الرسالة الثانية طقوس الدم، واللحم، وعيد الفقراء
يا صديقي الشامت..
أضحكتني شماتتكَ حدَّ الوجع، لكن لا بأس، إن كان بؤسي يمنحك شعوراً بالانتصار، فدعني أُغرقك في تفاصيلٍ لن تلامس حواسك في منفاك البارد.
لقد مرَّ علينا "العيد"، هل تذكر هذا المفهوم؟ لابد أنك سمعتَ به هناك، وربما قلتَ في سرّك: "إنه مجرد يومٍ آخر". لكن أخبرني، هل عشتَه حقاً؟ هل رأيتَ زحام الأطفال وهم يتدافعون أمام الدكاكين، يشدُّون أطراف ملابسهم الجديدة كأنهم يمسكون بتلابيب الحياة؟ هل رأيتَ دموعهم الصغيرة وصراخهم من أجل "الأفضل"، ذلك الضجيج الذي يثبت أننا لا زلنا أحياء؟
فاتكَ الكثير يا صديقي.. فاتك مشهد البنات بفساتينهن الملونة كفراشاتٍ تائهة تتنقل بين البيوت لاقتناص "العيدية". فاتك دويُّ الألعاب النارية التي يطلقها الصبية كأنهم يعلنون الحرب على الصمت. هل تذوقتَ مكسرات العيد التي تخبئ طعم الأرض؟ هل بلل ريقك عصير التوت في ذلك الصباح المشمس؟
لقد كانت المسالخ تضجُّ بالحركة، رائحة الدم واللحم تملأ الزوايا، وصورة ذلك الشائب الذي انحنى ظهره وهو يجمع الجلود المهملة؛ كأنه يجمع بقايا عمرنا المتناثر. أخبرني عن عيدك أنت.. هل بدأتَ عملك الرتيب في صباحه؟ هل كنتَ وحيداً خلف شاشتك بينما كنا هنا نغرق في "الحياة" بكل صخبها وقذارتها؟
اشمت يا صديقي كما تشاء، فهذه هديتي إليك: أنتَ بلا عيد! ولكن، لا تغضب مني حين أضع بين يديك هذا المشهد.. ففي ثالث أيام "الفرح"، حين كانت الشمس تصبُّ لهيبها على الرؤوس، رأيتُ محمد بن هادي يسقط. لم يكن موتاً وقوراً، بل كان عبثاً خالصاً.
رأيتُ نصل "الجنبية" في يد ابن عمه محسن يلمعُ تحت الضوء، كان مشهداً يختصر كل انكساراتنا. شجارٌ تافه على "مكان وقوف" أو "كلمة عابرة"، تحول فجأة إلى شهيقٍ أخير. رأيتُ دم محمد ينسالُ حاراً وقانياً، يزحفُ ببطء ليخالط غبار الشارع وبقايا أوراق الزينة الملونة. سقط محمد وسط دهشة المارة، وجسده ينتفض كذبيحةٍ لم يذكر اسم الله عليها، بينما كان القاتل يحدق في يديه بذهولٍ عدمي، كأنه لا يستوعب كيف تحول "ابن العم" إلى "جثة" في لحظة طيش.
أرأيت؟ نحن هنا نحزن ونفرح في آنٍ واحد، نلمس الموت والحياة في زقاقٍ ضيق. نحن نملك "حياةً" أكثر كثافة من حياتك المعلبة هناك. أخبرني.. هل هزّك حزنٌ حقيقي مؤخراً؟ هل رأيت دماً حياً يصرخ تحت قدميك؟ لا أظن. أنت هناك تعيش في منطقةٍ رمادية، لا فرحٌ يبكيك ولا حزنٌ يحييك. أي حياةٍ تلك التي تتباهى بها وأنت لم تعد تشعر حتى بطعم الفقد؟
اشمت يا صديقي.. فالحزن هنا هو الدليل الوحيد على أننا لا زلنا ننبض.
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش