ثلاثون عاماً من الغياب

​أكتبُ إليكِ الآن وأنا أدخل عامي التاسع والثلاثين؛ ثلاثون عاماً مرّت منذ رحيلكِ، ولم أسمع خلالها صوتكِ مرة واحدة. يبدو الرقم كبيراً، لكنه لا يساوي شيئاً أمام فراغٍ استقرّ في مكانكِ ولم يتحرك، كأن الزمن في غيابكِ فقد قدرته على المداواة.

​هذه أول مرة أكتبُ لكِ فيها. لا أعرف إن كانت الرسائل تصل إلى من رحلوا، أم أننا نكتبُ فقط لنخفف ضجيج الذكريات عندما تضيق بنا الروح. كنتُ صغيراً حين مرضتِ، لكني أراكِ حتى الآن بوضوحٍ لا يليق بطفل؛ أراكِ تبكين وتتألمين، بينما نحن صغارٌ نتحرك حولكِ بلا قدرة على الفهم أو الإنقاذ. كان حضورنا آنذاك مجرد شهودٍ على تراجعٍ بطيء وقاسٍ لا يمكن إيقافه.

​رحلتِ… ولم يحدث شيء للعالم.

لم يتوقف الكون، ولم يتغير شيء في ترتيب الحياة؛ كأن غيابكِ كان تفصيلاً يمكن تجاوزه بسرعة فائقة. وهذه كانت الصدمة الأولى: أن الموت لا يترك أثراً كافياً ليبرر فداحة الفقد.

​بعدكِ بفترة قصيرة، استُبدلت الأدوار بسرعة. تزوج مَن كان يُفترض أن يبقى حارساً لذكراكِ، وتفرّقنا نحن كأشياء تبحث عن مكانٍ مؤقت. كبرنا في بيوتٍ لا تشبهنا، ننتقل من رعايةٍ إلى أخرى دون أن نشعر أن أحداً يعرفنا حقاً. كنا نكبر، لكن الطفولة لم تنتهِ؛ بل تشققت فقط لتخرج منها مخاوف أكبر.

​تعلمتُ مبكراً أن لا أحد يعوّض أحداً، نحن فقط نتعايش مع الفراغ؛ نغطيه بالأيام، بالعمل، وبالانشغال، لكنه يبقى هناك، ينتظر لحظات التعب ليطلّ برأسه من جديد. كبرتُ، وصرتُ أعمل، ثم وجدتُ نفسي واقفاً في الجهة الأخرى من الحياة؛ أساعد من كان يُفترض أن يسندني. تبادلٌ هادئ للأعباء يحدث دون إعلان، حتى تجد نفسك تحمل ما لم تكن مستعداً له.

​خُطبتُ مرة، وكأن الحياة تحاول أن تفتح لي نافذة صغيرة، لكنها أغلقتها سريعاً؛ رحلت هي الأخرى قبل أن تبدأ الحكاية، ففهمتُ أن "النجاة المشتركة" ليست خياراً متاحاً دائماً في رحلتي. ثم تزوجتُ بعد سنوات، لا أتذكر التواريخ تحديداً؛ فالتواريخ تفقد قيمتها حين تتشابه الأيام في رتابتها.

​أنجبتُ طفلة، وأعطيتها اسمكِ.. لم يكن ذلك وفاءً فحسب، بل محاولة خفية لإبقائكِ في هذا العالم. صار الناس ينادونني باسمها، وكأنني استعرتُ منكِ حضوراً صغيراً أواجه به جفاء الآخرين. ثم جاءت ابنتي الأخرى، قوية، عنيدة، ترفض أن تبقى في ظل أختها، وكأنها تدافع بطريقتها عن حقها في أن تُرى، وتذكرني بأن الحياة لا تتوقف عن ضخ القوة في عروقنا مهما انكسرنا.

​مرت السنوات؛ عملٌ، بيت، مسؤوليات، ولحظات راحة قصيرة يتلوها تعبٌ ممتد. لا شيء عظيم حدث، فقط حياة تمضي بثقلٍ عادي. حاولتُ أن أجعل من حولي أقوى مما كنا عليه، كأنني أصلح متأخراً ما لا يمكن إصلاحه. لا أريد أن تتكرر الهشاشة، ولا أن يرث أحدٌ هذا الارتباك الذي بدأ منذ ذلك المساء الذي رحلتِ فيه.

​قبل فترة حلمتُ بكِ؛ كنتِ جالسة بهدوء، مبتسمة، كما لو أنكِ نجوتِ من كل هذا العناء مبكراً. كانت ابتسامتكِ واضحة، قريبة، وحقيقية أكثر من أي ذكرى. استيقظتُ، ولم أجد شيئاً، وفهمتُ أن الحلم ليس رسالة، بل هو هدنة قصيرة تمنحها الذاكرة للغائبين؛ دقائق فقط يصبح فيها الغياب أقل قسوة، ثم يعود كل شيء إلى مكانه.

​أنتِ هناك… ونحن هنا…

والحياة مستمرة، لا لأنها مفهومة، بل لأنها ببساطة لا تعرف كيف تتوقف.