كتاب الهدوء: قوة الانطوائيين
لماذا أنت هادئ؟
تحدث أكثر.
لا تكن خجولًا!
لا أظن أن هناك انطوائي لم يسمع واحدة من تلك الجمل، أكثر مرة في حياته، فنحن نعيش في عالم ينبذ الانطوائيين أو يفترض أن بهم علة ما، وأنه يجدر بهم أني يغيروا من طبيعتهم.
يستعرض كتاب "الهدوء" كيف أن الانطوائية ليست علة أو مشكلة في الشخصية يجدر بالمرء أن يتخلص منها لأجل أن ينجح، أو يصير مقبولًا اجتماعيًا، كل ما في الأمر أنها نهج مختلف للحياة.
ولكن في ذات الوقت إن زاد الأمر عن حده فقد ينقلب إلي نبذ أو نفور تام من التجمعات والمواقف الاجتماعية، وقد يكلف المرء خسائر فادحة، فمهما يكن لا يستطيع أي منا أن يعيش منفردًا.
فما الحد الفاصل إذن بين الانطوائية والعزلة الاجتماعية؟
التعليقات
شتان الفرق بين العزلة والانطوائية يا هاجر، فالأولى سواء والثانية اضطراب، والأولى رغبة والثانية خلل وعجز نفسي، إن المنعزل فعل ذلك برغبته ربما بعد تجارب قاسية مع شخصيته الاجتماعية وربما لأسباب ودوافع أخرى، ولكن يبقى الأمر في النهاية برغبته ويعرف كيف يتعايش معه، أما المنطوي فكأنما عُقد لسانه فلا يستطيع التواصل والتعبير، وكل من يعاني من ذلك لم يريده حسب ما واجهت في عملي، والأمر صعب للغاية معهم عند التعبير عن الحب والدراسة والعمل والترفيه وحضور المناسبات والتقدم للمهن، أنهم يبذلون جهد عظيم لكي يظهروا على طبيعتهم فقط وربما يفشلوا في ذلك، طبيعتهم التي لا نقدرها وندرك قيمتها ونبحث رغم ذلك في النقائص وما ظننا أننا حرمنا منه.
والثانية خلل وعجز نفسي
أليس المجتمع والظروف المحيطة هي من تتحمل وزر صنع شخصيات إنطوائية في كثير من الأحيان، هناك أطفال كبروا وهم يتعرضون لقمع المشاعر باستمرار، حتى كبروا وأصبحوا لا يعرفون التعبير عنها، أو هم فقط يعلمون أنه لا جدوى من ذلك، فأمي التي لم تفهمني من قبل لن تفهمني الآن وبالتالي كل الناس هكذا.. لا جدوى!
مثلًا بعد فترة كورونا والحجر الصحي، أغلبنا اكتسبنا بعض سمات الإنطوائية نتيجة لقلة اتصالنا مع الآخرين واعتمادنا على الرسائل ومواقع التواصل الإجتماعي بشكل كبير، وبشكل ما أصبحت التجمعات بمثابة مصدر ضغط بالنسبة لنا.
ماذا لو قام بتغيير مجتمعه هل تعتقد أنه ستتغير شخصيته ويخرج من إنطوائيته؟
أعتقد أن معالجة المنطوي اسهل من معالجة المجتمع، المجتمع ملئ بالافات والأشخاص السامة وهذه العملية ستطلب مجهود هائل ولن تنجح بالنهاية، وأنا متفق معك أن المنطوي وأي مريض نفسي ضحية للمجتمع ولكن التعافي مسؤوليته ولايمكن أن نعاقب المجتمع لأنه لا يوجد نص يجرم الأذى النفسي.
لأنه لا يوجد نص يجرم الأذى النفسي.
ربما أغلب مشاكلنا تتلخص في هذه الجملة، على الرغم من وجود بعض القوانين الخجولة التي تجرم التنمر والتحرش اللفظي إلا أنها لا تزال غير كافية لدرء شرّ الممارسات المؤذية للنفسية، هل يضرّ أن أسأل: ماذا لو وجدت نصوص تجرم كل أشكال الأذى النفسي، هل سيتغير المجتمع ليصبح مجتمعًا فاضلًا أم سينتهي الأمر بنا جميعًا في السجون؟
ربما يجدر بنا وضع تعريف واضح لما هو الأذى النفسي أولًا.
فمثلًا هل انتقادي لشخص ما يعد أذى؟ أم ان الأمر متعلق بطريقة الانتقاد نفسها؟ من الذي سيرسخ هذه القواعد؟
كلها أسئلة يجب أن توضع في الحسبان إذا كنا سنسعى لفرض قوانين من هذا النوع.
هل نحتاج حقًا إلى قوانين.. ألن يكفي أن أقول لك بأن فعلك\قولك هذا أذاني نفسيًا بشكل ما؟ لماذا نتجنب الخوض في هذه الأمور بشكل صريح؟
أعتقد أنني أتفق معك في أن الانطوائية بحد ذاتها ليست خللاً ولكنها يمكن أيضاً أن تسبب خلل كبير في الحياة. ولذلك متابعة هذا الموضوع يجب أن تكون ذاتية دائماً وتتبع للظرف والحاجة، فمثلاً لشخص يعمل كموظف يقضي الأمور الورقية في كواليس مؤسسة هنا الإنطوائية أمر عادي ولا يمكن أن تؤثر كثيراً على مسار حياته، ولكن دعونا نتخيّل رئيساً يتعامل مع مرؤوسيه أو معلم يتعامل مع طلابه! هؤلاء لا يمكن أن يتم تفعيل جوهر ما يقومون به إلا عبر طرد هذه الإنطوائية المربِكة جداً في سير عملهم، يعني من يجب أن يشتغل على إزالة الانطوائية من حياته هو الشخص الذي يحتاج ذلك بناءً على معطيات حياته فقط لا عبر حساب أي عوامل خارجية أخرى تعمم!
لا يمكن أن "يزيل" شخص طبعا من طبائعه. هو تنسحب منه طاقته بكثرة التعامل المباشر مع الناس، لا أظن ذلك سيتغير فجأة. ما يقوم به الشخص الانطوائي الاستبطاني لجعل الحياة تسير هو تحديد نقاط التواصل المباشر الضرورية، ومحاولة القيام بها أولا وقبل كل شيء. ثم، استخدام طرق أخرى غير التواصل المباشر كالإيميل، أو الرسائل، أو مكالمات الهاتف.
هناك الكثير من الشخصيات العامة والقيادية في الأصل هم انطوائيين، وبصراحة لا أرى تعارضًا بين منصب قيادي والطبيعة الانطوائية، فالانطوائي بكل بساطة هو شخص تنفد طاقته بسرعة من كثرة التعاملات الاجتماعية، على عكس الشخصيات الاجتماعية الذين يشحنون طاقتهم من التواصل الاجتماعي. لذا يفضل الكثير من الانطوائيين الوظائف التي لا تطلب الكثير من التعامل مع الآخرين، ولكن هذا لا يعني أنهم إن اختاروا وظائف أخرى فلن يكونوا قادرين على القيام بها، ربما يكون الأمر صعبًا إلى حد ما، لكنني لا أظنه مستحيلًا ولا يستلزم الانطوائي أن يغير من طبيعته كلية لأجل أن يتلاءموا مع تلك الوظائف.
العزلة الاجتماعية يمكن أن تقود إلى الانطوائية، لو ترك الشخص نفسه لها بالكامل، أما الانطوائي فيمكن أن يكون محاطا بكل الناس حوله ويمارس حياته بالكامل ولكنه منغلق على نفسه لا يشارك الأخرين ولا يتفاعل معهم بأقل قدر ممكن. فيمكن أن أقول أن الحد الفاصل هو التفاعل مع الأخرين فالمنعزل اجتماعيا يتواصل ويتفاعل على الأقل مع بضعة أصدقاء أو زملاء عمل ولو بشكل روتيني أم الانطوائي فلا يتفاعل.
ألا تظن أن العكس هو الصحيح؟ لأن الانطوائية هي طبع شخصي، فالانطوائي يكون له أصدقاء ومعارف ويستطيع أن يتفاعل معهم كما يريد، كل ما في الأمر أن المناسبات الاجتماعية تنهكه ويحتاج وقتًا ليعيد شحن طاقته.
على العكس المنعزل الذي يأخذ موقفًا سلبيًا من العالم ويقرر ألا يشارك وألا يتفاعل مع أحد، ويكتفي بعزلته فحسب، وربما ينفر من كل من يحاول أن يخرجه من عزلته.
الحد الفاصل بين الانطوائية والعزلة الاجتماعية يكمن في الاختيار والتأثير على الحياة
الانطوائية هي تفضيل طبيعي لقضاء الوقت بمفردك أو في مجموعات صغيرة والاستمتاع بالأنشطة الفردية دون أن يكون ذلك عائقًا أمام تحقيق الأهداف الشخصية أو المهنية الشخص الانطوائي يشارك في الحياة الاجتماعية ولكن بشكل انتقائي وبما يتناسب مع راحته النفسية
أما العزلة الاجتماعية فهي حالة تتجاوز مجرد التفضيل الشخصي حيث ينسحب الفرد بالكامل من المجتمع ويقلل تواصله مع الآخرين بشكل قد يؤثر سلبًا على حالته النفسية والصحية والمهنية قد تكون هذه العزلة نتيجة خوف أو اكتئاب أو تجربة سلبية وليس مجرد اختيار واعٍ
إذن الفرق الأساسي هو أن الانطوائية أسلوب حياة متوازن بينما العزلة الاجتماعية قد تؤدي إلى آثار سلبية مثل فقدان العلاقات والدعم العاطفي المفتاح هو أن يسأل الشخص نفسه هل أشعر بالراحة والسعادة في طريقتي هذه أم أنني أعاني بسببها