كان يا ما كان في قديم الزمان، أسدان شقيقان يعيشان وحدهما في صحراء قاحلة على أطراف الغابات.

كان أحدهما شريرًا، متوحشًا، لا يعرف الرحمة، شيطانًا في هيئة أسد. أما الآخر، فكان طيبًا، مسالمًا، لا يؤذي أحدًا، نقي القلب والنية.

وذات يوم، قرّرا الرحيل معًا بحثًا عن حياة جديدة.

سارا أيامًا وليالي، يتنقلان من أرض إلى أخرى، حتى ساقتهما الأقدار إلى مشارف غابة بعيدة، كثيفة الأشجار، عامرة بالحياة.

وما إن دخلاها حتى فوجئا بجمعٍ من الحيوانات ينتظر عند الحدود، وكأنهم في استقبال وفد ملكي.

اقترب الشقيقان مستغربَين، فسألا قردًا هرمًا يتكئ على عصاه: – ما الذي يجري هنا؟ ولماذا أنتم مجتمعون؟

ردّ القرد بصوت متعب:

– لقد قررنا تغيير حاكم الغابة... قضينا شهرًا كاملًا نبحث عن من يستحق العرش، ولكننا فشلنا. اشتد الخلاف بين الحيوانات، حتى الفأر طمع في الحكم!

وفي النهاية، اتفقنا على أن نقف على أطراف الغابة، وننتظر أول غريب يدخلها... فنمنحه العرش دون نقاش.

تبادل الأسدان النظرات، لكن القرد تابع قائلًا:

– المشكلة الآن أنكما اثنان... فمن نُعيِّن منكما؟

ارتفعت الأصوات، واحتدّ النقاش بين الحيوانات. كلٌّ يشير إلى الأسد الذي يراه مناسبًا. حتى رفع الثعلب يده وقال بدهاءه المعهود:

– هل لي بالكلام؟

قالوا بصوت واحد:

– تفضل، يا من لا يُستهان بمكره.

قال الثعلب: – نقترح أن نُغمض أعيننا جميعًا، ويُحلّق الغراب عاليًا ثم يهبط فوق ظهر أحد الأسدين... ومن يقع عليه اختيار الغراب، نجعله سلطاننا.

رحّب الجميع بالفكرة، ورأوها عادلة!

طار الغراب في السماء يدور فوق رأسي الأسدين، ثم هبط فجأة، واستقر فوق ظهر الأسد الشرير.

وهكذا، نُصّب المتوحش ملكًا على الغابة.

اقترب السلطان الجديد من أخيه وقال له: – ابقَ معي... نحكم الغابة معًا.

لكن الأخ الطيب رفض بلطف، وقال: – هذا نصيبك... أما أنا فسأواصل طريقي حتى أجد رزقي كما وجدتَ أنت رزقك.

غادر الطيب، وسار في الأرض حتى استقر في غابة هادئة، تزوج هناك، وكوّن أسرة، وعاش سنوات في راحة وسلام.

وبعد زمن، اشتاق الأسد الطيب لأخيه، فقرر أن يزوره في مملكته.

سار لأيام حتى اقترب من حدود غابته، فبدأ يسأل الحيوانات التي صادفها عن حالهم، وعن ملكهم، فإذا بهم يلعنونه، ويدعون عليه بالموت، ويصفونه بالظلم والطغيان.

ازدادت حيرة الأسد الطيب، حتى دخل الغابة، وطلب مقابلة أخيه.

استُقبِل بحفاوة، وجلسا معًا على مائدة الطعام.

وبعد حديث الذكريات، سأله بصراحة: – لماذا يكرهك سكان الغابة إلى هذا الحد؟

أجابه الأسد المتوحش بهدوء:

– لأنني أُرغمهم على العمل الشاق، وأفرض عليهم الضرائب، وأغرمهم على كل خطأ... وأفترس من يعارضني.

فغضب الأخ الطيب وسأله باستنكار: – ولماذا كل هذا؟ أما كنت قادرًا على العدل؟ على الرحمة؟

فنظر إليه الملك نظرة باردة وقال: – يا أخي... لو كانوا أهل خير، لوقع الغراب على ظهرك، لا على ظهري.

ثم أكمل مبتسمًا: – أنت الطيب النقي... وأنا الظلام المتوحش، لكنهم اختاروا الظلام بأنفسهم.