من هو الحُرّ من وجهة نظركم؟

قمت في مساهمتي السابقة بالحديث عن الحرية في الأوطان، ولكنني اليوم سأتناول الحرية من منطلق الفكر وسأطرح لكم رأياً لأبي العتاهية عنها .

في المساهمة السابقة اتفقت أغلب الأجوبة أن وطن بلا حرية لا يستحق البقاء فيه، ولكن ماذا إذا رحلت بحثاً عن هذه الحرية وعن الاستقرار المأمول وجاوزت الأرض الأولى ولم تلقَ ما تحن إليه روحك، ووصلت إلى التي تليها ولم تحصل على ما تتمناه، وجربت للمرة الثالثة ولم تكن ثابتة كما يقولون، فأين الحرية إذاً ؟ 

يقول أبو العتاهية :

طَلَبتُ المُستَقَرَّ بِكُلِّ أَرضٍ
فَلَم أَرَ لي بِأَرضٍ مُستَقَرّا
أَطَعتُ مَطامِعي فَاِستَعبَدَتني
وَلَو أَنّي قَنِعتُ لَكُنتُ حُرّا

إذاً كما أخبرنا أبو العتاهية، أنه وبعد طول ارتحال أدرك أن الحرية التي بحث عنها لم تكن في أرض دون سواها، بل كانت هذه الحرية في القناعة، وعبر التحرر من استعباد المطامع والرغبات، فقد لاحق أهواءه وارتحل طالباً إياها في كل البلاد فلم يلق ما كانت تطمح إليه نفسه، ولم تهبه أرض أكثر مما وهبته أرض أخرى، بل ما إن يلبي رغبة حتى تلمع رغبة أخرى، وهو كما يقول عنترة ابن شداد : وقلب الذي يهوى العلا يتقلب .

يعني إذا سار المرء وراء مطامعه ملبياً لها، استعبدته وسيّرته وفقاً لها، فالقنوع لا يحركه شيء ولا يفسد طمأنينته مجرد رغبة عابرة، بل يكتفي بما لديه، ويعيش ملكاً بما يملك كما يقول الثعالبي في الأبيات التالية :

هي القناعةُ فالزَمْها تعِشْ ملكاً 
لو لم يكنْ منكَ إلاّ راحةُ البدنِ 
وانظُرْ إلى مالكِ الدنيا بأجْمعِها 
هل راحَ منها بغيرِ القُطْنِ والكفنِ

لا يا أبا منصور، لم يغادرها بأكثر من القطن والكفن .. وأنت عزيزي القارئ، هل توافق أبو العتاهية في رأيه أن الحرية في القناعة بما لديك أم لديك تعريف أخر؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ان ربط الحرية بالقناعة ترتبط بالحرية النفسية من الغرق في وبال النفس التي تكبل صاحبها. فحرية الانسان تعني قدرته على التحرر من القيود التي تكبله.

ولكن حين نتحدث عن الحرية التي ترتبط بالانسان في ارضه فهذا لا يرتبط بالقناعة. بل يتربط بما يمتلك الانسان من ارادة . وكما ان هناك حرية التعبير التي تعني حق الانسان في ان يكون له كينونته وشخصيته وارائه والتعبير عنها دون وجود اي ضغوطات او مطاردات او التعرض للتضييق او المنع

اذن الحرية هي مفردة تشمل حياتنا الانسان وشخصيته وكل ما يتعلق باموره المعنوية والمادية والنفسية والسلوكية . ومن باب كل منها يمكن تفسير ذلك.

جميل جداً واعجبتني هذه العبارة :

ولكن حين نتحدث عن الحرية التي ترتبط بالانسان في ارضه فهذا لا يرتبط بالقناعة. بل يتربط بما يمتلك الانسان من ارادة .

ربما لفظة الحرية من أكثر الألفاظ زخماً بالمعاني والتفسيرات، فلا تحصر في معنى واحد أو رؤية واحدة وتظل محل نقاش دائم واختلافات في وجهات النظر .

اوافقه لحد بعيد، فمهما ظن المرء أنه مكبل فإن حرية الفكر لا يمكن اغتصابها، قال لي أحد أساتذتي: مهما ساءت الأمور ومهما صودرت حريتك، ففكرك لا يمكن تقييده، وأعتقد أن هذا السبب الأساسي في نمو وإبداع أدب السجون.

نعم تماماً، البيئة لا يمكن أن تشكل عائقاً أمام حرية الفكر .

أبو العتاهية يقصد الرضا ربما؟؟

ولكن هل نرضى بالموجود لأنه فقط موجود أم لأننا لا نطمح بالكثير؟؟

بالنهاية مسألة القناعة بما لدينا من عدمها هي مسألة شخصية ولكن هل يرتبط ذلك بحرية الفكر؟

أجمل ما في أفكارنا أنها بلا حدود، لا يمكن السيطرة عليها أو التلاعب بكيفيتها أو نوعيتها أو حتى ديدنها..

ربما يمكن توجيهها، أو تغيير محتواها من خلال الأفكار التي يتم بثها إليها، وإن كنا نربط حرية الفكر بالأفكار المجردة دون عوامل تؤثر بمحتواها ونوعيتها فإننا يمكن أن نقول بأن الفكر أسير ما يشكّله، ولكنه حالما يتشكل لا تقييد لنوعه وكينونته أبداً.

بالنهاية مسألة القناعة بما لدينا من عدمها هي مسألة شخصية ولكن هل يرتبط ذلك بحرية الفكر؟

دعني أوصل لكِ ما يود أبو العتاهية إيصاله إلى الناس .. هو يقول أن السعي المستمر نحو الأفضل جعله ينتقل من مكان إلى مكان دون أن يجد ضالته، فأدرك حينها أنه أصبح عبداً لأهواءه، يركض وراءها أينما وجّهته دون تعقّل أو قناعة بما وصل إليه.

إن الإنسان الساعي إلى المثالية في كل شيء هو حتماً لن يحصلها، فلا يوجد على هذه الأرض بيئة مثالية ولا أشخاص مثاليون، فلماذا يستمرّ الإنسان في التنقل والبحث وفقاً لأهوائه وأمنياته التي لا وجود لها في الحقيقة، ولا أعتقد أن كلامه هذا يعارض مبدأ الجهد والسعي للأفضل ولكن في بعض الأحيان تصبح القناعة حاجة للإنسان ليتحرر من أسر رغباته وأهواءه، حينها فقط يستطيع القول: "إنني لست بحاجة للبحث عن بيئة أفضل، ولكن يمكنني أن أجعل بيئتي هذه مكاناً أفضل لي"

وأرى أن قوله يتوافق تماماً مع قول الفاروق عمر بن الخطاب لجابر ابن عبدالله : "أوكلّما اشتهيت اشتريت؟"