14

بين القبول المطلق والرفض التام، أين تقف؟

يقول الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه "تجديد الفكر العربي": "الأصل في الفكر - إذا جرى مجراه الطبيعي المستقيم - هو أن يكون حوارًا بين 'لا' و 'نعم' وما يتوسطهما من ظلال وأطياف، فلا الرفض المطلق الأعمى يُعد فكرًا، ولا القبول المطلق الأعمى يُعد فكرًا؛ ففي الأول عناد الأطفال، وفي الثاني طاعة العبيد."

​إن ما قاله د. زكي في أطروحته يستحق التأمل، فكثيرٌ منا يقع في إشكالية الأبيض والأسود. لطالما اعتقد البعض أن الأفكار والأشخاص يجب أن يُحاكموا طبقًا للونين أو تصنيفين: الأبيض والأسود، أي الرفض المطلق أو القبول المطلق. وهذا يضيف بُعدًا لا معقولًا، فالحياة رمادية، والتعامل بهذا النوع من القسوة في الحكم يحرم الشخص من الاستفادة من أفكار الآخرين وتجاربهم، أو حتى التعلم من الأخطاء التي وقعوا فيها.

​التعسف بشكل عام يضيّق واسعًا، فكل جماعة يُؤخذ منها ويُرد. وعندما يكبّل الإنسان نفسه بالتصنيفات والإبعاد التام أو الولاء المطلق، يحرم نفسه من حرية التفكير والرفض باحترام وعن فهم، أو القبول باعتدال واتزان. فلِمَ يُحب الإنسان الأحكام النهائية ويُفضلها؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أرى أن الناس الذين يفكرون إما بالرفض التام أو القبول المطلق يكون من الصعب التحاور معهم، لأنهم لا يتركون مجال للتفاهم أو لسماع رأي مختلف. لذلك من الأفضل ألا ندخل معهم في نقاش من الاساس، لأنه غالبًا يتحول إلى جدال بلا فائدة. أما الحوار الحقيقي فهو مهم لأنه يفتح مجالًا للتفكير، ويساعدنا أن نسمع أكثر من وجهة نظر، فنخرج بنتيجة. والحوار الصحيح يجعلنا نراجع أفكارنا ونكتشف أمور لم نكن نلتفت إليها.

أريد أن أضيف على ذلك أيضا أن أهم سبب يدفع متطرفي الفكر إلى تلك الاعتقادات هو (في رأيي و حسب ما لاحظت)، خوفهم من التيه المصاحب للتفكير الموضوعي، فهم يخافون أن يصبحوا تائهين لفترة بلا معتقدات أو جماعات ينتمون إليها، مما يجعلهم يدافعون باستماتة و شراسة عن معتقداتهم حتى و إن ثبت خطأها أو عدم منطقيتها.

غالبًا ما يشعر الإنسان بالأمان حين يكون ضمن مجموعة ما، فهذا الشعور بالانتماء هو نزعة طبيعية ومفهومة. فهو يوفر للشخص من يفكر بدلًا عنه، ويمنحه شعورًا بالراحة والقبول. لكن هذا الأمر خطير جدًا، لأن هذا الانتماء لا يكون مبنيًا على أسس ثابتة أو منطقية في كثير من الأحيان. ​الانصهار الكامل في فكر المجموعة قد يُفقد الفرد قدرته على التفكير النقدي، ويجعله يتقبل الآراء والمعتقدات دون تمحيص. وهذا غالبًا ما يُلقي بصاحبه في مهاوي التطرف في أيٍّ من الجوانب.

اختيار الرفض التام أو القبول التام لا يعني التطرف، الأمر مختلف حسب الفكرة وحسب قناعة كل فرد، فهناك أفكار تتطلب الرفض التام فليس طبيعيا أن نقبل شيء ونتناقش فيه وهو مخالف لشريعتنا، أو أخلاقنا مثلا، والعكس كذلك، أما الأمور التي تقبل الرأي والرأي الآخر هذا وارد جدا أن يكون فيها مساحة رمادية تتدخل فيها التجربة الفردية والخبرة التي قد تختلف من شخص لشخص.

لكن أظن أنه حتى لو رفضنا أو قبلنا بشكل تام فذلك لا يمنع من إبداء أسباب ذلك القرار، و قول أن الشريعة تمنع ذلك سبب كافٍ طبعا لأن يرفض المرء أمرا لكنه ليس تبريرا كافيا لقراره، في رأيي، لا بد أن يُلحق هذا الرد بأسباب نابعة عن الفكر أيضا حتى لا يظهر للآخر أننا نتبع مذاهب دون فهم حقيقي لها.

​حتى الأمر المخالف للعقيدة لا يعني التعسف في رفضه دون فهمه وفهم منطلقاته. وهذا ما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم في محاججة المشركين وإقناعهم. فأنت لن تستطيع أن تواجه فكرة دون أن تفهمها وتفهم منطلقاتها، لأن الجهل بأساسيات الفكر الآخر يجعلك عاجزًا عن تفنيده بشكل منطقي ومقنع.

​وهنا نحن لا نرفض "الرفض"، فهناك الكثير من الأفكار التي نرفضها بكل تأكيد، ولكننا نرفض "الرفض الأعمى"؛ لأنه هو الذي يسبب التطرف. بل علاوة على ذلك، فالرفض الأعمى قد يؤدي لاحقًا إلى أن ينسلخ الشخص من كل ما آمن به، لأنه لم يبنه على أسس منطقية، ولم يفهم القصور في فكر الآخر، فأصبح ضحية سهلة لأي مجموعة.

​إن الفهم العميق للفكرة لا يعني قبولها، بل هو خطوتك الأولى نحو بناء موقف قوي ومحصن. وأضيف على ذلك أن علماء الأمة رغم رفضهم التام للجاهلية وعقيدة الناس فيها، إلا أنهم لم ينفوا عنهم الأصالة والشجاعة والكرم والأخلاق الحسنة التي كانت منتشرة آنذاك. فالفهم العميق للفكرة ولمنطلقات الرفض والموضوعية في الحكم على الفكرة وصاحبها هو الذي يحمي الإنسان من الانسلاخ من عقيدته، أو التطرف لأي جهة.

الشخص المتعسف لا يُناقش من أجل إحراز أي تقدم، بل يجادل لمجرد الجدال ذاته. إنه لا يمتلك من الأدوات المنطقية ما يؤهله للدفاع عن وجهة نظره، ولا هو مستعد لمناقشة الرأي الآخر أو فهمه. ​هذا السلوك يهدف فقط إلى استنزاف طاقة الآخرين وإشغالهم في حلقة مفرغة من النقاش غير المجدي. إن الجدال مع هذا النوع من الأشخاص هو مضيعة للوقت والجهد، فالعقلية المتعسفة تغلق الباب أمام أي حوار بنّاء، وتستبدل المنطق بالتعنت، والبحث عن الحقيقة بالرغبة في الانتصار الشخصي.

أظن أننا نحب الأحكام النهائية القوية لأنها أبسط و أسهل على عقولنا في فهمها، فالفكر غالبا ما يجول في عقل الإنسان حول سؤال ما يولده أو مشكلة تحتاج الحل، بمعنى آخر، كثيرا ما يكون الفكر مقدمة لفعل كاتخاذ القرارات، و هذه الأفعال تكون مبررة و مدعّمة فكريا أكثر كلما كان الفكر الذي وراءها متطرفا أكثر بعيدا عن الرمادية، و لك هذا بالطبع ليس عادلا دائما.

لكن اسمحي لي بأن أذكر بعض الجماعات التي تخالف أفكارها بديهيات و مبادئ الإنسانية، فلا تستطيع نقاش تلك الأفكار فعلا أو التعامل معها إلا بالتطرف نحو الرفض، أمثلة عل ذلك هي الجماعات الفكرية العنصرية و مجددوا النازية و تفوق العرق الأبيض، فكيف تستطيع أن تقابل مثل هذه الأفكار شديدة التطرف و العنف إلا بالرفض القاطع تماما؟

أرى أن أفكارًا مثل "الفوقية البيضاء" أو غيرها من الأيديولوجيات شديدة العنصرية والتطرف بشكل عام، هي في الأساس عواقب لعدم فهم الآخر وتقبله، وليست أسبابًا لذلك. فعدم وجود مساحة كافية للحوار والنقاش والتعرف على الآخر، وتقديم الأحكام دون أسس موضوعية، قد أدى إلى ظهور هذا النوع من الأيديولوجيات المتطرفة.

​من جهة أخرى، فإن هذه الأفكار غالبًا ما تكون مجرد أقنعة لأجندات سياسية واستعمارية وليست قناعة حقيقية عند مروجيها. ويقع ضحايا هذه الأفكار في النهاية هم الناس العاديون الذين يبحثون عن انتماء أو ولاء مطلق، وهذا ما يعيدنا إلى أصل المشكلة: التلقي دون نقد أو فهم. ما نحتاجه ليس منع الرفض أو القبول، بل أن نفهم لماذا نرفض ولماذا نقبل، لأن هذا الفهم هو الذي يمنحنا القدرة على تمييز الأفكار السامة واتخاذ قرارات واعية ومبنية على أسس سليمة.

أعتقد أن الإنسان يميل للأحكام النهائية لأنها تمنحه راحة ذهنية سريعة؛ الأبيض والأسود أوضح وأبسط من منطقة الرمادي المعقدة. الدماغ يحب الاختزال لأنه يقلل من الجهد المبذول في التفكير والتحليل. لكن المشكلة أن هذه الراحة الذهنية تأتي على حساب العمق والإنصاف. لذلك التفكير الناضج يتطلب شجاعة البقاء في المساحة الرمادية، حيث يوجد التناقض والتدرج والتعقيد، لكنه في المقابل يفتح الباب لفهم أوسع وتقدير أكثر للآخرين وتجاربهم.

يفضل الإنسان أن يكون ضمن مجموعة تفكر بالنيابة عنه وتقدم له إجابات جاهزة. هذا الأمر مريح بلا شك، لكنه خطير جدًا على المدى البعيد. إنه يقتل التفكير النقدي، ويجعل الفرد تابعًا لا يستطيع اتخاذ قرارات مستقلة. في رأيك، كيف يتم مواجهة هذه الظاهرة؟

هذه هي العلاقات الإنسانية بمختلف صورها لا تتمتع بحد فاصل بين الأبيض والأسود، بل بالمنطقة الرمادية والتناقض من طبيعة البشر، بل من طبيعة الحياة من حولنا وكلما زاد الادراك وتوسعت المفاهيم كلما كان الانسان لا يميل لإصدار احكام قاطعة على الاخرين، بل يصبح عنده مرونة كافية عندما يضع نفسه مكان الآخر.

صدقت

أعتقد أن أسوأ النتائج يمكن أن تكون 

لأن أعيننا بطريقة أو بأخرى متأثرة بالنظرة "المطلقة"، فلا نتقن ثقافة تقبّل الحوار والنقاش حول جهة أو مفهوم معيّن

وننكبُّ على هذا العالم برؤيةٍ عاطفية من باب إمَّا الخير المطلق أو الشرّ المطلق، البطل أو الشرير، إمَّا الكلُّ أو العدم

 ومن هذا المنطلق تنطلق كل نظراتنا التعميمية الأخرى ونهمل كل مفاهيم "النسبية النقدية" في الأمور التي تقبل النسبية.

وننسى حقيقة أن هذه النظرة "المُطلقة" غير موجودة إلا في بعض منتجات هذا العصر من سينما أو روايات،

عندما نفهم كأشخاص هذه الموازنة،

نتمكن من الرؤية دون أي غشاوة، نستطيع رؤية السلبي والإيجابي بكل وضوح، 

فيصبح التحكم بمصائرنا وتوجيهها نحو الاتجاه السليم باستطاعتنا أكثر من ذي قبل...

Design_Writer أضف ردا

أرى أن هناك مواقف نعم مطلق، ومواقف لا مطلق، وهناك افكار بين اللا والنعم، أو بالأحرى فيها ما يقال له نعم، وفيها ما يقال له لا.

مثلا فكرة جيدة وضع لها أسلوب سيء للتنفيذ.

الفكرة نعم.

الأسلوب لا.