صعد المعلّمُ سلّمَ المبنى واضعاً يدَه على كتفِ الصبي، يهمسُ في أذنه بنبرةٍ حانية:
"اليومَ سأعلّمكَ درساً عظيماً، سأكشفُ لكَ عن أسراراً كونيّة".
كان يربتُ على ظهره بلطفٍ ، بينما كان الصبي يشعرُ بفخرٍ غامرٍ وهو يرافقُ معلّمه المخلص.
عندما وصلا إلى السطح، وبحركةٍ خاطفةٍ، دفعَ المعلّمُ الصبي حتى الأسفل.
بداية الدرس
سقط الصبي وارتطمَ بقوة الأرض...
استغاثاتٌ مخنوقة وأنينٌ متقطع، ونظراتٌ زائغة تتوسلُ النجدة من معلّمه.
مدّ يده المرتجفة نحو المعلّم الذي هبط الدرجَ بسرعةِ البرق، وهو يقف الآن بجانبه.
ظنّ الصبي للحظةٍ أن المعلّم لم يقصد فعلته وانه سيحتضنه، لكنّ الواقع كان أشدّ مرارةً من السقوط.
سحبَ المعلّم سبورةً متنقلة، بدأ يدوّن عليها التاريخ وعنوان الدرس، ثم وضع كرسياً خشبياً مقابل جسد الصبي، حيث كانت قطراتُ الدماءِ لا تزالُ ترسمُ بقعاً أرجوانيةً على التراب.
جلس المعلّم واضعاً رِجلاً فوق أخرى...
المعلم (مُحدداً قوانين الدرس):
كفّ عن هذا النحيب!
قوانينُ الدرس تقتضي الهدوء، الاحترام، والصمت التام أثناء الشرح.
الصبي (بشهقاتٍ يملؤها الوجع):
أستاذي.. جسدي.. يتقطعُ ألماً..
المعلم (مقاطعاً بحزمٍ جليدي):
قلتُ التزم الهدوء!
نحن الآن في حضرةِ العلم.
كلُّ ما نفعله هنا هو لأجل مصلحتك.. نحنُ نكرّس أنفسنا لخدمتك.
درسنا اليوم هو الجاذبية الأرضية، وما حدث لك ليس إلا تجربةً عمليةً وجزءاً أساسياً من المنهج.
الصبي (بصوتٍ واهن):
معلمي.. أعرفُ الجاذبية.. وجسدي ليس تفاحة نيوتن.. كانت هناك ألفُ طريقةٍ لتعليمي دون أن تحطمني..
أرجوك الآن، أنقذني..
رمقه المعلّم بنظرةِ اشمئزازٍ، ثم استدار نحو السبورة وبدأ يشرحُ المصطلحات والمعادلات الرياضية عن الجاذبية الأرضية، وبينما كان الصبي يصارعُ الحياة، كان المعلّم يطالبه بتركيزٍ عالٍ وتدوينِ الملاحظات، مذكّراً إياه بوقار:
انتبه يا بني..
فالعلمُ هو أساسُ الحياة.