10

ذكر الموت شفاء لكثير من الأمراض

يقول المادح السوداني عبد الرحيم البرعي رحمه الله:

"أكثر لذكر الموت تلقاه طبك"

جملة قصيرة .. لكنها تختصر فلسفة كاملة في تربية النفس وعلاج أمراضها الخفية.

ذكر الموت لا يُقصد به نشر الكآبة أو الهروب من الحياة .. بل العكس تمامًا .. هو إعادة ترتيب علاقتنا بها. حين يستقر في الوعي أن كل ما نملكه مؤقت .. وأننا عابرون مهما طال المقام .. تخف حدّة التعلّق .. ويهدأ صراع السيطرة .. ويتراجع وهم التملك المطلق.

الإنسان حين ينسى الموت يتضخم داخله الإحساس بالأنا:

يشتد حرصه على المقارنة ..

يستيقظ فيه الحسد ..

يتشبث بما في يده كأنه خُلق ليبقى ..

ويظن أن السيطرة على الآخرين أو على مجريات الأمور تمنحه الأمان.

لكن ذكر الموت يعمل كمرآة صادقة:

يذكّرنا أن ما عند غيرنا ليس انتقاصًا مما عندنا ..

وأن أعمارنا أقصر من أن تُستهلك في الغيرة ..

وأن القلوب أوسع من أن تُحبس في صراعات الامتلاك.

من يذكر الموت يلين طبعه ..

يخف غضبه ..

يتواضع دون تصنّع ..

ويتعلم أن يفرح بالبساطة ..

لأنه يدرك أن النهاية واحدة مهما اختلفت البدايات والطرقات.

لهذا قال البرعي "طبك"…

لأن أمراض القلب: الحسد .. الكبر .. التعلّق المرضي .. وهم الخلود ..

لا يعالجها دواء مادي بقدر ما يعالجها وعيٌ عميق بحقيقة الفناء.

ذكر الموت ليس دعوة لترك العمل .. بل لتطهير النية فيه.

ليس دعوة لاحتقار الدنيا .. بل لوضعها في حجمها الطبيعي.

هو دواء يردّ الروح إلى اتزانها ..

ويعلّم الإنسان أن يعيش… دون أن يتوهم أنه سيبقى.

هل مرّ بكم هذا المعنى من قبل في نصٍّ آخر .. أو قولٍ .. أو تجربة شخصية؟ وأين لامسكم أكثر؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

شفاء لكثير من التشوهات النفسية، فالإيمان التام بأننا بالحياة برحلة ونهايتها معروفة يجعلنا ندرك أن هناك أمور لا تستحق، لا يستحق أن أظلم إنسان أو اهينه، لا تستحق أن أخسر نفسي لا تستحق أن أخسر وقتي مع عائلتي لا تستحق أن أنسى مبادئي.

المهم أن يكون هذا متوازنا، فمثلا لدي قريب تخرج حديثًا كل ما أحدثته لأشجعه ليطور من نفسه رده، كلنا هنموت ياابني سافر عملك مطلوب بالخارج برواتب مغرية بدلا من أن تجلس هنا دون عمل، رده لماذا أسافر وأضيع عمري بالغربة كلنا هنموت، وهكذا باستمرار، لذا مهم جدا أن نعمل بدنيانا كأننا نعيش أبدا ولآخرتنا كأننا سنموت غدا بهذا المبدأ نعيش أفضل حياة

وقد ورد في الحديث الشريف عن النبي محمد ﷺ حين قال: «أكثروا ذِكْرَ هادمِ اللذاتِ» (يعني الموت).

يُقصد بـ "هادم اللذات" الشيء الذي يقطع على الإنسان استمتاعه بملذات الدنيا ويُنهي اتصاله بها، والهدف من تذكره هو الموعظة والاستعداد للآخرة والزهد في الفاني من الأمور.

ولكن طبعا كما اسلفتي يستثنى منه أي الحديث من لديه مرض كآبة أو شعور سوداوي لدرجة اختلال التوازن النفسي والعاطفي.

احسنتي نورا ..

بالطبع التوازن مطلوب وكما ذكرت في المساهمة نفسها:

  • ذكر الموت ليس دعوة لترك العمل .. بل لتطهير النية فيه.
  • ليس دعوة لاحتقار الدنيا .. بل لوضعها في حجمها الطبيعي.

خالص التحية والتقدير

اعتقد يجب أن تخبري قريبك بالحديث النبوي الذي يدعونا فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لو قامت القيامة وفي يد أحدنا فسيلة فليغرسها.. لديه خلط بين السعي الصحي والتعلق بالدنيا ربما..

تذكر الموت يذكرنا بآخرتنا، وحين نتذكر الآخرة نتذكر (اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) فتصغر الدنيا في أعيننا ولا تتعلق قلبونا بها، وهذا مصدر الراحة والطمأنينة لأنك تشعر أن كل من سبقك في الدنيا لم يسبقك إلا بما تقرب به لله.. وقلبونا غالبا تنشغل بالنجاحات الدنيوية عند الغير. حقيقة الموت الحتمية تخفف عنها هذه الوطأة.

المهم أن يكون هذا متوازنا، فمثلا لدي قريب تخرج حديثًا كل ما أحدثته لأشجعه ليطور من نفسه رده، كلنا هنموت ياابني سافر عملك مطلوب بالخارج برواتب مغرية بدلا من أن تجلس هنا دون عمل، رده لماذا أسافر وأضيع عمري بالغربة كلنا هنموت، وهكذا باستمرار

أخشى أن يكون ذلك ناتج عن تدهور حالته النفسية بعد التخرج التي قد تصل لاكتئاب، إذا لم يكن اكتئاباً اصلا.

فقد كنت مثله بعد تخرجي بفترة ولا أرى أي فائدة مما أقوم به وأسعى له، فـ"كله رايح"، في حين أنني كنت عكس ذلك تماماً سابقاً.

بالنسبة لي أكثر شيء أثر فيّ هو شعور التواضع أمام الحياة والموت. تذكّر الفناء جعلني أقدّر اللحظات الصغيرة مع أحبتي وأقلق أقل على أمور تافهة. منذ بضع سنوات فقدت جدتي فجأة وفهمت حينها أن الوقت محدود والأهتمام بالعلاقات الحقيقية وتنمية الذات أهم. هذا الوعي أعاد لي السيطرة على مشاعري.

رحمة الله عليها، وحقاً هذا أول ما توارد على ذهني وأنا اقرأ تلك المساهمة، تذكر الموت يجعلنا رحماء أكثر، وخاصة مع أحبائنا، فالوقت المحدود الذي نعيشه إذا وضعنا الموت أمامنا تهذبت أنفسنا، وزهدت في الأشياء.

شكرًا لكِ مي على هذه المشاركة الصادقة والعميقة. مؤلم فقد الأحبة، لكن الجميل أن يتحوّل الألم إلى وعي ونضج وتقدير حقيقي للحياة وللعلاقات. يسعدني أن تجربة فقد جدتك أثمرت هذا الفهم وهذا الصفاء في النظر إلى الأمور، وأن تذكّر الفناء صار دافعًا للاهتمام بما هو جوهري لا عابر. مرورك أضاف بعدًا إنسانيًا مؤثرًا للمساهمة.

ذكر الموت لا يُقصد به نشر الكآبة أو الهروب من الحياة .. بل العكس تمامًا .. هو إعادة ترتيب علاقتنا بها. حين يستقر في الوعي أن كل ما نملكه مؤقت .. وأننا عابرون مهما طال المقام .. تخف حدّة التعلّق .. ويهدأ صراع السيطرة .. ويتراجع وهم التملك المطلق.

نعم هذا صحيح عند الغالبية العظمى ولكنه عند البعض دافع إلى عكس ما كتبت بل إلى التكالب على الحياة وماديات الحياة وفي هذا يقول الشاعر:

غدوت على اللذات منهتك الستر  ............ وأفضت بنات السر مني إلى الجهر

وهان عليَّ الناس فيما أريده  ............... بما جئت فاستغنيت عن طلب العذر

رأيت الليالي مرصدات لمُدَّتي .................... فبادرت لذاتي مبادرة الدهر

صحيح، لا شك أن لكل قاعدة شواذ، وبعض النفوس حين تواجه حقيقة الفناء لا تزهد، بل تندفع إلى نَهَمٍ أشد في اللذة كأنها تريد أن “تختطف” من العمر ما تستطيع.

وبالمناسبة، من أين جئت بهذه الأبيات؟ أول مرة تمرّ عليّ صراحة، ويبدو أنك تنقّب في دواوين نادرة 😄

أمّا من حيث المعنى، فالأبيات تصوّر فعلًا هذا الصنف من الناس: من يرى الليالي مرصِدة لأجله فيبادر لذّاته قبل أن يُبادره الدهر. لكنها في نظري لا تنقض الفكرة، بل تؤكدها من زاوية أخرى .. فهي تكشف أن وعي الموت قد ينتج مسارين:

إمّا تهذيب التعلّق وترتيب العلاقة مع الدنيا،

وإمّا الهروب إلى الإفراط فيها.

اختلاف الأثر راجع إلى طبيعة الوعي نفسه: هل يستقبل الفناء كبصيرة… أم كفزع؟

هي لأبي نواس وكما تعلمه كان زق خمر سكير يكاد لا يُفيق! هو والخيام سواء في نلك النظرة إلى فناء الحياة وقصر الأعمار فيتخذونها دليل على رجاحة عقل من يغتنم الفرصة ولا يحرم نفسه فهو يقول:

الدهر يا خيام يبرأ من فتى ....... يمسي من الأيام في أشجان

إشرب على نغمٍ زجاجة قرقف ......... قبل انكسار زجاجة الأبدان

إمّا تهذيب التعلّق وترتيب العلاقة مع الدنيا،
وإمّا الهروب إلى الإفراط فيها.
اختلاف الأثر راجع إلى طبيعة الوعي نفسه: هل يستقبل الفناء كبصيرة… أم كفزع؟

نعم أحسنت يا صديقي! الإختلاف في التعاطي مع الحياة بعد معرفة تلك الحقيقة راجع إلى طبيعة النفس وأبو العلاء المعري عرف تلك الحقيقة فجعلته يزهد في الدنيا ولذاتها ويناديها بأن دفر في أشعاره:

سيان يوم وعام في ذهابهما ........ كأن ما دام ثم انبت لم يدم

كان يجدر بي أن أعرفها ما دامت لأبي نواس… فأنا أحبه رغم كل مجونه، أو لعلني أحبه بهذا التناقض الإنساني فيه: عقل يرى الفناء بوضوح، ونفس تتأرجح بين التوبة والاندفاع.

ويُروى – كما تعلم – أنه في أواخر عمره قال أبياتًا ترجح كفة الرجاء على كفة العبث، ومنها:

يا ربِّ إن عظُمت ذنوبي كثرةً

فلقد علمتُ بأن عفوك أعظمُ

إن كان لا يرجوكَ إلا محسنٌ

فبمن يلوذُ ويستجيرُ المجرمُ؟

أدعوك ربّي كما أمرتَ تضرّعًا

فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ؟

مالي إليكَ وسيلةٌ إلا الرجا

وجميلُ عفوك ثم إنّي مسلمُ

ويُقال إن بعض الصالحين رآه في المنام بعد موته، فسأله: ما صنع الله بك؟

فقال: غفر لي بتلك الأبيات.

كأن أبا نواس – رغم خَمْره ومجونه – كان يحمل في أعماقه قلبًا يعرف باب الرجاء، وأن وعي الفناء لم يكن عنده غفلةً محضة، بل صراعًا بين بصيرة وفزع… وهو عين ما كنا نتحدث عنه.

كن بخير يا صديقي

نعم قرأتها له أم قول هذا الصالح ورؤية المنام فأنا أشك فيها كثيرًا ولكن عديها هههه ببساطة لأنها تكررت عند اكثر من شاعر ومنهم من شفع له النبي ورآه أحدهم في رؤية أيضا وما اظن هذا إلا فبركة التاريخ وكذب على الناس......

ذكر الموت ليس دعوة لترك العمل .. بل لتطهير النية فيه.

جميل.

مرورك هو الاجمل استاذي .. بوركت

طرح عميق ومؤثر فعلًا، وأجد أن هذا المعنى تكرر في تراثنا بأشكال متعددة؛ فقد روي عن عمر بن الخطاب قوله: “كفى بالموت واعظًا”، وهي عبارة تختصر الفكرة نفسها بأن استحضار النهاية يعيد ترتيب الداخل قبل الخارج. كما أن الحسن البصري كان يذكّر بأن طول الأمل يقسّي القلب، وكأن الغفلة عن الفناء تُغري الإنسان بالتشبث الزائد. أكثر ما لامسني في كلامك فكرة أن ذكر الموت لا ينتزع الإنسان من الحياة بل يحرره من وهم امتلاكها؛ يجعله يعمل بإخلاص أكبر ويخاصم أقل ويسامح أسرع، لأنه يدرك أن الوقت أثمن من أن يُستهلك في صراعات عابرة.

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم
ZARADO01 أضف ردا

شكرًا جزيلًا ليان على هذا الإثراء الجميل 🌿

استحضارك لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «كفى بالموت واعظًا» أضاء المعنى من زاوية بليغة ومختصرة بالفعل .. وكذلك تذكيرك بكلام الحسن البصري عن طول الأمل وقسوة القلب أضاف بُعدًا تربويًا مهمًا.

أعجبني جدًا اهتمامك بـ: «لا ينتزع الإنسان من الحياة بل يحرره من وهم امتلاكها»… هذه العبارة وحدها تختصر فلسفة كاملة. نعم .. ذكر الموت لا يُطفئ الحماس للحياة .. بل ينقّيه من الضجيج الزائد .. ويجعله أصدق وأهدأ.

ممتنّ لحضورك وتفاعلك العميق 🤍