الرسالة الأولى: جثة القطة.. وثقب الغياب

مرحباً يا صديقي

ترددتُ كثيراً قبل أن أخطَّ لك هذه الكلمات، ليس لشيء، إلا لأنني لم أعد أعرف في أي أرضٍ ضربت جذورك، وأين استقر بك الترحال في هذا العالم الشاسع. هذه هي المرة الأولى التي أطاردك فيها برسالة، ولا أدري حقاً من أين أبدأ؛ هل أحملك أوجاع هذه البلاد وأخبارها؟ أم أنك لفظت ذكراها من مخيلتك منذ اللحظة التي عبرت فيها حدودها، ولم تعد تطيق حتى سماع اسمها؟

ربما سيكون من الأفضل أن أحدثك عن "أتفه" الأشياء، رغم أنني بتُّ أشك في وجود تفاهةٍ حقيقية في عالمٍ يبتلعنا ببرود.

هل تذكر تلك القطة؟ تلك الكائنة الهشة المبقعة بسوادٍ وبياض، التي كنت تقاسمها بقايا عمرك لا بقايا أكلك فحسب؟ لقد انتهت اليوم تحت عجلات سيارةٍ مسرعة في آخر الشارع. كان مشهداً عابراً لدرجةٍ مخيفة؛ ارتطامٌ مكتوم، صرخةٌ لم يسمعها أحد، ثم صمتٌ طويل يمتد بطول الرصيف.

حين وقفتُ فوق رأسها، لم أرَ جثةً فحسب، بل رأيتُ في عينيها الزجاجيتين المنطفئتين خلاصة رحيلك. سألتُ نفسي: هل يعزي المرءُ صديقاً في قطة؟ أم أعزيك في "المعنى" الذي انقطع بموتها؟ لقد خُيّل إليّ يا صديقي أنها لم تُدهس صدفة، بل مارست طقساً انتحارياً بارعاً. لقد أدركتْ بغريزتها العدمية أن غيابك ليس سفراً مؤقتاً، بل هو "ثقبٌ" في نسيج أيامها لن يملأه أحد، فاختارت أن تتحول إلى بقعة دمٍ باهتة على الأسفلت بدلاً من أن تظل شاهدةً على فراغ مكانك.

المفارقة المؤلمة، يا صديقي، أن العالم واصل دورانه غير آبهٍ بما حدث. أما الدهماء هنا، فما زالوا يتوهمون وجودك في غرفتك، يعبرون ظلك يومياً دون أن يدركوا غيابك. إنه أمرٌ يثير الضحك الأسود؛ أن يتساوى حضورك وغيابك في موازين هؤلاء البشر، وكأننا جميعاً مجرد أرقامٍ في معادلةٍ صفرية لا ناتج لها.

وحده "أنا" من يقتات على غيابك، ربما لأنني كنت الشاهد الأخير، والرجل الذي لوّح لك في المطار قبل أن تبتلعك الطائرة. لم يكن انتباهي لرحيلك مجهوداً ذهنياً مني، بل كان قدراً واجهته وحدي؛ أن أبقى هنا حارساً للمقبرة، وشاهداً وفياً على رحيلك، وموت القطة، وكل الأشياء التي ستغادرنا تباعاً.

أخبرني الآن، في بلادك البعيدة.. ماذا رأيت هناك؟ وأين تضع قدمك الآن؟ هل وجدت هناك "وجوداً" حقيقياً؟ أم أنك اكتشفت أن الغربة ليست سوى تبديلٍ لعدمٍ بآخر؟

لا تنسَ أن تكتب لي رسالتك الأولى، فقط لأعرف أنك لا زلت، بطريقةٍ ما، على قيد الحياة

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش