الرد الاول نشيد الخلاص من جحيم الانتماء

​يا صديقي..

​لقد حملت رسالتك إليّ نبأ موت القطة، وكان وقعه على نفسي أشدَّ حزنًا وأعمق أثرًا من هجرتي ذاتها، ومن تلك البلاد التي لا تزال أنت تتشبث بأطلالها. لا أعلم حقاً ما الذي يغريك بالبقاء في أرضٍ لم تعد صالحةً لتربية الأمل؟ لقد دعوتك مراراً لنقطع حبل الوريد الذي يربطنا بها، لكنك آثرتَ البقاء في الظل.

​صدقتَ حين قلتَ إنها انتحرت؛ فتلك القطة الرقيقة كانت تملك غريزةً أنقى من "قطيع" البشر الذين لم يلحظوا غيابي. انتحرت لأنها فقدت المعنى، فماذا يفعل كائنٌ حيّ وسط اللاشيء الذي تسكنه أنت وأمثالك؟

​أخبرك يا صديقي، أنني حين أقلعت بي الطائرة، وشعرتُ بجسدها الحديدي يشقُّ عباب السماء فوق تلك الأرض، غمرتني سعادةٌ وحشية. في تلك اللحظة، لم يعد يعنيني شيء سوى أنني أفلتُّ من قبضة الجحيم. ألا ترى وجوه الناس هناك؟ وجوهٌ تفيض حقداً وحسداً، كأنما قُدِّرت لتمتصَّ رحيق الفرح من عروق الآخرين. هناك، لا يُسمح لك بأن تكون فقيراً وسعيداً؛ فإما أن تكون غنيا يتملقونك ، أو تتهيأ لتلقي طعنات نميمتهم وانتقادهم الذي لا يشبع.

​لو لم يكن في هذه الغربة من فضيلةٍ سوى أنها باعدت بيني وبين تلك الوجوه الكالحة، لكان ذلك كافياً ليعيد صياغة وجودي من جديد.

​أتدري؟ يومي الأول هنا كان بمثابة ولادةٍ ثانية. كل شيءٍ حولي يضجُّ بالحياة: وجوهٌ غريبة لا تحمل لي ضغينة، كلماتٌ لم تلوثها الخيبات، وحتى الملابس هنا لها ذوقٌ يوحي بالحرية. أما الموسيقى.. آه يا صديقي، لا تحدثني عن جمال بلادك ولا عن ألحانها، فما أسمعه الآن من ترانيم يكسر رتابة الصمت الذي عشته هناك لسنوات. ربما هو حكمٌ مسبق، أو نشوة البدايات، لكنني أشعرُ لأول مرة بأنني أتنفسُ حقاً.

​أخبرني يا صديقي.. إذا داعبتْ مخيلتك يوماً فكرة الهرب، فستجدني هنا بانتظارك. أما أنا، فليس في قلبي ذرة اشتياقٍ للعودة. لا أريد أخبار البلاد، ولكن اكتب لي.. اكتب لي لأشفق عليك قليلاً، ولأتشفى في هذا البؤس الذي اخترته لنفسك طواعية.

​كن بخير.. في جحيمك الهادئ.