بن

​رواية: الموت البطيء

​مقدمة: مانيفستو الانطفاء

​هذا الكتاب ليس دعوة للحياة، ولا هو صرخة استغاثة. إنه ببساطة "تقرير تشريح" لروح قررت أن تتوقف عن الركض في سباق لا تعرف وجهته. الوجودية ليست مجرد كلمات في كتب "سارتر" أو "نيتشه"، بل هي ذلك البرد الذي تشعر به في عظامك حين تدرك أن الكون لا يبالي بوجعك، وأن الشمس ستشرق غداً سواء كنت هنا أو غادرت. في الصفحات التالية، سنرافق بطلاً بلا اسم، يسكن في غرفته الحمراء، ليس لأنه يحب اللون، بل لأن الأحمر هو لون الاحتراق الصامت.. لون الموت البطيء الذي يختاره المرء حين يتعب من تمثيل دور "الأحياء".

​الفصل الأول: ترنيمة الكرسي الفارغ

​لم يكن الموت يوماً بالنسبة لي تلك اللحظة الخاطفة التي ينقطع فيها النفس، بل كان دائماً هذا الضجيج الهادئ الذي يسكن غرفتي. الموت البطيء هو أن تتأمل بخار الشاي وهو يتصاعد من الكوب، وتدرك أن حرارته تتلاشى تماماً كما تلاشت رغبتك في الحديث مع أي كائن بشري.

​كانت الساعة تشير إلى منتصف اليأس. الإضاءة الحمراء في الغرفة لم تكن اختياراً فنياً، بل كانت محاولة بائسة لتدفئة برودة الروح. جلستُ على الكرسي الجلدي المهترئ، ذلك الكرسي الذي حفظ تضاريس جسدي المتعب، ونظرتُ إلى النافذة. المطر في الخارج لا يسقط، بل كان يزحف على الزجاج كدموع باردة لمدينة قررت أن تصمت للأبد.

​لماذا نحن هنا؟ سؤال وجودي سخيف يطاردني في كل مرة أفتح فيها كتاباً. نحن مجرد فراغات تحاول ملء نفسها بضجيج الآخرين، وحين يرحل الآخرون، نكتشف أننا "لا شيء". الاكتئاب ليس حزناً، الحزن مادة حية يمكنك أن تبكي فتفرغه، أما الاكتئاب فهو "الخواء". هو أن تنظر إلى المصباح المشتعل بجانبك وتشعر أن نوره لا يصل إلى عينيك.

​الفصل الثاني: رائحة الذكريات الراقدة

​في غرفتي هذه، الوقت ليس خيطاً مستقيماً، بل هو دائرة مغلقة من التكرار. الساعة المعلقة على الحائط لا تشير إلى الوقت، بل تسخر من محاولاتي لقتله.

​فتحتُ الخزانة القديمة، فانبعثت منها رائحة ثياب لم تُلبس منذ دهور. أخرجتُ معطفاً قديماً، وفي جيبه وجدتُ تذكرة سينما باهتة يعود تاريخها لسنوات. لم أعد أتذكر الفيلم، ولا الشخص الذي كان يجلس بجانبي، لكنني تذكرتُ شعوراً واحداً فقط: كان قلبي حينها لا يزال قادراً على الخفقان لسبب ما. الآن، قلبي يشبه ذلك المصباح الأحمر في الزاوية؛ يعطي ضوءاً، لكنه لا ينشر حرارة.

​الفصل الثالث: الجحيم.. هم الغائبون

​يقول سارتر إن "الجحيم هم الآخرون"، لكنه أخطأ في تقدير المسافة؛ الجحيم الحقيقي هو "الآخر" الذي سكنك ثم رحل، تاركاً خلفه فجوات لا يملؤها الكون كله.

​في هذه الغرفة، الكراسي ليست فارغة كما تبدو. هناك أشباح تجلس معي، أشباح لأشخاصٍ منحوني يوماً وهمَ الأهمية. أراقب الناس من خلف زجاج نافذتي المبلل؛ يركضون خلف أوهامهم، يظنون أن جمع المال أو البحث عن الحب سيحميهم من النهاية الحتمية. يا لساذجتهم! الكل يسير نحو الحفرة ذاتها، لكنهم يفضلون الركض بينما أفضل أنا "المشي البطيء".

​الفصل الرابع: طرقات على جدار الروح

​لم يكن طرقاً على الباب، فالباب كان مغلقاً بالمفتاح واليأس منذ دهر. كان الصوت ينبعث من الداخل.

"ألم تملّ من مراقبة ذلك البخار؟" جاء الصوت هادئاً، حيادياً، كأنه صدى لصوتي.

​تصلبتُ في مكاني. من خلفي، شعرتُ ببرودة مفاجئة. لم ألتفت، فالمكتئب لا يخاف من الأشباح، بل يخاف من الحقيقة التي تحملها.

"من أنت؟" سألتُ بصوت صدئ.

ضحك الظل الذي بدأ يتشكل على الجدار: "أنا الجانب الذي لم تقتله فيك. أنا تلك الإرادة التي تحاول خنقها كل ليلة بهذا المصباح الأحمر. الموت لا يأتي لمن ينتظره يا رفيق، الموت البطيء هو أن تعيش في قاعة انتظار لا قطارات فيها، ولا مسافرين."

​الفصل الخامس: تيه المدينة الميتة

​"افتح النافذة.. وانزل." كان أمر الكيان قاطعاً.

بمجرد أن فُتحت النافذة، صفعني هواء المدينة المثقل برائحة الأسفلت المبلل والوحدة الجماعية. نزلتُ الدرج وكأنني أنزل في بئرٍ لا قاع له. الشوارع كانت خالية إلا من قططٍ مشردة تنظر إليّ بعيونٍ رأت الكثير من القذارة لدرجة أنها لم تعد تبالي.

​توقفنا أمام واجهة محل، حيث "مانيكان" بلاستيكية تبتسم للفراغ ببرود مرعب.

"هذه هي الوجودية الحقيقية،" ضحك الكيان. "جمالٌ مصنوع، ابتسامة ثابتة، وجوفٌ فارغ. هل تشعر بالقرابة بينكما؟"

​الفصل السادس: محطة القطار والقرار الأخير

​وصلنا إلى المحطة المهجورة. ساعة الحائط الكبيرة قد توقفت عقاربها عند لحظة غامضة، كأن الزمن قرر الانتحار هنا. جلسنا على مقعد خشبي بارد.

"لماذا نعدّ هذا موتاً بطيئاً؟" سألني الكيان. ثم أجاب بنفسه: "لأنكم تملكون الأمل وتسمونه اكتئاباً. اليائس الحقيقي لا يحزن، اليائس الحقيقي يبتسم للعدم ويمشي فيه كأنه بيته."

​فجأة، سمعتُ صوت قطار آتٍ من بعيد. صوت اهتزاز القضبان كان يرتجف في عظامي. لم يكن هناك أي قطار مجدول.

"هذا قطارك،" قال الكيان وهو يقف. "إما أن تصعد وتواجه ما وراء 'أنا'، أو تعود لغرفتك الحمراء وتكمل شرب الشاي البارد حتى يتوقف قلبك."

​وقفتُ بين رصيفين.. بين العودة إلى سجن الضوء الأحمر الصغير، وبين الصعود لقطار لا أعرف محطته القادمة. وفي تلك اللحظة، أدركتُ أن "الموت البطيء" قد انتهى، وبدأ شيءٌ آخر تماماً.