كان مساءً عادياً، كل شيء مألوف: ضوء المصابيح يغمر الغرفة، همس التلفاز يتسلل من بعيد، ورائحة الفواكه تنبعث من المطبخ بهدوء.

كنتُ أرتب الصحون، وهو جالس على الأريكة يتصفّح هاتفه بنصف اهتمام.

وفجأة… انطفأ كل شيء.

غاب الضوء، سكن الصوت، وتقدّم الظلام ليأخذ مكانه، وكأنّه ضيف جاء دون موعد.

بحثتُ عن شمعة قديمة، أضاءت المكان بخفّة.. لكنّها، دون أن تدري، أضاءت نوعًا مختلفًا من الهدوء.

جلسنا معًا، في حضرة الظلام، وفي حضني رواية كنتُ قد بدأتُ قراءتها قبل أيام: ألف شمس مشرقة لخالد حسيني.

رواية لا تُقرأ فحسب، بل تُعاش.

صفحاتها تفيض بحكايات من كابول، عن نساء يكابدن الحرب والخذلان، ويجدن في الحلم خلاصًا لا يُطفئه اليأس.

كل سطر كان ينطق بما لا نقوله، ويذكّرنا أن النور ليس دائمًا فوق رؤوسنا… بل أحيانًا يسكن في قلوبنا.

همس قائلاً:"هل يمكن أن تقرئي لي قليلاً من الرواية؟"

ابتسمت، وجلستُ قربه.

صوتي بدأ يسرد، والكلمات تسير بهدوء في ممرات الغرفة، تزيّن الظلام كأنها نجوم.

ثم قال بصوت منخفض:

"انقطاع الكهرباء أحيانًا… يخلينا نشوفو أشياء ما كانتش باينة في الضوء."

توقفتُ عن القراءة وتأملتُ الصمت… لم يكن موحشًا، بل هادئًا، يشبه انتظارًا دافئًا لا استعجال فيه.

في غياب الكهرباء، لم نبحث عن النور في المصابيح،

بل وجدناه في دفء اللحظة، في الرواية التي جمعتنا، وفي صمتٍ بدا كأنه يُنصت معنا.

فهمت حينها أن النور لا يُشترى ولا يُشحن،

إنه يُولد أحيانًا من حكاية تقرأها،

من يدٍ قريبة، من سكونٍ لا يطالبك بالكلام.

وفي تلك اللحظة، لم نعد نشتكي الظلام،

لأن الرواية اشتغلت… وأنارت كل ما خبا في الزحام.

#زوبعة_حروف – نور من نوعٍ آخر