع المجددين كما يسمون أنفسهم، الداعين إلى طمس هوية الشعر العربي المتعارف عليها جملة عبر وتحويلها إلى نسخة معربة من الشعر الأجنبي أيًّا كان مصدره.

إن التطرف أو التعصب لإحدى الجهتين خطأ مجحف بحق الشعر نفسه.

على الرغم من أن الأدب العربي لديه تاريخ طويل مليء بالإنجازات الأدبية والثقافية، إلا أنه يحتاج إلى تجديد مستمر ليستمر في الحفاظ على ديناميكيته وجذب قراء جدد. يمكن أن يتم تحقيق ذلك من خلال إدخال بعض الأفكار الجديدة مثل استخدام اللغة العربية الحديثة، واستخدام أساليب الكتابة الجديدة لتنويع القصص، وتوظيف الإعلام الحديث لنشر الأدب العربي في العالم.

هل الأدب بحاجة إلى ديناميكية تجديد مستمرة أم أن الحفاظ على الأصالة والرسم القديم 

يمكن استخدام اللغة العربية الحديثة في الكتابة الأدبية بشكل أكثر تفاعلية وجذابة للقارئ، وذلك بتغيير بعض الكلمات القديمة بكلمات حديثة وأساليب جديدة. لتنويع القصص وجعلها أكثر جاذبية للقارئ. يمكن أن يتم ذلك من خلال استخدام الرواية بأسلوب الحوار أو الشخص الثالث، أو استخدام الأساليب الروائية الحديثة مثل الرواية الجرافيكية والرواية التفاعلية. هذا سيضيف إلى الأدب العربي تجديداً وتنوعاً ويجعله أكثر جاذبية للشباب والقراء من مختلف الأعمار والثقافات.

من المهم أن يكون الشاعر جزءاً من منظومة مجتمعه وأن يلبي احتياجهم الأدبي والعاطفي في شعره، حتى يضمن الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة بشعره وهنا يأتي دور الشاعر المجدد وفق سمات مجتمعه والمحافظ على أصالة وجزالة ألفاظه وتراكيبه، ولنا في أبوالقاسم الشابي خير مثال، والشاعر الثائر الذي ردد أبياته كل شاب عربي خلال العقدين الماضيين.

إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ

فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ

ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي

ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ

من المهم أن يكون الشاعر جزءاً من منظومة مجتمعه وأن يلبي احتياجهم الأدبي والعاطفي في شعره

يجب أن يكون لديه القدرة على الوصول إلى العواطف والمشاعر الدفينة للناس وتجسيدها في قصائد وأشعار تعبر عنها بشكل راقي وممتع. وقد نجد بأنه يمكن للشاعر أن يعتمد على الأساليب الشعرية المختلفة، مثل التشبيهات والاستعارات والمجازات والقصائد الوصفية وغيرها، ليعبر عن العواطف والآراء والافكار والمشاعر بشكل مبدع ومتميز.

في الحقيقة أختي تقوى أنا معجب كثيراً بفكر وشخصية هذا الرجل "أبي نواس"، فقد كان رائداً بحق في دعوته للتجديد في الشعر العربي.

ويبدو أنه استوعب التغيرات في الحياة والبيئة وسعى لتحديث الأساليب الشعرية بما يناسب عصره. ولكن على الرغم من أهمية الأصالة الشعرية، إلا أن التجديد يُعتبر ضرورياً للمواكبة والابتكار. فالتجديد يمنح الأدب نسمة من الحيوية ويساهم في استمرار تطوره وتجاوبه مع التحولات الاجتماعية والثقافية. لذلك برأيي يجب أن نسعى إلى الموازنة بين التجديد والأصالة والجمع بينهما للحفاظ على هوية الأدب العربي وفي الوقت نفسه استيعاب التحديات الحديثة.

لا شك أن أبا نواس شاعر جريء وقائد قوي لحملة التجديد في الشعر، ولكن أسلوبه في التهكم والهجوم على شعراء سبقوه وعلى شعرهم الذي كان أعجوبة في زمانهم ولا يزال حتى يومنا أراه قاسياً قسوة غير مبررة في كثير من الأحيان، فالتجديد ليس بالضرورة أن يتم عبر إلغاء القديم، فالأدب منظومة كاملة وتكمل أعمال كل عصر بعضها ولا ينحصر الأدب لدى شاعر واحد أو عصر واحد.