ثلاثون عاماً من الغياب أكتبُ إليكِ الآن وأنا أدخل عامي التاسع والثلاثين؛ ثلاثون عاماً مرّت منذ رحيلكِ، ولم أسمع خلالها صوتكِ مرة واحدة. يبدو الرقم كبيراً، لكنه لا يساوي شيئاً أمام فراغٍ استقرّ في مكانكِ ولم يتحرك، كأن الزمن في غيابكِ فقد قدرته على المداواة. هذه أول مرة أكتبُ لكِ فيها. لا أعرف إن كانت الرسائل تصل إلى من رحلوا، أم أننا نكتبُ فقط لنخفف ضجيج الذكريات عندما تضيق بنا الروح. كنتُ صغيراً حين مرضتِ، لكني أراكِ حتى الآن بوضوحٍ
غانم الدرويش: حين يكون الجنون مرآة لعقولنا
غانم الدرويش: حين يكون الجنون مرآة لعقولنا في كل سوقٍ شعبي، وفي أطراف المدن المنسية، تظهر شخصية تكسر رتابة الحياة بيقينها الغريب. نسميهم "المجاذيب" أو "الدراويش"، ونمرّ بهم كعابرين، دون أن نتوقف طويلًا عند السؤال الأهم: هل هم المجانين حقًا، أم أنهم فقط اختاروا عقلًا لا يشبه عقولنا؟ كان الحاج غانم، كما يُعرف بين الناس، واحدًا من هؤلاء. لا أحد يعرف اسمه الكامل، ولا من أين جاء، ولا كيف بدأ يعيش بهذه الطريقة. كل ما نعرفه أنه رجلٌ يمشي بخطى
الرد الثاني: وليمة العزاء، وعن الحطام الذي نسميه وطناً
الرد الثاني: (وليمة العزاء، وعن الحطام الذي نسميه وطناً) يا صديقي.. ياله من عيدٍ مشؤوم! ينتهي برصاصةٍ أو طعنة، ثم تسألني بكل براءة: "مَن سيثأر لمَن؟". ألا تعرف قانون الغابة الذي تسكنه؟ غداً سيُعقد "الصلح" تحت خيمةٍ تضجُّ برائحة التبغ والنفاق، وسيُقال إن "الحيَّ أبقى من الميت"، وأن الدم لا يصير ماءً، وما سقط من الشارب سيتلقفه "اللحية". هكذا، بكلماتٍ جوفاء، تُغلق قضية شابٍ انتهت حياته في لحظة عبث، وتُرمل شابةٌ لم يجفَّ عطر عرسها بعد. هل نسيتَ؟ لقد كان
الرسالة الثانية طقوس الدم، واللحم، وعيد الفقراء
الرسالة الثانية طقوس الدم، واللحم، وعيد الفقراء يا صديقي الشامت.. أضحكتني شماتتكَ حدَّ الوجع، لكن لا بأس، إن كان بؤسي يمنحك شعوراً بالانتصار، فدعني أُغرقك في تفاصيلٍ لن تلامس حواسك في منفاك البارد. لقد مرَّ علينا "العيد"، هل تذكر هذا المفهوم؟ لابد أنك سمعتَ به هناك، وربما قلتَ في سرّك: "إنه مجرد يومٍ آخر". لكن أخبرني، هل عشتَه حقاً؟ هل رأيتَ زحام الأطفال وهم يتدافعون أمام الدكاكين، يشدُّون أطراف ملابسهم الجديدة كأنهم يمسكون بتلابيب الحياة؟ هل رأيتَ دموعهم الصغيرة وصراخهم
الرد الاول نشيد الخلاص من جحيم الانتماء
الرد الاول نشيد الخلاص من جحيم الانتماء يا صديقي.. لقد حملت رسالتك إليّ نبأ موت القطة، وكان وقعه على نفسي أشدَّ حزنًا وأعمق أثرًا من هجرتي ذاتها، ومن تلك البلاد التي لا تزال أنت تتشبث بأطلالها. لا أعلم حقاً ما الذي يغريك بالبقاء في أرضٍ لم تعد صالحةً لتربية الأمل؟ لقد دعوتك مراراً لنقطع حبل الوريد الذي يربطنا بها، لكنك آثرتَ البقاء في الظل. صدقتَ حين قلتَ إنها انتحرت؛ فتلك القطة الرقيقة كانت تملك غريزةً أنقى من "قطيع" البشر الذين
الرسالة الأولى: جثة القطة.. وثقب الغياب
مرحباً يا صديقي ترددتُ كثيراً قبل أن أخطَّ لك هذه الكلمات، ليس لشيء، إلا لأنني لم أعد أعرف في أي أرضٍ ضربت جذورك، وأين استقر بك الترحال في هذا العالم الشاسع. هذه هي المرة الأولى التي أطاردك فيها برسالة، ولا أدري حقاً من أين أبدأ؛ هل أحملك أوجاع هذه البلاد وأخبارها؟ أم أنك لفظت ذكراها من مخيلتك منذ اللحظة التي عبرت فيها حدودها، ولم تعد تطيق حتى سماع اسمها؟ ربما سيكون من الأفضل أن أحدثك عن "أتفه" الأشياء، رغم أنني