(عودة الغريب إلى الجذور الضائعة) وصل بسيارة أجرة، أنزلته أمام جامع القرية القديم. ترجَّل ببطء، وعيناه تجولان على المكان الذي تركه منذ ستين عامًا. الطريق الترابي يمتد أمامه، ضيق ومليء بالحفر، فيما الأعشاب البرية نمت على الجانبين. بعض البيوت بدت مهترئة، تحمل آثار الزمن، وأخرى جديدة، لكنها بلا روح بالنسبة له. يقلب وجهه يمينًا ويسارًا، يراقب الأطفال يركضون غير مكترثين، وكبار السن يجلسون تحت ظلال الأشجار، يتحدثون بصوت خافت كأنما يترددون في إزعاج السكون. عبرت بقرة من أمامه، يتبعها حمار
عشر ثوان قبل النهاية
(عشر ثوانٍ.. صراع الوعي بين الخوف والتحرر) توقفت عقارب الزمن، غمره سكون عميق، وكأن الكون كله سكن في لحظة واحدة، لم يتبقَّ سوى عشر ثوانٍ تفصله عن النهاية، لكنها بدت كفجوة هائلة تفصل بين عالمين متباينين. في هذا الفراغ المعلَّق، تلاشت الأصوات، وذابت الظلال في خواءٍ مطلق. كان عالقًا بين الأمل والخوف، يقاوم معركة داخلية لا نهاية لها. في خضمِّ هذا الصمت، تسلل إليه صوت داخلي خافت يسأله إن كانت حياته مجرد خدعة، وإن كان سعيه للوجود يمثل معنى حقيقيًا
دموع مؤجلة
في زاويةٍ من زوايا السوق، حيث تختلط أصوات الباعة برائحة التوابل ونكهة الخبز الطازج، يجلس ذلك الرجل العجوز بعيدًا، صامتًا. خطوط جبينه تحكي سنواتٍ طويلة، كأن كل تجعيدة في وجهه قصة لم تُروَ. لا يتحدث إلى أحد، ولا ينتظر كلامًا من أحد. نظراته ثاقبة، حادة كعدسة كاميرا ثلاثية الأبعاد، ترى كل شيء ولا تفوت شيئًا. لكنه لا يبتسم، ولا يلتفت مهما ارتفعت أصوات المساومات أو ضحكات الأطفال المتناثرة في الهواء. يأتي كل يوم بعد صلاة العصر بخمس عشرة دقيقة، فيستقرُّ
دفن مؤجل
الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلًا. أصوات غير مألوفة... أو هي مألوفة ولكن نادرة. أصوات صراخ وبكاء، وبعض الأحاديث غير المفهومة، تمتمات تبدو معروفة وإن بدأت غير مفهومة. هل أقوم من فراشي؟ أنظر ماذا يجري؟ لا، لن أقوم. وماذا سأفعل لو قمت؟ هل يحتاجون لي في شيء؟ لا. هل يخبرني أحد عن ماذا يجري لو خرجت؟ لا. هل يكلِّفني أحدهم بشيء لو خرجت؟ لا. حتى البكاء... لن يكلِّفني أحد أن أبكي مثلهم. ربما مات أحدهم. لقد ارتاح منهم. وهم الآن
الى وهم كان
(إلى وهمٍ كان) وصلتني رسالتك، أيها المجهول. وترددت كثيرًا قبل أن أكتب لك... لم تكن إلا هذيانًا من رجلٍ لا أعرفه تمامًا، أو ربما أعرفه أكثر مما يظن. لكن شيئًا في كلماتك استوقفني، دفعني أن أفتح صندوق الذكريات الذي أغلقته منذ زمن، وسألتني: «هل كانت تلك النظرات التافهة بيننا ذات يوم، حقيقية؟». أخبرك الآن: نعم، كانت حقيقية... وأكثر مما كنت تتصور. لكنك نسيت شيئًا مهمًا. أنت تملك حرية أن تقول لزوجتك إنك كنت معجبًا بفتاة قبْلها. أنا؟ لا أملك حتى
الى حلم لم يكن
(إلى حلم لم يكن) أتذكر أول لقاء بيننا؟ لم أكن أعي شيئًا منه، ولا أنتِ كذلك. كان مجرد تلاقٍ عابر، نظرات متبادلة بلا معنى، في عالمٍ لم يعنِ لنا شيئًا بعد. لا طموح، لا وعي، سوى تلك النظرات المسروقة، وكأنها الهواية الوحيدة المتاحة في مرحلة لم نملك فيها لا الحُب ولا الرفض. كبرنا. وتغيَّرت قوانين اللعبة. زادت المراقبة، وقلَّت النظرات، حتى صار بيننا جدار متهالك، كنت أسمعك من خلفه وأشعر أن صوتك يخصُّني وحدي. كنت أقهقه أحيانًا دون سبب، فقط
مئة عام وليلة
عاشت مئة عام، وماتت في ليلة، كأنها لم تُخلق أبدًا. كأن القرن كله لم يكن إلا وهمًا طويلًا، مسرحية سخيفة كتبها الزمن ثم ملَّها ومزَّق الصفحات. قرنٌ كامل مرّ فوقها، ثم انطفأ بهدوء، كأن الكون نفسه لم يجد فيها ما يستحق أن يُحفظ. عاشت هذه المئة عامًا مجردةً من كل شيء، مزدحمةً بكل شيء، وتبيّن في النهاية أن الفرق بين المجد والفراغ كان وهمًا واحدًا. تزوجت وهي طفلة، بالكاد تعرف كيف تخاف من الظلام. ثم ترمّلت وهي شابة، فعرفت أن
عودة للموت
عودة للموت وُلدتُ في وطن لم أختره، لكن كان يجب عليَّ أن ألتزم بالانتماء له. إنه وطنٌ ظالم، يُظلم فيه أهله، ويُظلم ترابه وهواؤه، حتى الانتماء إليه يتحوَّل إلى عبء ثقيل. لماذا أظل هنا؟ هل أنا كائنٌ ثابت؟ أتوق للرحيل، لكن إلى أين يمكنني الذهاب؟ من الأليم ألا يقبلني أحد بسبب أصولي. ومع ذلك، يجب أن أترك هذا المكان، حتى وإن كنت لا أرحل حقًا. لن يكون هناك خروج، وإذا حدث، سيظل الحنين يلاحقني. فكَّرتُ في مغادرتك، لكن لعنتك تلاحقني.
١٢ مليون دقيقة
١٢ مليون دقيقة منذ منتصف عام ٢٠٠٢، وعقارب الساعة لا تدور في معصمي، بل تدور في رأسي.. تنهش ما تبقى من سكينتي بانتظام مريض. كنتُ مراهقاً حين بدأ العداد، وسرعان ما أدركت الفخ اللعين: في العمل، أنت ترهن دقائقك لغيرك فتتمنى لو أنها ترحل وتذوب، وخارج العمل، ترهنها لنفسك فتتوسل إليها لكي تتمدد وتتثاءب. وبين هذا وذاك، اكتشفتُ أن الزمن ليس محايداً، بل هو سجّان يعرف متى يركض ومتى يتوقف ليخنقك. اليوم، وأنا أقف على مشارف الأربعين، لا أسترجع سنواتي
ثلاثون عاماً من الغياب
ثلاثون عاماً من الغياب أكتبُ إليكِ الآن وأنا أدخل عامي التاسع والثلاثين؛ ثلاثون عاماً مرّت منذ رحيلكِ، ولم أسمع خلالها صوتكِ مرة واحدة. يبدو الرقم كبيراً، لكنه لا يساوي شيئاً أمام فراغٍ استقرّ في مكانكِ ولم يتحرك، كأن الزمن في غيابكِ فقد قدرته على المداواة. هذه أول مرة أكتبُ لكِ فيها. لا أعرف إن كانت الرسائل تصل إلى من رحلوا، أم أننا نكتبُ فقط لنخفف ضجيج الذكريات عندما تضيق بنا الروح. كنتُ صغيراً حين مرضتِ، لكني أراكِ حتى الآن بوضوحٍ
غانم الدرويش: حين يكون الجنون مرآة لعقولنا
غانم الدرويش: حين يكون الجنون مرآة لعقولنا في كل سوقٍ شعبي، وفي أطراف المدن المنسية، تظهر شخصية تكسر رتابة الحياة بيقينها الغريب. نسميهم "المجاذيب" أو "الدراويش"، ونمرّ بهم كعابرين، دون أن نتوقف طويلًا عند السؤال الأهم: هل هم المجانين حقًا، أم أنهم فقط اختاروا عقلًا لا يشبه عقولنا؟ كان الحاج غانم، كما يُعرف بين الناس، واحدًا من هؤلاء. لا أحد يعرف اسمه الكامل، ولا من أين جاء، ولا كيف بدأ يعيش بهذه الطريقة. كل ما نعرفه أنه رجلٌ يمشي بخطى
الرد الثاني: وليمة العزاء، وعن الحطام الذي نسميه وطناً
الرد الثاني: (وليمة العزاء، وعن الحطام الذي نسميه وطناً) يا صديقي.. ياله من عيدٍ مشؤوم! ينتهي برصاصةٍ أو طعنة، ثم تسألني بكل براءة: "مَن سيثأر لمَن؟". ألا تعرف قانون الغابة الذي تسكنه؟ غداً سيُعقد "الصلح" تحت خيمةٍ تضجُّ برائحة التبغ والنفاق، وسيُقال إن "الحيَّ أبقى من الميت"، وأن الدم لا يصير ماءً، وما سقط من الشارب سيتلقفه "اللحية". هكذا، بكلماتٍ جوفاء، تُغلق قضية شابٍ انتهت حياته في لحظة عبث، وتُرمل شابةٌ لم يجفَّ عطر عرسها بعد. هل نسيتَ؟ لقد كان
الرسالة الثانية طقوس الدم، واللحم، وعيد الفقراء
الرسالة الثانية طقوس الدم، واللحم، وعيد الفقراء يا صديقي الشامت.. أضحكتني شماتتكَ حدَّ الوجع، لكن لا بأس، إن كان بؤسي يمنحك شعوراً بالانتصار، فدعني أُغرقك في تفاصيلٍ لن تلامس حواسك في منفاك البارد. لقد مرَّ علينا "العيد"، هل تذكر هذا المفهوم؟ لابد أنك سمعتَ به هناك، وربما قلتَ في سرّك: "إنه مجرد يومٍ آخر". لكن أخبرني، هل عشتَه حقاً؟ هل رأيتَ زحام الأطفال وهم يتدافعون أمام الدكاكين، يشدُّون أطراف ملابسهم الجديدة كأنهم يمسكون بتلابيب الحياة؟ هل رأيتَ دموعهم الصغيرة وصراخهم
الرد الاول نشيد الخلاص من جحيم الانتماء
الرد الاول نشيد الخلاص من جحيم الانتماء يا صديقي.. لقد حملت رسالتك إليّ نبأ موت القطة، وكان وقعه على نفسي أشدَّ حزنًا وأعمق أثرًا من هجرتي ذاتها، ومن تلك البلاد التي لا تزال أنت تتشبث بأطلالها. لا أعلم حقاً ما الذي يغريك بالبقاء في أرضٍ لم تعد صالحةً لتربية الأمل؟ لقد دعوتك مراراً لنقطع حبل الوريد الذي يربطنا بها، لكنك آثرتَ البقاء في الظل. صدقتَ حين قلتَ إنها انتحرت؛ فتلك القطة الرقيقة كانت تملك غريزةً أنقى من "قطيع" البشر الذين
الرسالة الأولى: جثة القطة.. وثقب الغياب
مرحباً يا صديقي ترددتُ كثيراً قبل أن أخطَّ لك هذه الكلمات، ليس لشيء، إلا لأنني لم أعد أعرف في أي أرضٍ ضربت جذورك، وأين استقر بك الترحال في هذا العالم الشاسع. هذه هي المرة الأولى التي أطاردك فيها برسالة، ولا أدري حقاً من أين أبدأ؛ هل أحملك أوجاع هذه البلاد وأخبارها؟ أم أنك لفظت ذكراها من مخيلتك منذ اللحظة التي عبرت فيها حدودها، ولم تعد تطيق حتى سماع اسمها؟ ربما سيكون من الأفضل أن أحدثك عن "أتفه" الأشياء، رغم أنني