المواقف والتجارب المؤلمة لا تقوينا

لطالما تغنّى البعض بمقولة أن ما لا يقتلنا يقوينا وأنّ التجارب المؤلمة التي نعيشها هي من تقوينا وتصقلنا وتشد من ظهرنا، قد يبدو هذا من باب المواساة والدعم الغير متوازن من وجهة نظري، ولكن ماذا إن تعرضت لمشكلة هزت ثقتك بنفسك، أثرت على قوتك العقلية واغتالت روحك و فتكت بعزيمتك! هل ستتتفوه وتقول بأنك قادرٌ على النهوض مرة أخرى، إن كنت ستقول ذلك، فأنت هنا لم تمر بمشاكل مؤلمة حقًا!

فقدان شخص عزيز علينا، تجربة الفشل الاكاديمي، معايشة حروب تقشعر لها الأبدان، خسارة وظيفة يعتاش بها الشخص، الانفصال عن شريك الحياة، كلها تجارب مؤلمة، ربما نسبة قليلة جدًا قد تنهض على قدميها مرة أخرى ولكن لن تعود قوية مثلما كانت في السابق، فكيف تقوينا إذًا!

عندما تم إجراء دراسة من قبل جامعة جامعة تكساس على أكثر من 1.200 ناجٍ من تغيرات المناخ على مدى عقدين من الزمن، كانت النتائج غير متوقعة بل صادمة وهي أن القدرات العقلية لهؤلاء الناجين قد تتضاءلت بعد هذه الكوارث علاوة على ذلك مثل أفقدتهم توازنهم العاطفي.

لكن الشيء المخيف هنا، أنّ مثل هذه المواقف والتجارب الغير سارة و المؤلمة قد تخلق لدى صاحبها ظاهرة "العجز المكتسب أو المتعلم" Learned helplessness، والتي اكتشفها عالمي النفس مارتن سيليجمان وستيفن ماير عندما وجدوا  أن أولئك الذين عانوا من الاكتئاب في الماضي هم كانوا أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب مستقبلاً.

يقصد بهذه الظاهرة هو  أننا نتخلى عن المحاولة وندرك تمامًا بأننا لا حاجة ولا قوة لنا.  لكن ألم يعترينا مثل هذا الشعور في لحظة ما! 

إن فكرة الخروج من المواقف المؤلمة لن تخرجنا أقوياء لا صحيًا ولا نفسيًا، بل سنحتاج إلى مزيد من الوقت للتعافي وربما يصل إلى طلب مساعدة نفسية، ليس بغرض أن نعود أقوياء وإنما نحاول قدر المستطاع ألا ألا نستسلم لمعاناتنا وأن نجد معنى في حياتنا بدلاة من شعور اللامبالاة والتسويف وخلافه.

​وأنت..هل حقًا بأنّ ما لا يقتلنا يقوينا؟ هل مررت بموقف مؤلم وخرجت منه بقوة؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

تمامًا كما أشارت @Nourhabanjar12 ، فكرة وجود هذه الظاهرة لا تثبت أنها مصير محتوم. ومن جهة أخرى، أرغب في التنويه عن إحدى أبرز التفاصيل فيما يخص ذلك، وهي فكرة طبيعة المستقبِل نفسه، حيث أن طريقة التلقّي التي نسلكها أمام هذه الأزمات هي التي تحتّم علينا مستقبلنا معها، وقدرتنا على تخطّيها واكتسابنا مناعة التجربة منها، أو انهيارنا إلى الأبد وامتزاجنا بدور الضحية إلى درجة لا يمكن فيها الفصل.

بالظبط، فيوجد أيضا نظرية التفاؤل المكتسب، وهي المقابل للعجز المكتسب، ووضعها العالم نفسه، ويشير فيها حول كيفية تغيير سلوكياتنا للأفضل من خلال التعرف على حديثنا السلبي مع أنفسنا وتحديده. وأصلا مارتن سليجمان هو مؤسس علم النفس الإيجابي الذي يتمحور حول كيفية دفع الإنسان لبناء صفات إيجابية وإصلاح أسوء الصفات فيه. فمع أنه وضع النظرية، إلا أنه وضع عكسها أيضا ولم يحتم أنها القاعدة التي لا مهرب منها.

هي فكرة طبيعة المستقبِل نفسه، حيث أن طريقة التلقّي التي نسلكها أمام هذه الأزمات هي التي تحتّم علينا مستقبلنا معها، وقدرتنا على تخطّيها واكتسابنا مناعة التجربة منها،

طريقة التلقي قد تختلف من شخص لأخر، أيضًا إدارة التجارب هي الأخرى قد تختلف من شخص لأخر ولكن لا يمكننا أن نقول بأننا خرجنا من هذه المواقف أكثر قوة! لأن نفسية الشخصية ستتأثر بشكل سلبي، علاوة على ذلك الصدمة لن تؤثر نفسيا فقط بل جسديًا، فمثلا الصدمة هي السبب الخفي لمعظم الأمراض كونها مرتبطة بثمانية من الأسباب العشرة الرئيسية للوفاة ، كالرئة والسرطان، والقلب و السكتة الدماغية و حتى الانتحار.

شاب في مدينتي عمره 26 سنة قبل البارحة توفي على اثر جلطة دماغية. الجلطة حدثت نتيجة موقف صادم مر به وبالتالي ضغط الدم ارتفع لديه وأصيب بالجلطة في الدماغي وتوفي بعد مكوثه أيام قليلة في المشفى

لا يمكن أن ننكر وجود هذه الظاهرة، ولكن هذا لا يعني أنها مصير محتوم بعد التجارب الصعبة، فيوجد مقال مهم جدا بعنوان "التدريب، العجز المتعلم، والدماغ المقاوم للضغط"، يناقش من خلال دراسات كيف تم منع سلوكيات العجز المتعلم في الفئران من خلال تمارين واستراتيجيات معينة. فلذلك من الأصح أن نعتبر أن الشخص الذي يميل بطبعه إلى الاستسلام ولا يملك إرادة كافيا لفعل شيئ حيال ما يحدث له هو الذي يتعرض أكثر للعجز المكتسب.

فإن تأملنا في حياةة كثر من الناجحين والأثرياء، مثل علي بابا، نجد أن نجاحهم سبقه سنوات طويلة من الصعوبات واليأس الذين يقولون أنها جعلت منهم ما هم عليهم. فمقولة "ما لا يقتلك يقويك، ليست من محض الخيال أبدا"، بل هي في واقع نشهده أمامنا للكثيرين.

فلذلك من الأصح أن نعتبر أن الشخص الذي يميل بطبعه إلى الاستسلام ولا يملك إرادة كافيا لفعل شيئ حيال ما يحدث له هو الذي يتعرض أكثر للعجز المكتسب.

ولكن ماذا ان كانت الصدمة قوية جدا وربما كانت قوية للتغيير الإيجابي.

فإن تأملنا في حياةة كثر من الناجحين والأثرياء، مثل علي بابا، نجد أن نجاحهم سبقه سنوات طويلة من الصعوبات واليأس الذين يقولون أنها جعلت منهم ما هم عليهم

ولكن في المقابل هنالك من قتلته التجارب الصعبة، فمثلا  إرنست همنغواي، ألم يستسلم للاكتئاب و  فينسنت فان جوخ

بالإضافة إلى الكاتب الايطالي  اميليو سلغاري!

نعم بغض النظر عن قوة الصدمة، الشخص هو من يقرر إن كان سيتغير للأفضل بعدها أو للأسوء. فالنأخذ مثلا صدمة الخيانة عند المرأة، نلاحظ أن بعض النساء بعد أن تتعرض للخيانة تصبح أكثر عزيمة على تحسين حياتها وتحقق نجاحات وتصبح أفضل على كل الأصعدة، بينما نساء أخريات يستسلمن ويصبحن متشاءمات وكئيبات وقد تتأثر حياتهن المهنية. فالصدمة الواحدة يتم التعامل معها بشكل مختلف بناء على الشخص، أي يمكننا القول أن الإنسان هو من يضفي معنى إيجابي أو سلبي على الحدث، ولكن هذه المرحلة تتطلب الكثير من الوعي للوصول لها.

حتى وإن كانت هذه الشخصيات شخصيات عظيمة في مجالها، ولكن هذا لا يعني أبدا أنها كانت تتصرف وتتعامل مع مشاكلها بشكل صحيح. فالأصح القول هو أن هذه الشخصيات تركت تجاربها الصعبة تقتلها. وأنا لا أقول أن التغلب على الصعاب سهل، ولكن الهلاك من التجارب الصعبة ليس القاعدة المحتومة أبدا.

​وأنت..هل حقًا بأنّ ما لا يقتلنا يقوينا؟ هل مررت بموقف مؤلم وخرجت منه بقوة؟

الحياة أكبر مني ومنك ومن أي شخص متألم وهي أسرع من الوقت الذي نحتاجه لتضميد جروحنا.. المشكلة أننا حديثًا أصبحنا نضعف الإنسان ونبث فيه ما يجعل شخصيته هشة!

أستغرب كيف كان أسامة بن زيد أو محمد بن القاسم الثقفي وغيرهم من الأسماء التي قادت جيوش المسلمين رغم صغر سنها واليوم نجد رجلاً لا يقود نفسه وامرأة تبكي لفراق الرجل الذي أحبته وطفل يبكي لتنمر أحدهم عليه كم هذا مؤسف! هل مثل هذه الشخصيات يستطيع أن يتعامل مع أزمة مثل طارق بن زياد أم أنه سيعود ومعه أذيال الخيبة ؟!

لم لا نتعامل مع المواقف ببساطة فمن يريد البقاء فليبقى ومن يريد الرحيل فليرحل ومن يود التنمر فليتنمر لم لا؟ نحن نصنع أجيال هشة أكثر من قطعة ويفر سهلة الكسر بل والتفتيت.

لا يمكن أن نقارن عامة البشر اليوم بهذه الشخصيات العظيمة، فهل كانت أمتهم جمعاء كما هم؟ وهل أمتنا تخلو من شخصيات عظيمة قد لا تكون مشهورة أبدا؟ فليس الجميع بهذه الهشاشة أبدا، بل نجد كثير من النساء الجبارات اللواتي يتحملن مسؤولية عائلة بأكملها، ونجد أطفالا يعملون ويعيلون علئلاتهم، ونجد رجالا يعملون عدة وظائف في آن واحد، والأمثلة كثيرة. وبكاء أي شخص بسبب تنمر أو فراق لا يعني بأنه هش، فأعظم الشخصيات على مر الزمان كانت تبكي، ولكن هل تستمر في البكاء أم تعود وتبني نفسها بشكل أفضل؟ هذا ما يصنع شخصية عظيمة.

لا يمكن أن نقارن عامة البشر اليوم بهذه الشخصيات العظيمة

أنا ضد المقارنة بين الأشخاص ولكني أقارن الحالة، فهل تعتقدين أن هذه الشخصيات ولدت عظيمة عن طريقة الصدفة ؟! أم أن الحالة والبيئة السائدة هي التي صنعتها؟

في الماضي القريب كنا نعنف من المعلمات والمعلمين ونعامل بقسوة مقارنة بالأيام هذه ومع هذا أجد أن الجيل الماضي أقوى بكثير من الجيل الحاضر

لا يمكن أن نقارن عامة البشر اليوم بهذه الشخصيات العظيمة

لا أنكر ذلك ولكن قديمًا أيضًا كانت هذه هي الحالة السائدة وكانت المرأة تتحمل قسوة الحياة من اجل ربط الأسرة أما اليوم فأصبح الجميع ينادي بأهمية راحة المرأة النفسية وأهمية المشاعر في حياتها وراحتها الجسدية حتى أصبحنا نسمع قصص يشيب لها شعر الرأس.

أعظم الشخصيات على مر الزمان كانت تبكي، ولكن هل تستمر في البكاء أم تعود وتبني نفسها بشكل أفضل؟ هذا ما يصنع شخصية عظيمة.

إذن فلنبكي ونحن نركض نحو الخطوة القادمة ونبكي مدة لا تزيد عن مدة قلب الصفحة لا شيئ يستحق الحزن إلا موت احد القربين لا قدر الله ويمكن علاجه بالإيمان بالقضاء والقدر وعدا ذلك رفاهية !

بالطبع كانت الطبيعة السائدة تميل أكثر نحو القيم الحقيقية، فلذلك كانت الأمة بغالبها أكثر عمقا من أمتنا اليوم، ولكن من جهة أخرى، وجود شخصيات بارزة ومجتهدة وقوية في مجتمع اليوم يعطيها قيمة إضافية كونها تمكنت من صنع نفسها في وسط أجواء تدفعنا باتجاه سطحيات الحياة المادية. وعلى العكس، العيش في مجتمعنا اليوم بات أصعب من السابق بكثير على الرغم أنه أسهل من الظاهر. فالحياة ومتطلباتها اليوم تضع ضغطا كبيرا على الشخص لتلبية كل التوقعات الذي يضعها الآخرون له، ففي السابق كانت الحياة أبسط وأسهل وأقل تعقيدا، ولم يكن أصلا التنمر منتشرا كما هو اليوم، فنحن اليوم في عالم الشكليات والمظاهر والمقارنات.

ومن قال أن التعنيف الذي تعرضنا لنا من المعلمات هو مفيد أصلا؟ أنا أختلف مع البرامج التعليمية الحديثة في بعض التوجهات، ولكن تعنيف أي طفل أمر مرفوض تماما ويترك فيه خوفا وعقدا دفينة يموت دون أن يكتشفها. فلا ننكر زيادة الانحلال الأخلاقي لدى الجيل الحالي وقلة المسؤولية عند فئة كبيرة، ولكن لا يجب أيضا أن نبالغ في تقديس الجيل السابق، فلديه أيضا جوانب سلبية يتفوق عليه الجيل الحالي فيها.

وهل تحمل المرأة للعذاب وعدم السماح لها بإنشاء كيان مستقل لها وحصر دورها في المطبخ والتربية هو الأفضل؟ ما المشكلة في أن تحظى المرأة بالاحترام والحرية والراحة عندما يمكن؟ يوجد قصص يشيب لها الرأس من إساءات الرجال أكثر بكثير مما نسمعه عن المرأة. هل كنت ستسعدين لو ولدت في زمن سابق لم يكن لك فيه حق التعلم ولا اختيار شريك حياتك ولا حتى اتخاذ قرار بالانفصال عند التعرض للإهانات؟

هل كنت ستسعدين لو ولدت في زمن سابق لم يكن لك فيه حق التعلم ولا اختيار شريك حياتك ولا حتى اتخاذ قرار بالانفصال عند التعرض للإهانات؟

طبعاً كنت سأعيش مستقرة لأن هذا ديدن حياتنا ولن أشعر أن الأمر مهين لأن هذا سيكون واقع يمر به الجميع بينما اذا أجبت بناء على عقليتي اليوم بالطبع سأشعر بالرفض وأن هذا لا يطاق.

كانت سعادتك ستعتمد على الآخرين، فإن كنت محظوظة بزوج صالح أو أهل طيبين، تجري حياتك على ما يرام، أما إن كان زوجك متسلطا وصاحب أخلاق رديئة، أو كان في والديك طباع لا يمكن احتمالها، كنت ستعيشين سجينة لهم دون أي أمل في التحرر من الظلم الذي تتعرضين له، أما في زمن اليوم، أصبح للمرأة المتعلمة والمستقلة حرية قول "لا" أمام أي شخص يقلل من شأنها ولا يعاملها بشكل جيد، فحق أي إنسان أن ينتفض على المعاملة السيئة، وليس واجب أي شخص أن يتحمل إهانات ويضيع حياته في عذاب حتى لو لأجل الأطفال. فمن تفعل ذلك هذه تضحية شخصية منها، ولكنه ليس واجب.

لقد عملت في 2017 محامية شرعية وكنت أقابل الكثير من النساء اللواتي اتخذن قرارهن بالانفصال وعند حد معين من القضية كان حوال 60% منهم يتراجعن عن ذلك لأسباب كثيرة منها: الخوف من لوم المجتمع، والخوف من فقد الأنباء ... ولذلك حتى وإن أصبحنا أكثر تقبلاً لراحة المرأة وسلامها الداخلي إلا أن الأمر صعب أكثر مما نتخيل فمثل هذا الحوار هو رفاهية عند الكثير من السيدات لا يمكنهن التعبير عنه أو ابداء رأيهن بصراحة لأننا في مجتمعات لا ترحم و بحاجة لعقود من الزمن حتى نتفهم هذه الفكرة لذلك بدلًا من أن نزيد عليهم الالم يمكننا أن نواسيهم فقط.

. المشكلة أننا حديثًا أصبحنا نضعف الإنسان ونبث فيه ما يجعل شخصيته هشة!

هل يعني أن التعاطف والوقوف بجانب هؤلاء الأشخاص سيقويهم ويعودون أقوى من قبل؟ لماذا لا نقول أن حدة موقف وتجربة ما تختلف عن موقف وتجربة أخرى، من يتعرض لأزمة نفسية حادة أشك في أنه سينهض مرة أخرى ويعود أفضل مما كان عليه سابقًا! مثل تلك التجارب تلقي بظلالها على نفسية الأشخاص.

أستغرب كيف كان أسامة بن زيد أو محمد بن القاسم الثقفي وغيرهم من الأسماء التي قادت جيوش المسلمين رغم صغر سنها 

الزمن مختلف، التجارب مختلفة، نظرة الانسان مختلف للأشياء مختلفة. كل هذه عوامل تجعل من التجارب والمواقف المأسوية تهزنا بشكل كبير

لم لا نتعامل مع المواقف ببساطة فمن يريد البقاء فليبقى ومن يريد الرحيل فليرحل ومن يود التنمر فليتنمر لم لا؟ نحن نصنع أجيال هشة أكثر من قطعة ويفر سهلة الكسر بل والتفتيت.

ألا ترين بأنّ شعارات رنانة يرددها البعض، أتساءل هنا هل مثل من يرددون هذه الشعارات مروا بظروف سيئة جدًا مثلا فراق شخص عزيز عليه، هل هذا الشخص عاد من أزمته بقوة!

وأنت..هل حقًا بأنّ ما لا يقتلنا يقوينا؟ هل مررت بموقف مؤلم وخرجت منه بقوة؟

ما يقتلنا لا يقوينا دائما، من المواقف والأحداث التي تؤذينا تحدث شرخا بأرواحنا.

أي نعم نتنفّس، نستيقظ كلّ صباح أمام المرآة نرتب أنفسنا ونسرّح شعرنا، نذهب لأعمالنا نأكل ونشرب، ونضحك في الجلسات الجماعيّة، نشغّل أغاني الفرح في سيّاراتنا نتجوّل.

لكن عندما نريد الخلود للنّوم تسقط علينا تلك الخيبات والآلام، كأن وسائدنا وحوشا تتغذى بالدموع والألم، حين نأوي لأسرّتنا فقط ندرك حقيقة أن شيئا ما لم يعد كالسّابق، مهما فعلنا.

هناك أشياء عايشناها لا يمكن تجاوزها بسهولة، قد تحتاج الكثير من الوقت لتندمل وقد لا تندمل إطلاقا، الوقت وحجم الألم يختلف من شخص لآخر وهذا راجع للكثير من الأسباب.

قوّة احتمال الصدمات النفسيّة يختلف من شخص لآخر وهذا ما تثبته العديد من الأبحاث.

هناك أشياء عايشناها لا يمكن تجاوزها بسهولة، قد تحتاج الكثير من الوقت لتندمل وقد لا تندمل إطلاقا، الوقت وحجم الألم يختلف من شخص لآخر وهذا راجع للكثير من الأسباب.

مثل ماذا تلك الاشياء؟

أظن أن تلك المقولة لم تقال إلا للتعبير عن المشاكل الحياة اليومية مثل (فقدان وظيفة، انفصال عاطفي، صراع مع مدير، فقدان أحد الأحبة) فكل تلك المواقف من المؤكد أن تقويك وتكسبك خبرة ومناعة جيدة للتعامل معها في المستقبل وإن فكرت في تلك االمواقف منذ بدايتها يمكنك تفاديها ببساطة أما عن الكوارث الطبيعية فتلك ليس لأحد أن يخرجها منها أقوى فهي تكون أقوى منا جميعا في الأصل ونتائجها محتمة قبل أن تبدأ..

أما عن الكوارث الطبيعية فتلك ليس لأحد أن يخرجها منها أقوى فهي تكون أقوى منا جميعا في الأصل ونتائجها محتمة قبل أن تبدأ..

وماذا عن الأشخاص الذين يقدمون على خطوة اتخاذ قرار الانتحار! الكثير من الكتاب والمشاهير استسلموا للتجارب المأساوية التي مروا بهم ولم يستطيعوا النهوض بقوة مرة أخرى. الامر ليس مقترن بالكوارث الطبيعية، فقدان شخص عزيز علينا، (لنفترض أحد الوالدين أو احد افراد العائلة) لن يعيدنا أشخاص أقويا ابدا بل بالعكس سنعود أشخاص لا حول ولا قوة لا لهم

ما لا يقتلنا لا يقوّينا فعلاً، على أنّهُ ينبهنا برأيي وهذا هو العنصر الأهم، بعض أحداث الماضي يُمكن أن تستمر في التردد داخل رأسك لسنوات، إذ قد يكون من المستحيل أن تُنسى الأحداث المهدِّدة للحياة، بالنسبة لشخصٍ ناجٍ من حادث دراجة، فإن رؤية شاحنة تُشبه تلك التي اصطدمت به وهي تقترب مُسرعة قد تتسبب في تسارُع دقات قلبه وتصبُّبه العرق، أمّا في تجارب الحزن فإنّها قد تترك ندباً ضعيفة، كجروحنا القديمة ليتعاظم الأمل بالتكرار بكل تأكيد.

مرحبا،

أتفق معك في أمور وأختلف عنك في أخرى..

مثلا، لنتفق كلنا على أن المصائب أو المصاعب تضعفنا، هي فعلا كذلك، وأتفق معك في أن انفطار قلبك من قصة عاطفية، أو فَقدَ أحد الوالدين، أو اكتشافك المتأخر بأنك مصابٌ بسرطان الدم.. كلها وأكثر أمور لا يستبشر لوقوعها الإنسان، بل إنه لا يحافظ على توازنه مقابلها (فيزيائيا أو سيكولوجيا). فيحزن حينها ويكتئب وينطفئ وتسوَدُّ في عينه الحياة!

لكن هل هذا هو المنفذ الأخير للقصة؟

هنا حيث لا أتفق معك، وهو ما تعلق بمدة هذا الانطفاء، فالحزن الشديد وإن طال فإن درجة إيلامه تقل يوما بعد يوم، ومع انخفاض تأثير الألم تكون فترة الفراغ تلك أشد من الأمر المؤلم أول الأمر، فأن يتذكر الولد مثلا أن والده توفي في حادث سير، وبعد أشهر يكتشف أن ذكرى والده لم تعد تؤلمه كما في أول مرة فهذا أمر يجعله مستاء من نفسه باعتقاده أنه السيء في القصة، بل إن البعض يحرص على العيش في دوامة الحزن الأولى دونما خروج منها لئلا يظن بنفسه ظن السوء ذاك وأنه ناكر للجميع وسريع التخلي والنسيان.

فتحويل الألم إلى قوة هو ليس نظرية وإنما ثقافة وجدت لدى الشعوب، نجد الإنجليز قد عبروا عنها بالمثل الشهير "No Pain No Gain" كما نجد لدى أدباء العرب العبارة التي خلدت الشاعرة نازك الملائكة: «لا شيء يجعلنا كبارا كالألم»، وعديد الشعراء غيرها (جرحي عنيد بلسع النار يلتئم) وغيرها، نجد أيضا في الثقافة اليابانية ما يطلق عليهم بالـ "هيباكوشا" وهم الناجون من هيروشيما ونغازاكي، هؤلاء الفئة الذين لم ينسوا وقائع ما عايشوه فوصفوه بالجحيم، غير أنهم مقابل ذلك لم ينزووا في غرفهم باكين على الماضي وإنما أسسوا معارض وجمعوا توقيعات لتعتبرهم هيئة الأمم بالشجعان مخلصي العالم!

  • فالمصائب مؤلمة حقا، لكن بالنسبة لمن تعرض للخيانة مثلا فتألمه من الخديعة سيعطيه دروسا تغنيه عن ألف فلسفة هو الذي لن يثق بسهولة ولن يحتال عليه أحد لاحقا، ومن فقد الأم سيعيش حياته على فكرة أنه فقد أعز الأمور فما أهون ما سيأتي لاحقا!!
  • أما بالنسبة لمن تقوقع في ظلام الحزن دونما تحويله إلى دافع للتقدم، فإنه ما يمثل الاستثناءات التي يكون محلها أن تُحفظ ولا يقاس عليها..

هناك فرق بين خوض تجربه والتعلم منها وبين وقوع مصيبه والصبر على الامها . نعم ان وقوع مصيبه لن تسبب غير الالم الذي لايعالج الا بالزمن ولايترك غير ذكريات مؤلمه . اما خوض تجربة والفشل فيها فبالتاكيد ان هذا الفشل سوف يقوينا لاننا سوف نتعلم من اخطائنا ونكون اقوى مثلا الخوض في علاقه عاطفيه فاشله تجعلنا اكثر وعيا بطبيعه الناس وعلاقتنا . فالذي لايخطىء لايتعلم فمثلا لايمكنك تعلم قياده الدراجه بدون الوقوع ولايمكنك رسم لوحه عظيمة من المحاوله الاولى فالفشل هو التدريب العملي للنجاح .

 فبالتاكيد ان هذا الفشل سوف يقوينا لاننا سوف نتعلم من اخطائنا ونكون اقوى مثلا الخوض في علاقه عاطفيه فاشله تجعلنا اكثر وعيا بطبيعه الناس وعلاقتنا .

الأخطاء يمكننا أن نتعلم منها، مع أن هنالك من يقع في نفس الخطأ في كل مرة، لكننا لا نقول أن كل شخص مر بمرحلة فشل سواء على الصعيد الدراسي والمهني، قد يعود بقوة، أعرف أشخاص في كل مرة يفشلون أكاديميا فثلا يدرس تخصص ما ثم لا يستطيع اجتيازه تجده يحوّل إلى تخصص اخر وهكذا وهذا إن دل على شيء دل على أن الفشل قد يؤثر على نفسية الشخص ويثبط من معنوياته بلا شك والامر ينطبق على الجانب المهني أيضا.

1ghadeerrafat أضف ردا

المقولة معناها ليس حرفي وبرأيي أعمق من مجرد حروف بسيطة نحاول أن نقوي أنفسنا بها. أثناء حديثي مع صديقتي التي توفت امها منذ عام ونصف ووصفها للأمر كان بأنني خسرت أعز ما لدي في الدنيا الآن أي شيء قد يحصل مهما كان لن يكون أصعب من هذا بالنسبة لي، فأصبحت عندما تمر بمحنة تعرف انه قادرة على تخطيها وأن تأثيرها السلبي سيزول بعد فترة. صديق آخر لي رجع من الجيش وصفها بأنها أصعب سنين حياته مع أنه لم يذهب بعد التخرج مباشرة بل بعد 5 سنوات ومر في تجارب قاسية وعاش الكثير من الأمور في حياته سابقًا، قال أنا الآن لا أرى الحياة من نفس المنظور الذي كنت أراه سابقًا فعندما امر بمشكلة ما أتذكر أن عشت أيام أصعب ومررت بظروف أصعب وتخطيت وحدتي والبعد إذًا انا قادر على تخطي وحل هذه المشكلة مهما كانت صعبة.

برأيي هذا المقصود من المقولة، وبالطبع نحتاج إلى وقت للتعافي من أثر الموقف ولن يكون الامر هين لكن سيساعد في تهيأة نفسيتك على انك قادر. والأمر يختلف من شخص لآخر، مثلًا واحدة من الأقرباء مرت بانفصال منذ 3 سنوات مع أنه الحل الأفضل وهم منفصلين حتى قبل المحكمة، إلا أنه أثر على صحتها الجسدية والنفسية ولا زالت لم تتعافى بالكامل حتى يومنا هذا وتمر بنكسات من وقت لآخر.

فأصبحت عندما تمر بمحنة تعرف انه قادرة على تخطيها وأن تأثيرها السلبي سيزول بعد فترة.

هل حقًا تأثيرها السلبي سيزول؟ وهل ستعود الفتاة قوية مثلما كانت؟

. صديق آخر لي رجع من الجيش وصفها بأنها أصعب سنين حياته مع أنه لم يذهب بعد التخرج مباشرة بل بعد 5 سنوات ومر في تجارب قاسية وعاش الكثير من الأمور في حياته سابقًا،

ربما هنا الامر مختلف قليلا، تجربة التدريب في الجيش قد تكون أخف حدة على الشخص من فقدان حبيب له أو مروره بتجربة فشل مثلا

بالتأكيد لا! فقدان الام تأثيره لا يزول لو بعد مائة سنة، لكن ما قصدته انها بسبب هذه المحنة أصبحت تواجه الحياة بطريقة أخرى وأصبحت أقوى من عدة جهات، فلن ترى خسارة شيء ما كبير بالنسبة لخساراتها والدتها وعلى هذا المنطلق تقيس الامور.

وتدريب الجيش ذكرته لانه كان مع قوى صعبة، لكن أيضًا غير ذلك نظرته لقياس صعوبة الأمر وأنه أصبح يتحمل المواقف من منطلق "عديت الأصعب وهذا بعدي برضو".

لقد مررت بمواقف كثيرة مؤلمة وايام طويلة لم تغادر دمعتي عيني ، ولكني خرجت منها بالفعل اقوى مماسبق ، لأني تعلمت من هذه المواقف واتضحت صور اشخاص كنت اظنهم اوفياء واهل ثقة ، عرفت من هو صديقي ومن عدوي وعرفت ان ألجأ إلى الله لإجد السند والمعين ، ثم تعلمت ان من حولي ومهما بلغ حبهم لي لن يستطيعوا تغيير شيء من واقعي المؤلم، ولا حل أمامي إلا الانطلاق والمواجهة او صرف النظر والعودة من حيث اتيت ، لن يحل مشكلتي إلا انا ولا يسمح دمعتي إلا كفي ، وكان علي برغم خوفي وضعفي ان اتخذ قرار وان اتحمل مسئوليته وحدي.

استخرت الله واخذت قراري وانطلقت ... واتذكر كل هذا الان بعد اعوام واعوام ... نعم انا الان أقوى مما سبق بكثير ولو واجهتني نفس المواقف الان لما وجدتني تلك الشابة سهلة الكسر والانكسار ، ولكن ستجد إمرأة قوية خبيرة بالناس والاحداث وتقلبات الايام، صحيح انه ما زال لديها عدد من نقاط الضعف ولكنها على الاقل اقوى مما سبق بكثير.

Alaa_kaawach1 أضف ردا

في الحقيقة.. من منّا لم يمرّ بصدمات قاسية؟ أو على الأقل من منّا لم يجرّب ذاك الشّعور الّذي يعتصر القلب؟ أعتقد أنّ جميعنا قد ضاقت بنا الأرض يوماً ما..

لكنّ العبرة تكمن في استجماع النفس مرّة أخرى والقدرة على المضي قدماً، لأن الحياة لن تتوقّف عند أحزاننا، ولن يأتي من يطرق بابنا وينتشل الألم من داخلنا..

بحسب تجربتي الشّخصية، أقرّ بأنني خرجت من كلّ معركة بقلب أقوى وعقل أنضج! لا أخفيك سراً بأنني كنت محاطة باليأس من كلّ اتّجاه، ولم يعنيني إن كان هناك نور منبعث في نهاية الطريق أم لا! اليوم أؤمن بأنّ "الضربة التي لا تقتلك، تقوّيك" فعلاً، لأنك سننجو في الختام لا محال، بغض النّظر عن طاقتك الّتي استُنزفت، والندوب الّتي رسمت طريقاً نحو قلبك، لكنّ عزائك دون شكّ، أنّك خرجت من معركتك شخصاً آخر.

أمّا بالنسبة للصدمات والفواجع الموجعة والتي ستترك أثرها علينا لوقت أطول من التجارب القاسية دون شكّ، فمن خلال رؤيتي لمعاناة أشخاص قد مرّروا بها، يمكنني أن أجزم أن أثرها عليهم ستبقى مدى الدّهر، ولكنّ الوقت كفيل بأنّ يخفف من حدة هذا الأثر..