14

طاقة الشباب وهمّة الكهول في عصر الدوبامين

  • HamzaSalim

أحبُّ الجلوس إلى الكبار والاصغاء لهم، أكثر رحلاتي للمستشفى لا تنتهي بأخذ التاريخ المرضي من المريض فقط، وإنّما الاستماع إلى ما يبّثنيه من تجارب حياته، خطأ يُحذّرنا منه الأستاذة في أوِّل حصّة من التدريب السريري، لكنّ أساتذتي مُعلّمون، والمرضى مُعلّمون أيضًا.

ألاحظ أحيانًا مُرافق المريض، ذلك الرجل الكبير الذي يسير بعزمة بين غُرفات التحاليل، طالبًا هذا الفحص ومُسلّمًا ورقة ذلك التحليل، يريدُ شفاء ابنه، أنتبه لهذه الأمور عادة عندما أكون قد تخلّيتُ عن تركيزي، وأريد من المُحاضرة أن تنتهي.

في هذه اللحظات، يزداد تأثير ما يفعله ذلك العجوز، الذي يسير بخطى حثيثة لاجراء تحاليل ابنه، يزداد ويعظمُ تأثير ما يفعل في نفسي، أقول لنفسي: كهل يُشارف على الستِّين، له همّة أكثر من شباب العشرين! وشاب العشرين تراه يتململ من المحاضرة لأنّها تعدَّت العاشرة صباحًا، وقد أكثر من السهر يوم أمس.

كهل عجوز نبّهني يومئذ إلى شيء، وهو أنِّي أحتاج أن أعتني بمستوى طاقتي، وأحميها من أن تتبعثر بشكل غير موزون على مدار اليوم.

لم أعد مُراهقًا، أنا رجل، وأحتاج أن أكون مُستعدًا لما تلقيه عليَّ الحياة فجأة، أكان ضيفًا عليَّ تبادل الحديث معه، أو طارئ يشقُّ على النفوس.

لا أريدُ لنفسي أن تكون مُنهكة عند العاشرة صباحًا، مُتململة من الحياة، لا يُقبس منها شغفٌ ولا ذرّة نار، مصيبة أن يبدأ شابٌ في العشرين يومه مُنهكًا!

عندما تتفحّص ذلك الكهل، قد لا يكون غريبًا أن ترى هاتفًا عاديًا، بأزرار ونغمة بيانو ترنُّ من جيبه، هاتفٌ لا يعرف منصّات التواصل ولا مقاطع الفيديو، بل لا تصله ريحُ الانترنت.

أيكون هذا السبب؟ وإلّا فما يكون الفرق؟ لا أظنٌّ طعامه أفضل منِّي، ولا فقراته أشدَّ وأصلَب، ولا أظنّه قد نامَ ليلته مثلي، هو خشية على ولده، وأنا غرِقًا في بحر الدوبامين.

وقد يكون همُّه على ابنه، وشعوره بأنّه المُعيل، قد بعث فيه طاقةً، وهذا صحيح فعلًا، لكنِّي كنتُ بمثل هذه المواقف سابقًا، وكنتُ مُعيلًا وقد أعلتُ من كان بذمَّتي، لكن لا أظنُّ أن خطوي كان أسرعَ منه، ولا همِّتي تقاربُ همّته، ولا أظنّه كان يرتشفُ جُرعات من هاتفه المحمول في كلِّ لحظة يسمحُ بها الموقف، ولا أظنُّ أنّ استراحات الخمس دقائق عنده تطولُ لنصف ساعة بسبب ما يجده من خبر ينبثق من هاتفه.

الهاتف، الانترنت، التواصل الاجتماعي والدوبامين. هذا هو الفرق بيني وبين الشيخ. أتخيَّل أنِّي لو لم أنظِّم استخدامي لهذه الأدوات، سأكون بعمر يطلبُ منِّي ولدي خروجًا إلى مكانٍ وفُسحة، وبدلًا من أن أقولَ له" هيّا! إليها!" سأقول له: "ليس اليوم، لستُ بمزاج جيّد" ثمَّ أعود لتصفِّح خبر المفاوضات الروسية الأوكرانية، إيه نعم لن تنتهي مشاكلهم حتّى ذلك الحين!

كلّنا نعرف أنَّ ما يقوله دجّال التنمية البشرية، بخصوص أنّك تستخدم 10% من دماغك، هو هراء محض، لكنِّي أظنُّ أنَّ ما يقوله صحيح، إن أضاف إلى فكرته بعضَ التفخيم والترخيم. فلو شغلتك أنهار الدوبامين الآسنة، لن يبقَ في عقلك مُتسعًا لغيرها من الأمور المُملة، ولم أعهد الحياةَ تتفتَّح على من يُراهن في تقدّمه ونموّه على الأمور المُمتعة فقط!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مصيبة أن يبدأ شابٌ في العشرين يومه مُنهكًا!

أتدري ان هناك دراسة أجرتها جمعية علم النفس الأمريكية أشارت فيها إلى أن جيل الألفية هم الجيل الأكثر توترًا على الإطلاق! وفسروا أن الكثير من هذا التوتر ناتج عن القلق وفقدان النوم، وأن هذا يثبط من عزيمتهم كثيرًا.

وأعتقد أنه هناك سبب أخر، فالكثير منا غارق في المعلومات، سواء كان ذلك مواكبة دورة الأخبار الكئيبة التي لا تنتهي أو التنقل إلى ما لا نهاية في وسائل التواصل الاجتماعي ومقارنة أنفسنا بالأخرين باستمرار. فكل هذا يعد حمل زائد على نفوسنا وأدمغتنا التي تكافح يوميًا لمواكبة متطلبات الحياة. وأعتقد أيضا، أن الكثير من شباب هذا الجيل أصبح لديهم هاجس بشأن أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية، وإن لم يكن بشأن الحالة العامة للعالم كله، وهذا بالتأكيد يزيد من معدلات التوتر والقلق لدينا.

صحيح يا اية ان جيل الالفية اكثر توترا، ولا اعتقد ان الاسباب المتعددة المذكورة تفسر ذلك ولن تأتي تظاهي ظروف المعيشة بين الماضي والحاضر، اطفال اليوم بفعل ادمانهم القوي على الالعاب بإمكانه ان يخلق توترا وغضبا لهم يرافقهم طيلة حياتهم، احيانا ألوم الاوياء واحيانا المدرسة كونها لا تقوم بدورها في التوعية، ولكن عندما انظر للواقع اليوم..فمن لا يحسن التعامل مع التكنولوجيا فهو جاهل، من نلوم و من يتحمل المسؤولية ..؟

فمن لا يحسن التعامل مع التكنولوجيا فهو جاهل، من نلوم و من يتحمل المسؤولية ..؟

أتفق معكِ يا عفيفة، ولكن كل شيء قد يكون سلاح ذو حدين لو أسأنا استخدامه، وهذا ما يحدث مع التكنولوجيا اليوم. فبالنسبة لجيلنا (جيل الألفية) فمخاطرها عادة تتشكل في إدمان مواقع التواصل الإجتماعي وتضييع الوقت، بل وربما قد يصل الأمر للإكتئاب بسبب ما نتابعه من أخبار ومصائب كل يوم وشعورنا بالخزي عندما نشاهد انجازات الاخرين، وهناك تقارير تشير أن معدلات الإكتئاب في زيادة غير طبيعية وهناك ربط كبير بينها وبين السوشيال ميديا. ولكن لو تكلمنا عن الجيل القادم من الأطفال، فبرأيي الأمر وصل لمستويات كارثية معهم، فالأطباء يحذرون حاليًا من الزيادة في معدلات التوحد في الأطفال بسبب مشاهدة فيديوهات اليوتيوب طيلة اليوم، فهنا نلوم الأهل بالتأكيد، لأنهم يريحون بالهم عادة بإعطاء الأطفال «تابلت» خاص بهم يشاهدون من خلالة الفيديوهات طول اليوم لكي تقل احتياجاتهم ولا يبكون ويزعجونهم، وهذه ظاهرة رأيتها كثيرًا للأسف. وبالنسبة للألعاب الإلكترونية فهي سبب لانتشار العنف في المدارس بكثرة في الأونة الاخيرة، بل وصل الأمر بالطلاب لارتكاب جرائم قتل لكي يعيشوا تجربة حقيقية.

أتدري ان هناك دراسة أجرتها جمعية علم النفس الأمريكية أشارت فيها إلى أن جيل الألفية هم الجيل الأكثر توترًا على الإطلاق! وفسروا أن الكثير من هذا التوتر ناتج عن القلق وفقدان النوم، وأن هذا يثبط من عزيمتهم كثيرًا.

هم الجيل الأكثر هشاشة نفسية أيضا بسبب ما يحدث من تعلقهم بالميديا ومواقع التواصل الاجتماعي لدرجة تجدين فتاة تفكر في إجراء عمليات تجميل نتيجة تعليقات سخيفة.

فكل هذا يعد حمل زائد على نفوسنا وأدمغتنا التي تكافح يوميًا لمواكبة متطلبات الحياة. وأعتقد أيضا، أن الكثير من شباب هذا الجيل أصبح لديهم هاجس بشأن أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية

كل ذلك يدفع هؤلاء الفئة إلى الجحيم أكثر وأكثر مع كل نقرة ومع كل إشعار، يعذبون أنفسهم دون علم ...

عندما نتمعن في حياتنا بالفعل أمر محزن..

بالضبط آية، بالضبط 👌

أعتقد أيضا، أن الكثير من شباب هذا الجيل أصبح لديهم هاجس بشأن أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية، وإن لم يكن بشأن الحالة العامة للعالم كله، وهذا بالتأكيد يزيد من معدلات التوتر والقلق لدينا.

ولكن ألا ترين اية، أنه من المفترض أن الأجيال السابقة هي من تخشى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بالماضي الفقر كان مستشري كا السرطان في المجتماعات، الثأر والمشاكل القبلية أيضًا كانت حاضرة بقوة، ولكن رغم كل ذلك كانت جيل الأمس قوي الهمة لا تؤثر عليه أي عاصفة غر متوقعوة. اليوم الأمر مختلف بشكل كلي تمامًا. الشكوى على الأوضاع الصحية، النفسية، الاجتماعية والاقتصادية هي الحاضرة!

ملاحظتك حمزة بمحلها، وألاحظها مع الكبار من حولي حفظهم الله، كلهم أكثر منا همة وقوة وقدرة على التحمل، ولكن عندما فكرت بالامر حينها أرجعتها لنمط الغذاء، وكيف كانت الحياة وقتها خالية من الوجبات السريعة والأطعمة المصنعة، بجانب أن الفواكه والخضروات كانت عضوية بشكل كبير، بجانب اهتمامهم وحرصهم على بعض العادات اليومية مثل التعرض اليومي للشمس في فترة الصباح لتعزيز تكوين فيتامين د وكما تعلم له دور مهم جدا بالصحة النفسية وبالهمة والنشاط تحديدا.

أيضا تحفيز الدوبامين ليس مقتصرا علينا جيل الإنترنت، يمكن لأي شخص يعتاد على أمر معين يسبب له النشوة أن يحفز إفراز الدوبامين، وأتحدث هنا على الكل وليس الرجل الذي يجلس مع ابنه بالمشفى يجمع كل قواه ليحارب من أجله.

shathabarhoush97 أضف ردا
مصيبة أن يبدأ شابٌ في العشرين يومه مُنهكًا!

مع الأسف أن هذا الكلام صحيح في يومنا الحالي , وكثير من الشباب يصابون بالتوتر والقلق من المستقبل والتفكير في الوضع المالي وأعباء الحياة بلا شك أن زماننا غير زمان كبار السن وأن ما عاشوه يختلف عن ما عشناه هم لديهم (هداة بال )كما يسمونها أما نحن اليوم يرهقنا صراع الاانترنت والتقليد الأعمى والبذخ الكثير ونرغب أن نكون مثل فلان ونتعب إن لم نحصل على ما نريد

أعباء الحياة وتغيرتاتها هي سبب سبب أخر طبيعة التربية والمجتمع الذي نعيش فيه , لعل القادم أفضل

كلنا نأمل يا شذا ان يكون العالم افضل في الايام القادمة ولكن كيف؟ كل المؤشرات تشير الى وضع مأزم اكثر واكثر ...، كيف لنا ان نحلم بعالم افضل وازمة كورنا بمخلفاتها وموت اقاربنا قد اثر علينا كثيرا، كيف لنا ان نحلم..، لا اعلم املي كله في غذا افضل بحول الله..

قد يكون دجال التنمية البشرية على صواب مجازًا، مع أنها حقيقة علمية ثابتة أن الدماغ كامل بكل خلاياه فعال ويعمل ولكل جزء وظائفه الخاصة، ولكن الضغوطات التي تصنعها السوشال ميديا وكمية المدخلات الكبيرة التي يستقبلها الدماغ يوميًا تفوق حاجته ليحافظ على لياقته، وتتحول لضغط ومشتتات، فلا يعود يملك إلا جزء بسيط من تركيز دماغه ليستعمله في مهامه اليومية.

أعتقد أن الكهول اليوم يحافظون على قدر جيد من الطاقة واللياقة الذهنية لبعدهم عن المشتات وبنفس الوقت اختلاطهم بعالم متفوح على بعضه بفعل العولمة

ممتاز فعلا وحقيقة واقعية ويبدوا أننا جئنا فى عصر الإدمان بكافة أنواعه

دعني أولاً أثني على لغتك يا حمزة، مفرداتك قوّية جداً.. ومصطلحاتك ملفتة بقوّة.

وثانياً دعني أبدي إعجابي بتلك الانسيابية وذلك النمط الجميل الذي يجمع الأدب بالانتقاد بالتوجيه بالرسالة!!، إنه أمر مثير حقاً.

وثالثاً بالتركيب اللغوي واللفظي والانخراط بالنصّ وجعله ينطق ملامحاً كـ لوحة!!

كلّ ذلك كان ملفتاً جداً، ولا يمكن تجاهله وإنكار أنه زاد النصّ جاذبية، واستطاع أن يتفرّد بالمساهمة رغم أنها لم تكن الأولى التي تنتقد ذات موضوع ما كتبتَ فيه.

صديقي، اسمح لي الآن أن أخذ جانباً صغيراً كشخص جعله التعامل مع الأطباء يكفر بإنسانية بعضهم.. فطالما أنك طالب تدرس الطبّ أرجوك أن لا تلتفت لعزم ذلك العجوز وقوّته على مزاحمة الشباب للحصول على بعض التحاليل أو الفحوصات لأجل ابنه وتتساءل بينك وذاتك عن أسباب تلك القوة.. اسمح لي أن أرجوك أن لا يكون ذلك ما يلفت نظرك وحده، بل أن تضع فيه اعتباراً أن هذا العجوز وغيره الكثيرين ممن تراقبهم وأنت تتدرب يحملون قلوبهم بين أيديهم وفي أرواحهم خوف وقلق من النتائج، ولسان حالهم طيلة جريهم وهرولتهم لا يكف الدعاء للربّ أن لا يفجعهم بأحبائهم.. يهرولون لا يرون أمامهم إلا خوفهم من النتيجة.

لماذا أرجوك ذلك؟ لأنني منذ تعاملت مع الكادر الطبي في المستشفيات حيث كنّا نأخذ أبي إليهم كان يؤلمني جداً افتقارهم لمشاعر الإنسانية، وكأنهم من عدد ما تعاملوا فيه مع الحالات الميئوس منها والجثث الملقاة أضاعوا مشاعرهم كـ بشر، فكانوا أقسى من جلاد، وأظلم من متجبّر، وأكثر اهتماماً بالربح من تاجر.

والآن، لنعد للمساهمة.. لا تقلق صديقي.. فحين تصبح بعمر ذلك الكهل أو العجوز ستدرك حقيقة أن العالم ليس بالأخبار الخارجية بل إنه قابع في عقر دارك، بين أهلك وأحبابك.. حين تصبح بعمر الخوف ستجد أنّ أخبار العالم، وتطورات التكنولوجيا، ونهاية العالم، آخر ما يمكنك التفكير فيه..

شكرًا ايناس على أولًا وثانيًا وثالثًا ❤️

صراحة أخشى من الكتابة بهذا الأسلوب في كثير من الأحيان لأنِّي أظنُّ أن الموضوع يتعقَّد على القارئ، يعني لي الكثير ما قلتيه :)

لماذا أرجوك ذلك؟ لأنني منذ تعاملت مع الكادر الطبي في المستشفيات حيث كنّا نأخذ أبي إليهم

أتمنّى أوّلًا السلامة لأبيك وأن يكون قد خرج من تلك المحنة بعافية.

صحيح، هناك أطبّاء بمثل هذه القلوب القاسية، أتمنّى أن لا تجعلني المناظر المألوفة، وتكرار الحالات المرضية، بمثل تلك القسوة.

فحين تصبح بعمر ذلك الكهل أو العجوز ستدرك حقيقة أن العالم ليس بالأخبار الخارجية بل إنه قابع في عقر دارك، بين أهلك وأحبابك

اف! يبشّرك الله بالخير، شكرًا على تعليقك المُبهج :)

كهل عجوز نبّهني يومئذ إلى شيء، وهو أنِّي أحتاج أن أعتني بمستوى طاقتي، وأحميها من أن تتبعثر بشكل غير موزون على مدار اليوم.

جرعات الدوبامين وكيمياء المخ المضللة، التي تجعلنا نشعر بنشوة الإنجاز والانشغال والانتاجية ونحن في الحقيقة نصرف تركيزنا وجهدنا وطاقتنا هنا وهناك على أعتاب يوتيوب، وبوابات انستجرام...

هناك أيضا أمر آخر يا حمزة وهو المشاعر، التي باتت مواقع التواصل وحتى الاعلام والأفلام والإعلانات تستغلها لصالحها، فأصبحنا نضحك ونحزن ونبكي ثم نفرح ونتحمس ثم نفقد الأمل في ذات اللحظة.

والتي أشار إليها الفيلسوف الفرنسي ميشيل لاكروا في كتابه عبادة المشاعر، وهذاأكثر شيء يستنزفنا من حيث لا يدري.

والأمر الآخر هو النوم فالأجداد لديهم ساعة بيولوجية منتظمة، ينامون بعد العشاء ويستيقظون فجرا ويحتفظون بطاقتهم اليوم.