أيعقل أن يحب المرء بالوصف فقط ؟

سمعنا عن الحب الذي يأتي من النظر، وذلك الذي يأتي بعد المحادثة، ويوجد ذلك الذي يأتي مع المعاملة، ولكن هل يحب المرء بالوصف فقط؟ هل سمعتم بهذا الحب من قبل ؟

مهلاً كيف يحب المرء بالوصف فقط؟ هل تعني بذلك أن يصبح الخيال هو مبتكر هذا الحب وسيده ومروّضه؟ أن يتواجد ذلك الحبيب في القلب والعقل ولكنه خفيّ عن العين والإدراك، أن يصبح البعد عنواناً لهذه المشاعر واللقاء أشبه بغاية لا تدرك.

يقول ابن حزم الأندلسي في هذه المشاعر الهزلية الغريبة:

ويا من لامني في حب من لم يره طرفي

لقد أفرطت في وصفك لي في الحب بالضعف

فقل : هل تعرف الجنة يوماً بسوى الوصف؟

الجنة ! ياله من مثال مقنع، والحقيقة أننا جميعاً قادرون على الحب من الوصف فقط، وعقولنا بارعة في رسم تصور كامل لهذا الحب، فما نسمعه عن شخص ما خيراً كان أو شراً هو كافٍ لتحشيد مشاعرنا تجاهه سواء أكانت حباً أم بغضاً، ما قولكم في ذلك؟

دعوني أطرح لكم قضية أخرى متعلقة بهذا الحب الذي وصفه ابن احزم الأندلسي بالبنيان الهاري، لأنه مبني على صورة وخيال يتوهمه المحب، وإذا ما حصلت الرؤية واللقاء فحينئذ يتقرر مآل هذه المشاعر، فإما أن توافق الصورة المتخيلة الواقع وحينها يتأكد الحب، وإما أن تخالف الصورة الواقع وهنا يبطل السحر بالكلية، وفي هذا يقول في أبيات أخرى :

وصفوك لي حتى إذا أبصرت ما    وصفوا عملت بأنه هذيان

فالطبل جلد فارغ وطنينه        يرتاع منه ويفرق الإنسان 

أما عن موافقة الخيال للصورة وما يتبعه من سعادة غامرة باكتمال هذا الحب، يقول :

قد وصفوك لي حتى التقينا    فصار الظن حقاً في العيان

فأوصاف الجنان مقصرات    على التحقيق عن قدر الجنان

والآن يا أصدقاء أريد معرفة آرائكم، هل من وجود للحب بالوصف في زماننا هذا ؟وهل تتفقون مع وصف الأندلسي له بأنه "بنيان هارٍ" ؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

Nour777 أضف ردا

أقبلُ إنسان من الوصف نعم، أستحسنه وأودُّ رؤياه يحدُث، لكن مرحلة الحبّ جدًا متباينة عن هذا المنطق!

كثيرًا ما خسف الواقع بتوقعات البشر بعد توصيفٍ أو ترقب لتواجد صفات، وكثيرًا ما حدث العكس ..

أعرف أناسًا لم يكونوا متحمسين لشركائهم حتى إذا ما عاشروهم صاروا أنيسي أرواحهم ، واعرف آخرين انبهروا بالتوصيف ولم يجدوا في واقعهم شعورًا مُشبعاً مقاربًا لخيالهم

هل من وجود للحب بالوصف في زماننا هذا ؟وهل تتفقون مع وصف الأندلسي له بأنه "بنيان هارٍ" ؟

اتفق علي ان للحب الوان واشكال كثيرة ومتعددة ربما يصعب حصرها، وربما الحب بالوصف موجود فكثيرا ما تذكر صفات شخص ما علي مسامعنا بتلك الصفات الحميدة وقبل معرفتنا إياه الامر الذي يعمل علي حب هذا الشخص فقط لمجرد بعض الصفات عنه، وبكل تأكيد ربما يتغير هذا الشخص بعد تعاملنا معه فيتحول ما كان حب الي كره.

إذاً الوصف ليس كافياً لتأكيد المشاعر، بل المعاملة هي من تؤكد حقيقة هذه المشاعر ؟

قد يحب المرء بالوصف ولكن قطعاً لا يكون الحب كاملاً إن لم يحدث معاملة بين الطرفين ورؤية حقيقية وليس مجرد وصف لشئ لم يره، أو حتى تواصلاً هاتفياً لشخص لم يعرفه حقيقةً، وقد تحدث ابن حزم الاندلسي كذلك عن هذا الحب في كتابة طوق الحمامة في الألفة والآلاف فقال أن الحب الحقيقي هو الذي يأتي بعد طول المعاملة وكثير المشاهدة، ثم أضاف قائلاً جملة "وهذا الذي يستمر ولا يحيك فيه مر الليالي" أي أنه يستمر ولا يتأثر بما تفعله الأيام من تضييق يجعلنا ننسى أحبابنا أو خطوب تجعلنا ننشغل عنهم أو يبهت فينا ما كنا نشعر به نحوهم.

وكذلك وصف ابن حزم الحب المبني على الوصف فقط بالبنيان الهار نظراً لهشاشته وضعفه وسرعة تبدده.

ومن وجهة نظري لا أعترف بهذا الحب، فالحب شعور اقوى من ذلك بكثير ولا يعتمد على الصورة الحسية فقط، بل المادية كذلك.

ومن وجهة نظري لا أعترف بهذا الحب، فالحب شعور اقوى من ذلك بكثير ولا يعتمد على الصورة الحسية فقط، بل المادية كذلك.

وللأمر بعد آخر، وهو صدق الوصف نفسه، فقد يصف المرء شخصٌ بما ليس فيه فيوقع فينا مشاعراً تكون مبنية على صورة مشوهة وغير مقاربة للواقع، وهذا ما يجعل من هذا الحب "بنيان هار" مبني على بساط من السراب .

ليس في الحب فقط بل حتى في الكره، وكم من حاقد كان سبباً في إشعال كراهية غير مبررة تجاه شخص آخر وعند اللقاء تكشفت الحقائق وبانت المظلمة .

أتفق تمامًا على أن هذا الشكل من أشكال الحب ما هو إلا كالبنيان الهاري بتعبير الأندلسي، لقد تذكرتُ سؤال نيتشه عندما قال:

"لو أننا بلا بصرٍ، كم شخصًا سيعحبنا يا تُرى؟"

إن تصوراتنا المُسبقة عن الأشخاص الذين لم نلتقي بهم، من شأنها أن تنفق علينا آلامًا شديدة، فأشدُ ما أخشاه على نفسي في الحب، أن لا يكون سوى وهمًا، لدرجة أنني قد أدركت أننا لا يجب أن نؤكد حبّنا وبقائنا مع أحدٍ حتى نلتقي معه وجهًا لوجهٍ ونشرب النسكافيه سويًا ونستطرد في حديثٍ طويل، بالطبع يمكنكِ اختيار القهوة، لكنني لا أحبها،

إنّ حبًا كهذا من شأنه أن يكون مُوفقًا في بعض الحالات، لكنني لستُ ممن يركنون إلى الحظ في مسألة مهمة مثل هذه.

والآن يا أصدقاء أريد معرفة آرائكم، هل من وجود للحب بالوصف في زماننا هذا ؟وهل تتفقون مع وصف الأندلسي له بأنه "بنيان هارٍ" ؟

حسنًا، دعيني أخبرك أنه الحب بالوصف حدث معي شخصيًا، فهناك كثيرون تعاملت معهم وفي المقابل يحادثون عائلتهم وأصدقائهم عني فيحبوني تلقائيًا دون مقابلتي أو تعاملي معهم، وهذا أمرًا عجيب وغريبًا جدًا أختبره في حياتي كل يوم.

لذا نعم أؤمن بالحب بمجرد الوصف، وكما ذكرتي مثال الجنة التي لم نراها لكن نشتهي رؤيتها أيضًا، هناك أناس كثيرة بالأديان بمجرد ذكرها ووصف تجدين نفسك تلقائيا تقعين لهم وتتمني رؤيتهم، كالسيد المسيح أو موسى النبي أو الملك داود أو ابنه الملك سليمان وسيدنا يوسف وغيرهم.

اعتقد أننا هنا لا نتحدث عن الحب بل القبول أو الإعجاب. إنني لا استطيع أن أقول على شخص أحبه إلا بعدما اختبر كل شيء معه في البداية خاصة الأمور السيئة قبل الجيدة. أرى عيوبه قبل محاسنه وأرى إذا كنت سأتقبلها أم لا والعكس. هذا هو الحب.

أم الحب بالنظرة الأولى، الحب بالوصف، الحب بالخيال ... الخ

أرى أن كل هذا لا يُعد حبًا بل قبول، اعجاب، وهم أي شيء آخر عدا الحب.

أرى أن الإنسان قد " يُعجب" فقط بوصف إنسان ولكن لا يصل إلى مرحلة الحب. أما وصف الجنان وحبها الذي يوردها الشاعر فنحن نحبها لأنها مستراحنا في دنيانا التي قد تكون في أكثرها بغيضة لنا. ومرحلة الإعجاب هذه قد تنقضي بل قد تتحول إلى نقيضها عند العيان و الرؤية و التعامل و قد تتحول إلى عشق إذا فقط إذا صدًق الوصف الواقع. و بالفعل الإنسان قد يعجب بالوصف وحتى بالسمع إليس يقول بشار بن برد:

يا جيرة الحي أذني لبعض الحي عاشقة قد تعشق الأذن قبل العين أحياناً

فكما تعشق الحواس قد يعشق العقل أو الفكر من كثرة التفكير في وصف الموصوف.

هل من وجود للحب بالوصف في زماننا هذا ؟

أعتقد أن الإنسان قد يحب بالوصف ولكنه لا يحب الإنسان الذي أمامه بل صورته عنه. تلك الصورة التي نسجها خياله والتي قد تقترب أو تبتعد عن الحقيقة. ولكن لا يمكن أن يسمى هذا الحب حبًا واقعيًا فعلًا إلا قبل التعامل لفترة مناسبة حتى تتشكل تلك الصورة بطريقة أفضل وتقترب أكثر من الحقيقة أو تتصادم الفكرتان في عقل صاحبها.

وأن نحب صورة الأخر في أذهاننا مشكلة كبيرة قد تأتي من أي طريق حتى لو لم يكن الوصف. ففي عصرنا الحالي مثلًا مواقع للتواصل يعرض الإنسان فيها نفسه وشخصيته وأفكاره وقد يعجب به بعض الناس بسبب ذلك وقد يخطئ أحدهم فيسميه حبًا ولكنه حب مبني على صورة مرسومة في أذهاننا وابتعادها عن الحقيقة وارد جدًا. لذلك أسألك هنا هل تؤمنين بالحب عبر مواقع التواصل فقط؟

لا أعول كثيراً على التخيلات أمنية وأرى أنها من المستحيل أن تبتى عليها علاقة كاملة سوية فيها حقوق وواجبات، لذا في نظرتي لما يسمى للحب من خلال الوصف لا أراه إلا شئ ناقص لا يكتمل إلا بالمرأى والمعاملة والكثير من المعرفة عن الشخص الآخر.

هل توافقيني في ذلك؟

هذا ما أراه فعلًا فبدون وضوح الصورة الشخصية لمن نعامله لا يمكننا أخذ أي قرار بشكل علاقتنا. وقد أقول أيضًا أني لا أعول بشكل كامل على الصداقة المبنية على التخيلات أيضًا فهي لا تكتمل إلا من خلال المقابلة أيضًا رغم إمكانيتها عن بعد.

إن التعرف على الشخص عن قرب حتى بمقابلته صعب وقد نحتاج إلى ألف لقاء حتى نفهم الشخص ونتعرف على طباعه بشكل أقرب، فكيف بشخص لا تجمعك به مواقف ولا لقاءات ولا أي روابط سوى ما يقوله لك على تطبيق موجود في الانترنت ؟ الأمر أكبر من مجرد رؤية وشكل .

Taqwa_Mubarak أضف ردا
 لذلك أسألك هنا هل تؤمنين بالحب عبر مواقع التواصل فقط؟

لا أؤمن به، وهذه القناعة تشكلت لدي منذ اللحظة الأولى التي تعاملت فيها مع مواقع التواصل الإجتماعي، حتى الصداقة الإلكترونية لا أؤمن بها بأي شكل من الأشكال، لأن كثيراً مما نراه ونسمعه عن الأشخاص فيها محدود جداً وقد يكون مزيفاً، فكم من قصة سمعناها عن أشخاص تعرضوا للخداع على مواقع التواصل الإجتماعي وأشنعها عندما تكتشف أن من كان يحدثك على أنه فتاة هو ليس سوى شاب متلاعب !

وحتى ابن حزم الاندلسي نفسه، قد ذكر قصصاً مرّ بها متعلقة بهذا الشأن، فيحكي عن رجل من الأشراف كان بينهما ود ومراسلات عدة دون لقاء، وما ان التقيا حتى وقعت بينهما منافرة عظيمة كما وصفها استمرت معه أعواماً عديدة، وقال فيها :

أبدلت أشخاصنا كرهاً وفرط قِلىً

كما الصحائف قد يبدلن بالنسخ

أي أن الرسائل لم تكن كافية لبيان حقيقة ذلك الشخص وحقيقة مشاعره تجاهه، بل إن اللقاء أحالهم إلى وضع مختلف تماماً .

samalghanim أضف ردا

الحب بالوصف وارد جداً, وأتفق مع ابن حزم أنه "بنيان هارٍ", لأنه سيتبدّد غالباً بعد المعرفة العميقة..

لكن سمعتِ عن الحب بالوهم؟ أو بالخيال؟

من وجهة نظر الشاعر تميم البرغوثي, والتي أؤيدها بشدة, أن الحب يستحق التجربة حتى وإن كان مجرد وهم أو خيال..

في قصيدته "عشقة" يقول:

إن الهوى لجدير بالفداء وإن

كان الحبيب خيالا مرّ أو حلما

أكرم بهم عصبة هاموا بما وهموا

وأكرم الناس من يحيا بما وهِما ...