غانم الدرويش: حين يكون الجنون مرآة لعقولنا
في كل سوقٍ شعبي، وفي أطراف المدن المنسية، تظهر شخصية تكسر رتابة الحياة بيقينها الغريب. نسميهم "المجاذيب" أو "الدراويش"، ونمرّ بهم كعابرين، دون أن نتوقف طويلًا عند السؤال الأهم: هل هم المجانين حقًا، أم أنهم فقط اختاروا عقلًا لا يشبه عقولنا؟
كان الحاج غانم، كما يُعرف بين الناس، واحدًا من هؤلاء. لا أحد يعرف اسمه الكامل، ولا من أين جاء، ولا كيف بدأ يعيش بهذه الطريقة. كل ما نعرفه أنه رجلٌ يمشي بخطى هادئة، يحمل عصاه، ويبدو كأنه خارج من زمنٍ آخر. مع الوقت، صار لقب "الدرويش" اسمه الحقيقي، وصارت غرابته هويته الوحيدة.
فلسفة العراء
يمرّ بالسوق وقت الصلاة، متجهًا إلى الوادي ليصلي وحده. لا يدخل المسجد إلا يوم الجمعة، وحتى حينها يختار الملحق المكشوف. كان يقول إن السقوف تحجب الإنسان عن صفائه، وإن الصلاة في العراء تجعل القلب أخفّ.
ينام على سطح بيته للسبب نفسه. يرى أن مواجهة السماء الطويلة تُعيد ترتيب الخوف داخل الإنسان. لم يكن يشرح كثيرًا، بل يكتفي بعبارات قصيرة يرددها وهو يمشي:
"السعيد من عاش اليوم، والتعيس من فكّر كيف سيعيش غدًا."
ثم يضيف بعد صمت: "الغد ليس وعدًا… بل حفرة لمن حلم."
كان بعضهم يبتسم، وآخرون يهزون رؤوسهم شفقة. أما هو فكان يضرب الأرض بعصاه، ينظر إليها طويلًا، ثم يقول: "أضرب الأرض لتضحك… تعرف أن ضحكها قبري."
حوار خارج حدود العقل
في أحد الأيام، صلّى معه بعض المارة في الوادي. بعد الصلاة سأل أحدهم: "هل هو عاقل؟ هل تجوز الصلاة خلف مجنون؟"
ابتسم غانم قبل أن يجيبه: "بلى… أنا مجنون."
ضحكنا، فتابع: "اسألوا الناس عني. سيقولون مجنون. تكفي شهادتهم."
ثم ضرب الأرض بعصاه وقال: "القلب يصرخ داخلنا… والناس يسمعون ضحكنا."
كان يتحدث بثقة رجل لا يحاول إقناع أحد، بل يكتفي بأن يقول ما يراه. وحين سألته مرة عن سر ضحكه، قال بهدوء: "أنا أعيش موتي كل يوم… لكن الناس يسمونه جنونًا."
حين تضحك الأرض
في ليلةٍ متأخرة رأيته واقفًا على سطح بيته، يحدّق في السماء. سألني دون أن يلتفت: "هل سمعت ضحك الأرض؟"
قلت: "أسمعها تبكي الليلة."
ضرب الأرض بعصاه ببطء وقال: "النجوم تبكي لأن الضوء لم يعد يكفي لحياة أي شيء."
ثم صمت قليلًا وأضاف: "الحياة حلم… والموت صحوة بلا وجه."
ظل ينظر طويلًا، كأنه يرى ما لا نراه. في الصباح مرّ بالسوق كعادته، لكنه كان أكثر صمتًا. لم يغنِ، ولم يضرب الأرض بعصاه. بدا كأنه سلّم أفكاره للريح ومضى.
منذ ذلك اليوم، لم أعد متأكدًا إن كان مجنونًا فعلًا، أم أن الجنون مجرد اسم نمنحه لمن يرون العالم دون الزينة التي نضعها فوقه. ربما لم تكن الأرض تضحك كما كان يقول، لكن شيئًا ما في صوته كان يجعل الفكرة ممكنة.
ومنذ ذلك الحين، كلما سمعت ضحكة عالية في مكانٍ هادئ، أتساءل:
هل تضحك الأرض فعلًا… أم أننا نحاول فقط ألا نسمع بكاءها؟
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش