الوعظ الأدبي، أسوأ أنواع الأدب! "بلزاك كمثال" 

الأدب أدبان: أحدهما أدب إنشائي، والآخر أدب وصفي، الأوّل أدب سيء والثاني أدب على الاقل جيّد، كيف يكون ذلك؟ الأصح كيف قررت ذلك؟ بالمباشرة التي يمارسها بعض مُمارسي الادب الإنشائي وكاتبيه، فهؤلاء حتى أراهم قسمين، القسم الأوّل مُهتم باللغة، يجوّد ويجوّد بها حتى تُصبح مُزخرفة ملوّنة لا طعم لها ولا لون، أي بلا معنى، مُفرّغة، معاني كليشيه، لكن أسوء ما يُمكن أن يُمارس في أي عصر هو ما عَكفَ عليه برأيي واحد من الأشخاص الذي استطاع خديعة الكثير من الناس عبر أدبه، ليس بجمالياته بل بمثالياته المُثقلة للأرواح التي لا معنى لها على كوكبنا، طبعاً أتحدّث عن بلزاك الذي حوّل الأدب أداةً طيّعة في خدمة الوعظ الأخلاقي، إنّ مُعظم أعماله فيها من المُباشرةِ الكثير حتى ليُصبح الواحد منّا يسأل نفسه كيف استطاع أن يلمّ حوله كل هؤلاء الناس؟ كيف خدعهم وخدّرهم بالكلام؟ 

لديه مقولة لا يمكن أن أتفق معها ولا بحال من الأحوال تُلخّص مجهوده الإنساني بكامله، حيث قال مرّةً: "إنّ وظيفة الأدب الوحيدة في المجتمع هي تحسين الأخلاق!" تحسين الأخلاق؟ هل يُمكن أن نختزل وأن يرضى مُجتمعٌ بأكمله أن يتخصر مُهمّة الفن كُلّها ووجوده بمسألة تحسين الأخلاق؟! ولماذا لا يكتب المعني بتحسين الأخلاق المقالات أو الكتب عن هذه المرور؟ ما حاجته للأدب؟ وبمزيدٍ من التمحيص أيضاً في القضية يدفعك أن تسأل: من قال لك أصلاً أن تُحدد وظائف الأدب وتحتكرها بما رأيت أنّهُ الأفضل لمحيطك؟ 

هُناك من يسأل وأنا منهم، في عالم فاضل، مليء بالفضيلة، مُتخم بها، عالم يوتوبيا رائع، هل يعقل مثلاً في هذا العالم أن نفتقد الأدب ونعجز أو نتوقف عن الكتابة بحجّة كمال أخلاقنا؟ هل حقاً نحن نحتاج الفن لتقويم سلوكيّاتنا فقط؟ هل تشعر أنّك في عالم جنائني لن تسمع الموسيقى ولن تقرأ الأدب؟ كلّها أسئلة برسم التفكير، برسم النقاش، علّنا نجد مخرجاً من المأزق الذي ورّطنا به بلزاك ويُورّط كثير من مُحبّيه به، فكرة أن تكون مُهمّة الأدب الوحيدة هي الوعظ أو بعبارته السيئة، عبارة بلزاك: تحسين الأخلاق..

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لا اجد اي مشكلة في ان يكون الأدب وعظ اخلاقي مالم يكن وعظ دينيا طبعا فتلك مسألة اخرى ارفضها طبعا...او محدود بغاية معينة، لانه شئنا معظم الكتاب بشعور او لا شعور منهم هم مدفوعين بغريزة النصح او بعدوى الفكرة، فكل شخص له ميم يريد ان ينقله لشخص اخر عرف ذلك ام لم يعرف، لان هذه طيبعة الميمات وهي من تتحكم.

لذلك لا فرق بين نيتشه مثلا وبين بلزاك هنا سوى في الاسلوب وليس في هوس الفكرة.

مالذي يجعل احلام مستغانمي روائية ضحلة وسخيفة، هو اسلوبها وليس فكرتها، ولا وعظها الاخلاقي بالوفاء والحب الصادق ، لان الجميع يفعل ذلك بنسب متفاوتة لكن السر في كون روائي اخر احسن منها هو قدرته على تطويع القضية بأسلوب اكثر اقناعا وتماسكا.

مع أنني لست من عشاق الروايات الرومانسية، ولكنني قرأت معظم أعمال أحلام مستغانمي منذ زمن بعيد، ولكن أجد أنه من المجحف نعتها بروائية ضحلة وسخيفة، حتى أن كتاباتها تختلف عن الكتابات الرومنسية السطحية لكتاب آخرين، ولا يمكن أن تكون قد حققت كل ذلك النجاح والجوائز والشعبية من لا شيئ. فصحيح أن الشعبية والنجاح أصبح غير مربوط في بعض الأحيان بالموهبة لأن الذوق العام أصبح متدني، ولكنها لن تصل لمكانة أن تكون "المرأة الأكثر تأثيرا على صعيد الأدب العربي" وهي سخيفة. ربما أكثر كتاب معروف لها هو "الأسود يليق بك"، ولكنه ليس بمستويات أعمال سابقة لها مثل ذاكرة الجسد و"الكتابة في لحظة عري". فيجب أن تقارن بمن يكتب في مجالها، فلن نقارن هذا النوع من الرويات بأنواع أخرى تحمل قضايا أكبر وأعمق، وبرأيي أن أسلوبها مميز وسلس.

مالم يكن وعظ دينيا طبعا

لا يُمكن أن يمارس أي شخص أي نوع من أنواع الوعظ الأخلاقي دون أن ينتمي، فلا يوجد أبداً من يُسمّون بالأخلاقيين، بل هناك من يدعي إلى الفضيلة من وجهة نظر اشتراكية ومنهم من وجهة نظر مسيحية وأخرون إسلامية وغيرهم رأسمالية وبعضهم متصوّفة ومعتزلة عن المجتمع، ناشطين مجتمعيين، وطنيين، مثقّفين متبعين لفكر أحدهم، نحن نوعظ من عيون انتمائاتنا ولذلك أرى أنّهُ من الظلم أن نحرم فقط الوعّاظ الدينيين من حقّهم في هذا الأمر لمجرّد أنّ هذه الحقبة من الزمن لم تكن مشرّفة للمتدينين.

بالعموم أنا أرى كل أنواع الوعظ فاشلة، من أي اتجاه صدرت وكيفما صيغت.

لا يُمكن أن يمارس أي شخص أي نوع من أنواع الوعظ الأخلاقي دون أن ينتمي، فلا يوجد أبداً من يُسمّون بالأخلاقيين، بل هناك من يدعي إلى الفضيلة من وجهة نظر اشتراكية ومنهم من وجهة نظر مسيحية وأخرون إسلامية وغيرهم رأسمالية وبعضهم متصوّفة ومعتزلة عن المجتمع، ناشطين مجتمعيين، وطنيين، مثقّفين متبعين لفكر أحدهم، نحن نوعظ من عيون انتمائاتنا ولذلك أرى أنّهُ من الظلم أن نحرم فقط الوعّاظ الدينيين من حقّهم في هذا الأمر لمجرّد أنّ هذه الحقبة من الزمن لم تكن مشرّفة للمتدينين

المشكلة ان كل الافكار الانسانية مهما كانت صيغتها وشكلها ادبا ام فنا ام فكرا وحتى علما هي منتجات منتمية، حتى من يدعون بأنهم خارح التصنيف ولا يحبون ان يضعوا انفسهم في أي خانة تصنيفية، في الحقيقة ينتمون لشيء ما، نيتشه نفسه، كأعظم فلاسفة وادباء القرن العشرين، الثائر على كل الأخلاقيات وكل التصنيفات، يقع كل ادبه وفكره داخل تصينف اخلاقي من الدرجة الرفيعة.

لذلك ليس الامر حكرا على الوعظ الاخلاقي ولا الديني، مع تحفظي على مصطلح الوعظ الاخلاقي نفسه، لانه ليس مصطلحا دقيقا ولا مجديا.

لذلك اعتقد ان من الافضل ان نتحاوز فكرة القصدية في الأدب إلى الفهم، خصوصا واننا الأن اصبحنا في ادب مابعد الحداثة لا نعبئ بالمؤلف او فكرته، فالمؤلف يموت لحظة نشر النص، وتبقى كل الحرية للقارئ في اعادة تشكيل النص وفق تأويله وفهمه الخاص، فمهما كان المؤلف واعضا او مدللا لن تكون لكلمت اي معنى سوى المعنى الذي يضعه القارئ نفسه.

كيف وجدت الأدب الإنشائي كلمات أكليشيه؟!

الأدب هو الكلام الجيد المنظوم والمنثور، وهو يعبر عن العواطف بأسلوب جميل، يؤثر على المشاعر والعاطفة، ربما لو قرأت أشعارا لشعراء مثل أحمد شوقي، والمتنبي وحافظ إبراهيم ستغير رأيك حول كلمة أكليشية.

 هل يُمكن أن نختزل وأن يرضى مُجتمعٌ بأكمله أن يتخصر مُهمّة الفن كُلّها ووجوده بمسألة تحسين الأخلاق؟!

صحيح لن يختزل، ولكن بنفس الوقت هذا أحد أهداف الأدب، لا يمكننا تجاهلها، وأحد أهداف الفن بشتى أنواعه، بجانب الأهداف الأخرىمثل تعزيز القدرات الفكرية والذهنية للقارىء، والمعرفة المكتسبة. لذا لو رتبنا الأهداف تجد الإصلاح المجتمعي تأتي بالمقدمة

Diaa_albasir أضف ردا
ربما لو قرأت أشعارا لشعراء مثل أحمد شوقي، والمتنبي وحافظ إبراهيم ستغير رأيك حول كلمة أكليشية

هؤلاء الرجال عظماء يا رجل!، خاصة المتنبي، هل ما كتبوه تعتبره كلاماً إنشائياً وعظياً؟ ليس كل كلام إنشائي أدب، هل في حال قلت لك: "زقزقة العصافير فوق الشجرة الخضراء تحت سماء صافية" سوف تستسيغ هذه الجملة؟ ما سبق اكليشيه، ولكن حين يأتي محمود درويش يحوّل كل الأمر: الشجرة مَغْفَرةٌ وسهَرٌ، لا تنام ولا تحلم. لكنها تُؤتمنُ على أسرار الحالمين، تقف على ساقها في الليل والنهار، تقف احتراماً للعابرين وللسماء.

هل فهمت ماذا أقصد بالكليشيه؟ كل ما هو تركيبي باللغة بشكل سهل ومطروق ألف مرّة ويجترّ به أول طبقات الأخلاق والذي يمكن أن نسميه: الوعظ الشعبي السخيف.

طرحك بالمساهمة أوحى لي بالتعميم، لذا جاء تعليقي

هل في حال قلت لك: "زقزقة العصافير فوق الشجرة الخضراء تحت سماء صافية" سوف تستسيغ هذه الجملة؟ ما سبق اكليشيه،

هل قرأت لأحد يكتب بهذه الصيغة من الأدباء؟

أنا أختلف معه لأن الأدب لا يجب أن يُجبر القراء على العودة للأخلاق أو حتى تحسين سلوكياتهم؛ لأن البشر لا تحب أسلوب النصح، ومن أنت يا بشري مثلي كي تنصحني حتى ولو كنت أكبر مني عمرًا وأكثر مني خبرة.

عن نفسي لو أردت نشر الأخلاق لن أقولها صراحة سأجعلهم يتبنون وجهة نظري بدون إبداءه لهم صراحة؛ فلن أقول احترموا الكبير بل سأخبرهم قصة عن شاب أخذ مكان رجل مسن في طابور البنك أو أمام الكاشير...الخ، طبعًا لن اخترع القصة من وحي خيالي للتأثير عليهم؛ فالمجتمع مليء بالنماذج الغريبة الخارجة عن المألوف، وهنا سأترك للقراء حرية النقد كما يشاءون.

 لأن البشر لا تحب أسلوب النصح، ومن أنت يا بشري مثلي كي تنصحني حتى ولو كنت أكبر مني عمرًا وأكثر مني خبرة.

لا ينظر كل الناس للنصح بهذه الطريقة، لأن النصيحة يختلف تقبلها باختلاف موقفها ومكانتها وطريقة تقديمها. فنصيحة الأب لابنه، ونصيحة المعلم لطالبه، ونصيحة المدير لموظفه، ونصيحة الكاتب الخبير بمجال ما لقرائه وغيرهم قد يتم تقبلها بشكل ما دون النظر لأن ينصحها هو بشري مثلي !

قد قرأت من قبل العديد من الأعمال النثرية من ضمنها للكاتب القدير " المنفلوطي " تتضمن بداخل كينونتها العديد من النصائح المفيدة التي لطالما أثرت بداخلي واقتنعت بها .

هذا في حالة واحدة فقط لو كان النصح غرضه التوجيه وتعليم الآخر لمصلحته الشخصية؛ لكن لو تحوّل النصح لمجرد النصح وأنه على دراية بالموضوع أكثر منك وقتها تقبل النصح هنا يصبح موضع شك، تخيل لو جاءت امرأة فجأة ونصحت امرأة أخرى، وقالت لها لو كان الجينز أغمق سيكون أفضل وسليق عليكِ أكثر، وقتها حتى لو كان كلامها صحيح ستشعر المرأة الأولى بالاستياء.

وقالت لها لو كان الجينز أغمق سيكون أفضل وسليق عليكِ أكثر

لا أعتبر هذه نصيحة، هذا مجرد رأي ووجهة نظر، وهل وجهة النظر في كون لون آخر ل " الجينز " قد تثير الغضب والاستياء ؟ هذا ذوق شخصي لا يثير الاستياء إطلاقًا .

الأهم من تقديم النصيحة هو طريقة تقديمها باختيار الوقت والأسلوب المناسبين، وقد قرأت في مقال للكاتب Mark Manson متحدثًا عن رأيه في إعطاء نصيحة جيدة بأنه يجب التأكد من أن الشخص يحتاج للنصيحة من الأساس وأنه يجب أن يكون الناصح على دراية بما يقوله ولا يبدو أسلوبه متهكمًا على الآخر، مع الانتباه إلى تقديم النصيحة دون إظهار التقييم لشخصيته بل فقط أفعاله .

أما من ناحية النصح لمجرد النصح ، فما المراد نظره ؟

لا أعتبر هذه نصيحة، هذا مجرد رأي ووجهة نظر، وهل وجهة النظر في كون لون آخر ل " الجينز " قد تثير الغضب والاستياء ؟ هذا ذوق شخصي لا يثير الاستياء إطلاقًا

محمود هل قول امرأة رأيها في ملابس امرأة أخرى لا تعرفها مجرد رأي؟ تلك نصيحة بالنسبة لنا معشر النساء قاتلة ولا نقبلها بسهولة من أيّ شخص فما بالك بامرأة غريبة تقول تلك الكلمات؟

لننظر للأمر من زاوية أخرى ما الفرق بين الرأي والنصيحة برأيك؟ الرأي هو ما تفكر فيه بشأني، وتقوله لو أنا طلبته منك، ولكن النصيحة هي رأيك، والذي الغرض منه توجيهي لفعل شيء ما سواء طلبته منك أو لم أطلبه.

لأن البشر لا تحب أسلوب النصح

للصراحة لا يعنيني كثيراً ما يحبّه البشر وما لا يحبّونه، لإنني لا أومن أصلاً بأنّ الرواية أو أي فن من الفنون يُعد أصلاً سلعة للناس وللتداول، بل هي نشوة إنسانية يصلها أحدهم ويبثّها بين الناس للمشاركة، ولكن أنا أكره الوعظ لإنّهُ أصلاً لا يضحّل أي مشكلة أخلاقية لتغدو أفعل ولا تفعل، قدّم ولا تُقدّم، وأيضاً لإنّ كل واعظ يعتبر نفسه أحياناً أو بغالب الاحيان أعلى من المشكلة التي يتحدّث عنها، إنّهُ يتعالى على الناس، كمن ينظر إليهم من فوق ويقول لهم تعالوا إلى مستوايي، بالإضافة طبعاً في أنّ الوعظ يضعف الدراما في أي حكاية وهذا ما يمكن أن نلاحظه في الفرق بين بلزاك وتلستوي ودوستويفكسي.

 إنّهُ يتعالى على الناس، كمن ينظر إليهم من فوق ويقول لهم تعالوا إلى مستواي

هذا هو ما أقصده بالضبط يا ضياء

بالإضافة طبعاً في أنّ الوعظ يضعف الدراما في أي حكاية وهذا ما يمكن أن نلاحظه في الفرق بين بلزاك وتلستوي ودوستويفكسي.

لا يضعفها فحسب بل يفسد الأجواء؛ لأن القراء ينتظرون رؤية قصة بشر بكل أخطاءهم وسقطاتهم، عثراتهم وفشلهم، ولكن حين تقحم نصيحة في منتصف الرواية تفسد الحالة التي وصلت إليها بالفعل، وتخرجني من عالم الرواية لعالم الكاتب، وتفقدني الثقة في الأحداث القديمة والأحداث الجديدة في الرواية، الأمر أشبه وكأنك كنت في حلم جميل وأيقظك منه على كابوس لا تستطيع بعده العودة لحلمك الجميل.

مر التاريخ الأدبي والفني بعدة مراحل وأهم مرحلتين كانت الكلاسيكية بالقرن الثامن عشر والمدرسة الرومانسية التي ميزت أعمال القرن التاسع عشر, البدايات بالنسبة لنا ساذجة ولكن ما وصل له اليوم الفكر والأدب البشري هو نتاج مسار حافل من القيم الإنسانية المتراكمة, لا يمكننا أن ننزل بأحكامنا على قيم بشر القرن التاسع عشر بمعيار فكرنا اليوم نحن أبناء القرن الواحد والعشرين.

لا يمكن أن نعيب فلسفات أفلاطون ورسومات بيكاسو وأدب بالزاك ومسرحيات شيكسبير ونظريات وليام جيمس لأنهم "رواد بعصرهم", يجب الحكم على أعمالهم في نطاقها التاريخي, وليس مقارنتها بإنتاجات وفكر اليوم, لأنه بهذا المنطق فلا أحد سيرحمنا مستقبلا, وسيأتي قوم بعدنا سيسخرون من قيمنا وأدبنا وفننا بلا أدنى رحمة.

Diaa_albasir أضف ردا
لا يمكننا أن ننزل بأحكامنا على قيم بشر القرن التاسع عشر بمعيار فكرنا اليوم نحن أبناء القرن الواحد والعشرين.

لا أعتقد أنّ كلامك صحيح 100%، أشكّ في ذلك بكل تأكيد وهذا لسبب واحد ووحيد لا يمكنني أن أتجاهله بأيّ حال من الأحوال وهو أنّ بلزاك كان معاصراً تماماً لذات الفترة التي ظهر فيها عُظماء الأدب الروسي: دوستويفسكي - تلستوي - غوغول.

فهل هذا يعني أنّ روسيا كانت تمشي آنذلك في عجلة تطوّر فكري سبّاق على أوروبا وباقي العالم، أم أنّ بلزاك كان أديباً سطحياً يمارس الوعظ بشكل أفضل بمرحلة واحدة فقط من غيره؟

وهل قرأت أنت روايات بلزاك واكتشفت أنه يمارس الوعظ فيها على غير عادة كتاب عصره؟ أعطني اسم رواية لبلزاك فيها وعظ أخلاقي مباشر... روايات بلزاك كبقية روايات عصره من دوستويفسكي وتولستوي, وفيكتور هيجو... ثم إن أردت مقارنة فكر بلزاك بتولستوي فإن هذا الأخير يعد فيلسوفا أخلاقيا له مؤلفات وعظية "مملكة الرب داخلك" وقد ترجم أفكاره الرومانسية في كتابه الأشهر الحرب والسلام الذي يعد أيقونة الروايات, أما دوستويفسكي فإن روايات الجريمة والعقاب ذات مواعظ أخلاقية كما هي رواية الأبله وروياته الأخرى.

ألم تتمكن من لمس الوعظ الأخلاقي بروايات كتاب الروس القرن التاسع عشر؟ أم أنك بحاجة بأن يخبروك بذلك بشكل مباشر كما فعل بلزاك قبل أن تحكم عليهم بأنهم سطحيون وسخفاء؟

وهل قرأت أنت روايات بلزاك واكتشفت أنه يمارس الوعظ فيها على غير عادة كتاب عصره؟

هل تعوّدت حضرتك أن تتكلّم في أمور لم تقرأ عنها؟ بالطبع قرأت كُل أعماله، وإلّا لن أخوض هذه المحادثة من الاساس

أعطني اسم رواية لبلزاك فيها وعظ أخلاقي مباشر

يُمكنك الاطلاع على القصص التالية لهُ: الخليلة المزعومة - الرسالة - غوبيك

وبالمناسبة بعد ذلك أرجو أن تُجري مقارنة بين هذه القصص وقصص تلستوي في مجموعته: 23 حكاية على طريق النور، لتدرك جيداً الفرق الواضح بين الرجلين، وكيف أنّ الاثنين مارسوا نيّةً أخلاقية ولكن أحدهم كان أسوء من الأخر بكثير، وهذا فقط لإنهُ أعلى من مسألة الوعظ الأخلاقي وبالغ فيها.

إلى أن تُراجع السابق، إلى ذلك الحين، نلتقي.

بالطبع قرأت كُل أعماله،

قرأت 185 كتابا لبالزاك كله!! كم عمرك, مائة عام؟ أم أنك لم تكن تقرأ في حياتك قاطبة شيئا غير مؤلفات بالزاك؟ هذا مع العلم أنه بالنسبة لك سطحي.

ولكن أحدهم كان أسوء من الأخر بكثير

فقط تولستوي كاتب بارعا أما بالزاك فليس في مستواه لذا لا تقارن من ناحية الجودة, بل من ناحية الأهداف.

بالمجمل من ناحية الفكر والفلسفة السائدين بالقرن التاسع عشر, فإن ممارسة الأدب بذاك العصر كان "بهدف" أخلاقي هذه حقيقة وراجع تاريخ الأدب, لقد ظل الوضع هكذا إلى غاية القرن العشرين عندما ظهرت تيارات فلسفية جديدة بعيدا عن المدرسة الواقعية والرومانسية.

هذه كل أعمال بالزاك, وضعت صورة بصرية لها فقط كي تدرك أنك لم تقرأ كل أعماله, وإن حقا فعلت فلله درك كيف قرأت كل هذا الكم لكاتب سطحي بروايات سخيفة؟

لا أتفق معك ولا مع  بلزاك  في هذا الصدد، بالرغم من أن كل كاتب يملك رؤيته الأدبية اتجاه ما يحيط به، ولكن في نفس الوقت لا يمكن أن نختصر في كل ماهو جميل وممتع عن الأدب في مهمة الأخلاق، لابد أن يعلم الكاتب بأن مايقدمه هو رسالة قبل كل شئ لا تختص هذه الرسالة بالأخلاق وانما تتحدث عن الواقع بدرجة أولى سواء كان اجتماعيا، تاريخيا أو اقتصاديا، أو ترفيهيا، المهم أن يكون ذات علاقة بالقارئ بدرجة أولى.

وأكثر وصف أراه حقا يصف ما يقوم به الأدب، هو ما اختصره الكاتب المصري علاء الأسواني" إن الأدب يؤدي إلي تغيير إنساني يجعل الإنسان أكثر رقيا وأكثر رحابة ويعمل علي زيادة معرفة النفس البشرية، كما يجعل الإنسان يفهم الآخرين قبل الحكم عليهم".

لابد أن يعلم الكاتب بأن مايقدمه هو رسالة قبل كل شئ

هذه نقطة خلاف رئيسة بيني وبين حضرتك، فأنا لا يمكن أن أنفي أبداً أهمية أن يكون لكل شخص رسالة في حياته وأعماله، رسالة أخلاقية، ولكن بالمقابل ليست قبل كل شيء، إنّما ما يمكن أن أقبل أن يكون قبل كل شيء هو الدراما والبنية الحكائية في الرواية واللغة، بعد كُل ذلك تُستخدم الرسالة بما يتناسب مع البناء المُنجَز، لا أن يُهيكل الأمر كله وذلك لسبب واحد، في أنّ الوعظ دائماً ما يكون سبباً في جعل البنية الحكائية هشّة تشبه حكايا الأطفال، متوقّعة ولا متعة فيها، والأصعب من كل ذلك غير عميقة بالمرّة تتمحور حول السلوك الإنساني وتوجيهه نحو الفضيلة بأقل مستوياتها.

ليس الآدب آدبين، بل آداب متنوعة ومختلفة، إن على مستوى الأسلوب أوعلى مستوى المضمون، زيادة على الأنواع. نقول آدب إنشائي من ناحية الأسلوب، ونقول إدب وصفي من باب التصنيف.

ولا يمكننا أن نفصل الآداب عن حياة الناسو فهو مرآة المجتمع وتعبير صادق عن أوضاعه، يأتي استجابة لشروط موضوعية وذاتية، يروم المبدع من خلاله الإشارة إلى خلل ما في المجتمع، سواء اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي بغية تصحيحه، وفي تصحيحه تعديل لسلوك الأفراد وبالتالي تحسين أخلاقهم. أو الإشادة بمبادرة ما لتشجيعها والحث على الاستمرار فيها لتجويد حياة الناس مما يؤدي إلى تحسين الأخلاق. أو حتى التعبير عن هموم شخصية وآلام نفسية فهي تجارب انسانية يأخذ القارئ العبرة منها. وكذلك آداب الترفيه عن النفس والفرجة فيه تخليق لحياة البشر ينعكس على سلوكهم وأخلاقهم.

لهذا فالآداب والفن بصفة عامة، يصب في صميم تغيير حياة الناس للأفضل، ويهدف إلى الارتقاء بأذواقهم وتهذيب سلوكهم وتحسين أخلاقهم، لهذا فهو يحمل في عمقه موعظة ما بطريقة أو بأخرى.

ليس الآدب آدبين، بل آداب متنوعة ومختلفة

لا أتحدّث هنا في المساهمة على أنواع الأدب، بل على أبرز اتجاهاته، وتستطيعين أن تذكري لي أي رواية تخطر على بال حضرتك لتري أنّها لم ولن تخرج خارج هذه السياقات مهما كان نوعها وأسلوبها، فهي إمّا أن تكون إنشائية (مثال: أسلوب واسيني الأعرج) أو وصفية (مثال: أسلوب دان براون).

اتفق مع في أن بلزاك عندما قال أن الوظيفة الوحيدة للفن هي الوعظ الأخلاقي أنه قلل دور الأدب الحقيقي من مناقشة قضايا إلى وصف التاريخ وتعريف بالثقافات المختلفة والعالم من حولنا أن يجعلنا نرى العالم من منظور مختلف..

ولكني أيضا لا أفهم سبب اعتراضك على الوعظ الأخلاقي في الأدب وإلا فكيف سيتحسن المجتمع فالأشخاص في الغالب لا يفضلون من ينصحهم بصراحة لذلك يجب أن تأتي النصيحة بشكل غير واضح عن طريق الأدب مثلا ومن ناحية أخرى أليست الاخلاق قضية من الممكن أن تناقش في رواية كما القضايا الاجتماعية والسياسية..

ولكني أيضا لا أفهم سبب اعتراضك على الوعظ الأخلاقي في الأدب

لإنّ الأدب أهم سماته العمق والترفيه والحبكة الدرامية، وهذا الوعظ غالباً ما سيدمّر كل بنيان الرواية ليحوّلها إلى مقالة شبه دراميةومتوقّعة الحدوث، بلا أي أحداث جاذبة.

صديقي ال مجهول لم أرك تتحدث في مساهماتك عن ابرز الاتجاهات الأدبية.التي نعرفها جميعنا.

عن الأدب الإنشائي، فجميع أنواع الإبداع الأدبي بما فيه الرواية، يندرج تحت هذا الصنف بما أن صاحب العمل هو من أنشأه واختلقه.

أما عن الأدب الوصفي، فهو الذي يتخذ الأدب الإنشائي موضوعا له ينقده ويظهر مكامن القوة والضعيف فيه يعني النقد الأدبي وهو في حد ذاته إبداع .