بكل عام يختار قاموس أكسفورد كلمة تعكس التحولات المجتمعية، والكلمة المختارة كانت تعفن الدماغ والتي تعني تآكل وانخفاض بقدراتنا العقلية الناتجة عن استهلاك فيديوهات قصيرة وغالبا معلومات سطحية، فبعد أن كنا نقرأ كتاب بعدة أيام أصبحنا لا نتمكن من إكمال بضع صفحات باليوم لأننا تعودنا على الاستهلاك السريع، حتى بالتعلم والدورات، لذا سؤالي كيف نستعيد توازننا؟
تعفن الدماغ brain rot: كيف يمكننا استعادة توازننا؟
لا داعي للقلق! قدراتنا العقلية لا تتآكل وتنخفض بسبب مشاهدة الفيديوهات القصيرة, يحدث نقص الانتباه وضعف بالذاكرة عند إدمان مشاهدة الفيديوهات القصيرة وهذا بالعادة يحدث للأطفال والمراهقين, البالغون بالعادة لا ينبهرون بمحتويات الفيديوهات القصيرة ويدمنون عليها كالأطفال, وعلى أي فإن ما يحدث للدماغ عند إدمان الفيديوهات القصيرة يحدث عند إدمان سلوكات أخرى كألعاب الفيديو مثلا....الإدمان بشكل عام سيء.
أما كيف يستعيد المدمن على سلوك ما توازنه, فعن طريق الابتعاد عن سلوكه الادماني, ويجب على الآباء أن يكونوا أكثر مسؤولية اتجاه أبنائهم فيما يخص هذا الجانب وليس السماح لهم بقضاء ساعات أمام هواتفهم بحجة أنه لا يمكن منعهم وكل الأطفال هكذا...وبقية الحجج اللامسؤولة.
يعني استهلاك هذا النوع من المحتوى بشكل مستمر ألن يجعلنا غير قادرين على الانغماس في محتوى عميق؟ والوصول لمرحلة الانتباه العميق لفترة طويلة تصل لأكثر من ساعة.
أما كيف يستعيد المدمن على سلوك ما توازنه, فعن طريق الابتعاد عن سلوكه الادماني, وي
بالتأكيد لن تصل لمرحلة الإدمان ولكن سؤالي عن التشتت وعدم التركيز في المحتوى العميق
وكيف سينقص الإنتباه بدون إدمان؟
عندما يقوم المرء بسلوك ممتع يفرز الدماغ ناقلات عصبية على سبيل المثال الدوبامين (الذي يعرفه الجميع) تبعث الشعور المؤقت والفوري بالنشوة والسرور, متابعة الفيديوهات واحدة تلو الأخرى (إن كانت تمتع الشخص) تؤدي إلى تحفيز متكرر لنظام المكافأة في الدماغ. مع مرور الأيام والأسابيع والشهور, سيصبح من الصعب التركيز على المهام التي لا تتضمن مكافآت فورية أو شعورا بالمتعة. ليس بالضرورة أن يكون حال المدمن على الفيديوهات كحال مدمن المخدرات جالس أمام الشاشة بالساعات, بل يمكن لأي إنسان أن يكون مدمنا على سلوك ما وهو لا يدري, مثلا قد ينقص انتباه الشخص حتى بانغماسه في ردود مجتمع حسوب بشكل متكرر, أو أي موقع تواصل اجتماعي آخر, سيفرز دماغه الناقلات العصبية التي تشعره بالنشوة مع كل إشعار توصل برسالة أو لايك أو رد بمواقع التواصل....المسألة ليست حكرا على الفيديوهات القصيرة! يتم التركيز على أثر الفيديوهات القصيرة بالعديد من الدراسات لأن هذا أكثر ما يستهلكه الأطفال حول العالم.
وكملاحظة: يتحسن التركيز بالتوقف عن السلوك الادماني.
للأسف المعلومات السريعة على الإنترنت تشتتنا وتجعلنا نفقد قدرتنا على التركيز. لكن الحل ليس في العودة إلى الماضي, بل في تطوير أساليب تدمج بين التحفيز الرقمي والقدرة على التركيز العميق. يمكننا استخدام تقنيات جديدة لتعزيز التعلم العميق، مثل تطبيقات القراءة المركزة.
الحل الأساسي برأيي تقليص استهلاك المحتوى السريع قدر الإمكان، مع استبدالها بعادات تحفز أدمغتنا مثل القراءة باستمرار وبمجالات مختلفة تحفز التفكير وتدعونا للتركيز من أجل الفهم، وأحيانا أجد ببعض الألعاب مثل الشطرنج وسيلة لتنشيط العقل
ألعب سودوكو هل تعرفها؟ أجدها فعالة وأحيانا الكلمات المتقاطعة، الشطرنج كنت ألعبي متذ زمن ولكن لم أعد أجد أحد ليلعب معي وكأن الكل تغيرت اهتماماتهم
كأي تعفن يحدث نحن بحاجة لتنظيف كامل ومعرفة أسباب التعفن حتى لا يحدث مرة أخرى، بصراحة تحيتي لمن اختار هذا التركيب تعفن الدماغ فهو بليغ كفاية ليصف حالة التدني والتدهور التي وصلنا لها.
أرى أن تعفن الدماغ يمكن علاجه إذا عرفنا وتحكمنا بما نتفاعل معه ونتلقاه من معلومات أو بيانات، بذلك نحن نعرف كيف ندخل للدماغ معلومات قيمة وكيف نتحكم ونمنع أي تأثير سلبي ونحصر أسباب العفن هل من المحتوى أم بسبب التأثر بالبيئة أم يتعلق الأمر بطريقة معالجتنا للأمور هنا معرفة السبب تتيح لنا ميزة المنع وتجنب حدوث التعفن مرة أخرى
أرى أن تعفن الدماغ يمكن علاجه إذا عرفنا وتحكمنا بما نتفاعل معه ونتلقاه من معلومات أو بيانات،
موضوع التحكم هذا صعب التنفيذ، خاصة عندما تكون الموارد متاحة أمامك، فمثلا نحن نجلس أمام الهاتف نتنقل بين الفيديوهات من واحد لآخر وكأنها سبحة وحبتها فرطت لا نستيطع توقفها، أحيانا أفكر في حذف وسائل التواصل كوسيلة للتحكم، لكن كما تعلم الوقت الحالي يفرض علينا التواجد من أجل التسويق وخلق علامة شخصية لأنفسنا.
الموضوع فعلاً مهم لأنه يعكس مشكلة العصر الحالي، وهي تراجع قدرتنا على التركيز والتفكير العميق نتيجة استهلاكنا اليومي للمحتوى السريع. هذا الأمر لا يؤثر فقط على قدرتنا على التركيز، بل يمتد ليؤثر على قدرتنا على التعلم والتطور بشكل عام
لذا سؤالي كيف نستعيد توازننا؟
استعادة التوازن تتطلب بعض الوقت والصبر. البداية يمكن أن تكون بتخصيص أوقات معينة للقراءة أو التفاعل مع محتوى طويل، مثل الكتب أو مقاطع الفيديو التعليمية، بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعي. من المهم أيضا أن نمارس التوقف عن التصفح العشوائي ونخصص وقتاً للاسترخاء والتركيز على أنشطة ذهنية، مثل الكتابة أو حل الألغاز
يمكننا بناء عادات جديدة تدريجياً، مثلاً قراءة ١٠ صفحات أو مشاهدة فيديو تعليمي لمدة ربع ساعة، قد يساعد على تحفيزنا للتركيز بشكل أكبر وجعل العملية أكثر سلاسة
ربما تكون التكنولوجيا قد أثرت على عاداتنا اليومية، لكن القراءة تظل واحدة من أعظم الوسائل التي تمدنا بالمعرفة وتُعمّق وعينا. بالنسبة لي، عندما أقرأ كتابًا، أشعر أنني أنفصل عن ضوضاء العالم الخارجي. أتذكر مرة كنت أمر بفترة من التشتت بسبب الاستخدام المفرط للهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، وقررت أن أخصص وقتًا يوميًا لقراءة كتاب كنت أؤجله منذ فترة طويلة. في البداية كان الأمر صعبًا، شعرت أنني أفقد التركيز بسهولة، لكن مع الوقت، أصبحت أُلاحظ أن القراءة لم تساعدني فقط على تحسين تركيزي، بل جعلتني أكثر هدوءًا وأقدر على التفكير بعمق.
القراءة ليست مجرد نشاط، بل هي وسيلة لاستعادة اتصالنا مع أنفسنا ومعرفة العالم بشكل أعمق. مثلًا، عندما أقرأ رواية، أجد نفسي أعيش مع الشخصيات وأستكشف عوالم لم أكن لأعرفها بطريقة أخرى. وعندما أقرأ في مجال معين أحبّه، أجد أفكاري تتوسع وأفق رؤيتي يزداد.
فهل يُمكن أن تكون القراءة هي المفتاح لاستعادة التوازن في عالمنا المزدحم بالمشتتات؟ وكيف يمكننا أن نعيد بناء علاقتنا معها في عصر السرعة؟
يمكن استعادة التوازن بعملية دائمة اليقظة وهي اختيار المحتوى الذي نشاهده على وسائل التواصل، فلا يمكننا بأي حال الانقطاع التام عن وسائل التواصل حالياً، فهي عليها كل مستجدات الحياة الجادة والمهمة على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية.
لكن يمكننا اختيار ما نفعله أثناء وجودنا على وسائل التواصل، وتحديده بقدر الإمكان بأشياء هامة، وإلى جانب ذلك نهتم بتمضية أوقات مفيدة خارجها: في القراءة، والعمل الجاد، والتفاعل الاجتماعي الواقعي.
التعليقات