الأخلاق: لماذا نحاول فصلها بينما هي غير قابلة للفصل؟
- akramt
- 2026-01-31T20:15:00+00:00
غالباً ما نصطدم في نقاشاتنا بسؤال جدلي: هل الأخلاق مصدرها العقل المحض؟ أم هي مجرد توافق اجتماعي؟ أم أنها نفعية براجماتية؟
ولكنني ارى ان الأخلاق منظومة متكاملة لا تقبل فصل جزء منها؛ فالدين هو المرجعية الأولى الثابتة وغير المتغيرة للأخلاق، بينما العقل هو الذي يفهم الأسباب والمآلات لكي يطبقها بوعي.
أما المجتمع، فيُعد ميدان اختبار ومراقبة؛ فإذا كان المجتمع مخطئاً، صار اختباراً لقدرة الفرد على تمسكه بأخلاقه، وإذا كان المجتمع صحيحاً، صار مراقباً لضمان الالتزام بالأخلاق المتفق عليها.
بينما المنفعة واللذة تُعدان وسيلة لتطبيق الأخلاق، فوجود "منفعة" في عدم تطبيق الخلق يمثل اختباراً ذاتياً ومستمراً للإنسان؛ فخيرُ المنفعة ما كان مقترناً بالخلق.
ومنه نستنتج أنه لا يمكن للعقل وحده أو المجتمع وحده تكوين منظومة أخلاقية ثابتة وصحيحة، بل يجب شمول الدين والمنفعة معهما في ترتيب صحيح. وكما تقول إحدى مقولاتي:
(المنفعة بدون مبادئ وحش فاسد، ومبادئ بدون منفعة شعارات جامدة، وخير منفعة بمبادئ)
فلا يمكن أسبقية النسبي على المطلق، ولا يمكن الفصل بينهما.
ولكنني أريد أن أسألكم :
في ظل طغيان الماديات اليوم، هل تعتقدون أننا نعيش عصر تأليه المنفعة على حساب المبدأ؟
وهل يمكن للعقل وحده أن يصمد أمام إغراء المنفعة دون مرجعية غيبية (دينية)؟
تغلب المنفعة الان على أى شىء كل منا ينظر الى مصلحته فقط دون اى اعتبار لا نازع دينى وبالتالى لا يوجد نزاع أخلاقى ربما تشترى شيئا لمجرد ريفيو جيد على المنصات ويأتيك أسوأ مما كنت تتصور وقس هذا على أعلب الاشياء التعليم لاتعليم بالمدارس ويلجأ الاولاد للدروس الخصوصية ،المواصلات بمجرد ركوبك يمكن أن يأخذ طريق أطول حتى يكلفك أكثر وهكذا
بالضبط ياأخت تقوى، الأمثلة التي ذكرتِها (المواصلات، التعليم، الخداع التجاري) هي النتيجة الطبيعية لتحول الأخلاق من مبدأ ثابت إلى منفعة متغيرة.
عندما يغيب الوازع الغيبي والوعي، يصبح الآخر مجرد وسيلة لتحقيق ربح سريع.
هنا مقصد قولي: المنفعة بدون مبادئ وحش فاسد فهو ينهش المجتمع من الداخل.
أنا في رأيي الأخلاق منظومة مجتمعية بالدرجة الأولى، والسائد فيها هو ما ينفع المجتمع وليس الفرد، ونعم الثقافة الدينية جزء من البوصلة الأخلاقية بلا شك، وإنما استمرارها هو رغبة المجتمع، يعني هذه الثقافة تخدم المجتمع في كل سياقاته، ولذلك وجودها ضرورة للمجتمع، وعندما يتعارض ذلك مع الأهداف الفردية، هنا يبدأ دور العقل أو المنطق في محاولة تيسير الأمور بنفعية للطرفين. بالنسبة لسؤال تأليه المنفعة، فهذا خاضع لأمور مختلفة، مكانة الشخص في المجتمع ومدى تأثيره، هل منفعته تفيدته وتؤذي الآخرين أم غير مؤثره، هل يعد نفسه فوق السائد في مجتمعه أم لا؟
وأما السؤال الثاني، فلا أظن أن العقل وحده قادرًا على إدارة منظومة الأخلاق دون الدين، لأن الدين من شأنه وضع ضوابط للنفس، وللدوافع السيئة التي قد يتعامل مع العقل بنفعية في منظومة أخلاق أخرى، كمثال أكل البشر في القبائل قديمًا، وحتى ما زال موجودًا في بعض البقاع، وكذلك الأضحيات البشرية طريقةً للحماية من الفيضان مثلًا، كل ذلك كان مشروعًا بالثقافات ومعتقدات تلك المجتمعات سابقًا.
إضافة عميقة يا أخت إيريني. أتفق معكِ تماماً في أن المجتمع هو الحاضن لهذه المنظومة، ومثالكِ عن أكلة لحوم البشر هو خير دليل على أن العقل قد يشرعن الجرائم إذا تجرد من الضابط الغيبي.
ما طرحتِه يجعلني افكر انه إذا كان الدين هو البوصلة، فإن المجتمع هو السفينة التي يجب أن تلتزم بهذا الاتجاه لتنجو من الغرق في بحر النفعية الفردية.
غالبًا ما يُختزل الحديث عن الأخلاق: هل مصدرها الدين، أم العقل، أم المجتمع؟
في الحقيقة، الأخلاق ليست مرجعية واحدة يمكن الرجوع إليها، بل نتيجة تعامل الوعي مع الضرورات البنيوية والجمعية ضمن استعداد داخلي محدد.
الوعي الحقيقي هو من يملك القدرة على إدارة القيود الرمزية والاجتماعية وتحويلها من مجرد قيد إلى شرط يمكّنه من الفعل الأخلاقي الواعي. الدين، العقل، والتقاليد كلّها أنماط رمزية يختبر من خلالها الفرد قدرته على التكيّف، لكنها ليست أصل الأخلاق، بل أدوات لممارستها بنضج ومسؤولية.
المبادئ بلا استعداد ووعي تصبح شعارات جامدة، والمنفعة بلا مبدأ تصبح خاضعة للهوى اللحظي. الأخلاق الحقيقية إذن ليست امتثالًا خارجيًا، بل ممارسة تتشكل في مساحة التوتر التي يحتملها الوعي ويحوّلها إلى فعل واعٍ ومسؤول.
وفي زمن يطغى فيه المادي واللحظي، يبقى السؤال: هل يستطيع الفرد أن يمارس الأخلاق بعيدًا عن الامتثال الأعمى والانغماس في المنفعة، محافظًا على التوازن بين المبادئ وقدرته على تحملها واستخدامها بوعي؟
أهلاً ياأخي طلال، طرح فلسفي عميق. لكن ألا ترى أن جعل الوعي الفردي هو المحور يجعل الأخلاق نسبية بامتياز؟
إذا كان الدين والتقاليد مجرد أدوات رمزية وليست أصولا، فمن الذي يضمن أن هذا الوعي لن يشكّل أخلاقه وفقاً لمنفعته الخاصة تحت مسمى النضج؟
الوعي بدون مرجعية عليا (ركيزة) هو كالقبطان الذي يملك سفينة رائعة لكنه لا يملك خريطة أو بوصلة؛ سيمارس مهارة القيادة ببراعة، لكنه قد يقود الجميع إلى الهاوية.
مثال:
المتطرف لايرى نفسه مجنونا ولكن واعيا فهل هو اخلاقي؟
والنرجسي يرى نفسه واعيا فهل هو اخلاقي؟
أهلاً أخي أكرم، شكرًا على تعليقك العميق.
صحيح أن التركيز على الوعي الفردي يطرح سؤال النسبية، لكن من منظور فلسفي، أخلاق البشر تاريخيًا قائمة على المنفعة المتبادلة، فهي الطريقة التي نظّم بها الإنسان علاقاته مع الآخرين.
ما يميز الفعل الأخلاقي الحقيقي هو أن الفرد يستخدم وعيه لإدارة هذه المنفعة بوعي ومسؤولية، بدل أن ينساق وراء رغباته الخاصة أو مكافآت خارجية.
المتطرف أو النرجسي قد يظن نفسه واعيًا، لكنه يفتقر إلى القدرة الداخلية على تحويل القاعدة المشتركة للمنفعة إلى فعل أخلاقي مسؤول، لذا لا يمكن اعتباره أخلاقيًا حقًا.
أخي طلال، بهذا المنطق فنحن نجعل الأخلاق مجرد سوق مقايضة يفتقر للقواعد.
إذا كانت المنفعة هي الأصل، فمن يضمن لي ألا يغير السوق شروطه غداً ويصبح القتل فضيلة إذا حقق منفعة جمعية؟ (كما حدث في بعض الأيديولوجيات). الوعي الذي تتحدث عنه هو ساعي بريد وليس مرسلاً؛ هو ينفذ ولا يشرع. بدون ركيزة سماوية مطلقة، الوعي ليس إلا آلة حاسبة للمصالح، والآلة الحاسبة لا تملك قلباً ولا ضميراً.
فلو كانت المنفعة والوعي يحدد الأخلاق فإن كانت جريمة مفيدة لي ولايمكن لأحد معرفة أنني فعلتها فهل من الأخلاقي أن أفعلها؟
لو كان كذلك لكان القاتل المتسلسل عقلانياً وواعياً في حساباته وفق منطق المنفعة، فكيف نصفه بأنه غير أخلاقي إذا كان لا يوجد قانون فوق الوعي والمنفعة يحاسبه؟
طرحك في الصميم ويلامس جوهر المعضلة. لكن دعني أوضح أن الوعي في منطقي ليس "ساعي بريد" ينفذ الأوامر، بل هو المشرّع الداخلي الذي يدرك وحدة المصير الإنساني.
المنفعة التي أتحدث عنها ليست "مقايضة" أو أنانية ضيقة، بل هي "المنفعة الوجودية الشاملة". القاتل المتسلسل ليس عقلانياً ولا واعياً، بل هو "جاهل" بالمعنى الفلسفي، لأنه يهدم العقد الاجتماعي الذي يحمي بقاءه هو شخصياً؛ فمن يشرعن الجريمة اليوم، يشرعن وقوعها عليه غداً.
أما عن "الجريمة المستترة"، فالوعي الحقيقي يدرك أن تشويه "الضمير" هو خسارة وجودية لا تعوضها أي مكسبة مادية. الفعل الأخلاقي هو ما تفعله حين لا يراك أحد، لا خوفاً من "سوق" أو "عقوبة"، بل لأنك تدرك أن كرامتك كإنسان تكمن في سموك فوق الغريزة. الأخلاق هي "نضج الوعي" لدرجة نرى فيها أن إلحاق الضرر بالآخر هو ضرر مباشر لإنسانيتنا نحن قبل كل شيء.
يا أخي طلال، ما تتحدث عنه هو أخلاق النخبة أو الفيلسوف المستنير.
الواقع يقول إن الوعي البشري متفاوت، متغير، ومتأثر بالبيئة والنشأة؛ فإذا جعلناه هو المشرع والمحور، فنحن نغامر بجعل الأخلاق نسبية بامتياز.
المشكلة ليست في الوعي الحقيقي بل في مرجعية الوعي.
إذا لم نملك منهجاً ثابتاً ومطلقاً (ركيزة)، فمن الذي يملك سلطة إقصاء وعي القاتل أو المتطرف ووصفه بالجهل؟ هو أيضاً يرى وعيه حقيقياً ومنفعته وجودية من منظوره.
الوعي محرك عظيم، لكنه يحتاج إلى قضبان يسير عليها لئلا ينحرف؛ وهذه القضبان هي الوحي الثابت المتاح للجميع بالتساوي، لا لخاصة الخاصة ممن يملكون ترف النضج الوعوي.
بدون ركيزة سماوية، يظل الوعي قاضياً يحكم في قضية هو أحد أطرافها!
- حذف بواسطة المستخدم
طغيان المادّيات هو الامتحان الأقسى لعصرنا، إذ تتراجع لدى الكثير القيم أمام حسابات المنفعة.
والعقل إذا انفصل عن مرجعيةٍ إلهيةٍ تضبطه، تهاوى عند الأزمات؛ فتشهد الحروب أن الأخلاق لا تصمد إلا مكرهة، ولا تُحترم إلا حين يصبح انتهاكها أشدّ كلفة من الالتزام بها.
- حذف بواسطة المستخدم
جميل جداً ما ذكرت.. وصفتَ المنفعة بأنها تُنقص 'نور العقول'، وهذا يتسق مع رؤيتي للمنفعة المجردة كـ 'وحش فاسد'. فالعقل الذي يبصر المادة فقط هو عقل محدود الرؤية.
ولكن سؤالي لك: كيف يمكن للعقل أن يستعيد هذا النور في اللحظة التي تضغط فيها المنفعة المادية عليه بقوة؟ هل يكفيه الإيمان بالمبدأ، أم يحتاج لآلية تفكير تحسب له العواقب؟
هناك اخلاق اساسية متفق عليها مصدرها الفطرة والعقل دائمًا .. والمجتمع والعاطفة والنفعية غالبًا ..
وهناك تفصيلات اخلاقية مصدرها الوحي .. وقد توافق العقل والمجتمع والعاطفة والنفعية في كثير من الأحيان ..
كلام الفلاسفة جمع الامرين في بوتقة واحدة ..
هذه بالنسبة للشطر الاول من كلامك ..
أهلاً محمد، فكرة 'اخلاق اساسية متفق عليها مصدرها الفطرة والعقل دائمًا' تبدو متماسكة نظرياً، لكن الواقع يُثبت أن العقل البشري بارع جداً في التبرير. العقل قد يرى الشيء شراً في أصله، ولكن لأن إرادة الإنسان تريد فعله لنفعٍ ما، يقوم العقل بصناعة منظومة تبريرية ليقنعنا أنه خير وهذا ما نراه في شرعنة الحروب أو الاستغلال تحت مسميات عقلانية.
لذا، لا يمكن الاعتماد على العقل كمرجع للأساسيات؛ لأنه كائن متغير بتغير المصالح.
نحن بحاجة لـ مرجعية الوحي (المطلق) ليس من أجل 'التفصيلات' فقط كما تفضلت، بل لكي تكون هي البوصلة الثابتة التي تحمي العقل من خداع نفسه وتبرير أهوائه.
جميل يا محمد، لكنك هنا وضعت شرطاً مثالياً يصعب قياسه في الواقع: (العقل السليم غير المشوه).
سؤالي هو: كيف يعرف هذا العقل أنه 'سليم' وغير 'مشوه' إذا لم يكن لديه بوصلة خارجية ثابتة (الوحي) يقيس عليها؟
العقل بدون الوحي هو كالعين في الظلام؛ هي سليمة وموجودة لكنها لا ترى شيئاً حتى يأتي الضوء. لذا، المحاججة العقلية التي ذكرتَها في القرآن وظيفتها التصديق والفهم، لكن التشريع والتأسيس للمبادئ يبقى للمطلق. فبدون الوحي، سيظل كل إنسان يدّعي أن عقله هو 'السليم' وأن الآخرين 'مشوهون'، ونعود لصراع الأهواء والمنفعة.
اسحب كلمة (السليم غير المشوة) لأنه نتيجة، وهو قد يستخدم في تفصيلات الشريعة أكثر كمثل حديث "استفت قلبك"
وخذ (المتجرد الباحث عن الحق)
وطبق عليها الاخلاق العامة:
كل عقل متجرد يعرف أن الكذب والغش والظلم اخلاق سيئة ..
لكن الاخلاق التفصيلية لا يعرفها العقل المتجرد
فقد لا يعرف أن الغيبة خلق سيء .. قد يراها من مجريات التواصل مع الاخرين والتنفيس عن الضيق من شخص ما
وكذلك قد يرى بيع الانسان على بيع أخيه سوقًا حُرّة ..
وهكذا
المشكلة يا محمد أن التجرد حالة ذهنية ادعائية، وليست معياراً موضوعياً.
فكل الأطراف المتصارعة في التاريخ ادّعت أنها متجردة وتبحث عن الحق، ومع ذلك استحلوا الدماء والظلم تحت مسميات عقلانية. العقل حتى لو سميناه متجرداً يظل حبيس المعلومات التي تصله والبيئة التي تشكل فيها.
إذا تركنا للعقل تحديد الأخلاق العامة مثل العدل والظلم دون مرجع مطلق، سيتغير تعريف العدل من قرن لآخر ومن شخص لآخر (وهذا ما نراه في تبدل القيم العالمية اليوم).
لذا، الوحي ليس ضرورة للالتفصيلات فحسب، بل هو الذي يعرّف المصطلحات الأساسية (ما هو العدل؟ ما هو الحق؟) لكي لا يتركها نهباً لتجرد العقول المزعوم الذي يميل مع الهوى والمصلحة.
وكمثال لو اتبعنا ان العقل المجرد هو من يحدد الاخلاق فسنجد نفسنا في هذا:
الصهيوني يقول ان طرده وقتله للفلسطيني اخلاقي لانه يستعيد حقه في أرضه التاريخية المزعومة..
والسارق سيرى سرقة الغني عدالة اجتماعية وليس خطأ..
ومنه العقل مثلما بارع في ايجاد حلول هو بارع في تبرير الأخطاء ولو اعتمدنا عليه بدون وحي مطلق فكان الجميع مشتت وهذا مايحدث في الآونة الأخيرة بعد فقدان الوحي كركيزة في الأخلاق.
انت تتكلم عن نظام .. وهذا لا يكون إلا للوحي ..
الفلاسفة فيما أظن كانوا يتكلمون عن مصدر الاخلاق (الشخصي) وهو ما أقصده ..
يعني إذا أراد الإنسان أن يصوغًا قيمًا داخلية لا ليفرضها على الناس .. ولكن لتكون رأيًا يدعو إليه ويتبناه عملًا بنفسه (فإذا كان متجردًا للحق لن يصل في الأخلاق الأساسية لغير ما وصل له غيره)
ولا حظ انك قلت:
1- (ادعت) وانا اتكلم عن باحث عن الحق
2- (حبيس المعلومات) انا اتكلم عن اخلاق عامة .. وليس عن حالات خاصة لهذه الاخلاق في ظروف معينة .. فالكذب قد يجوز في العقل وفي الوحي في حالات خاصة .. وهذه (تفصيلات، لا يعرفها إلا الوحي)
3- (العقل المزعوم الذي يميل …) وانا اتكلم عن باحث عن الحق لنفسه اولا
…
لو قلت لك: إن قتل انسان لانسان بريء ظلم .. هل سيتفق العقلاء المتجردون على انه ظلم أم سيخالفهم غيرهم؟ وبأي دعوى يخالفونهم؟
يا محمد، سؤالك الأخير هو مربط الفرس! لقد قلت: (هل قتل إنسان بريء ظلم؟).
كلمتا 'بريء' و 'ظلم' هما بالضبط ما أتحدث عنه.
العقل البشري حتى المتجرد لا يختلف على أن قتل البريء خطأ، لكنه يختلف جذرياً على من هو البريء؟.
الصهيوني يرى أن المقاوم ليس بريئاً وبالتالي قتله ليس ظلماً. الطاغية يرى أن المعارض ليس بريئاً بل خائن، وبالتالي قتله عدل.
هنا تنهار فكرة التجرد الشخصي؛ فإذا لم يحدد الوحي (المطلق) تعريفات ثابتة للمصطلحات (من هو البريء؟ ما هو الحق؟)، سيظل كل باحث عن الحق يعرّف البراءة والظلم وفقاً لزاويته الخاصة، وسنظل في دوامة التبرير.
لذا، الوحي ليس نظاماً للمجتمع فقط، بل هو 'قاموس المصطلحات' لعقل الفرد، وبدونه، سيمارس العقل التجرد في فراغ، وسينتهي به المطاف لتبرير أهوائه بأسماء منمقة.
والوحي يعد نظاما للفرد قبل المجتمع.
إذا قلت ذلك فسيكون هناك اشكال في بعض الاستدلالات الشرعية نفسها ..
فمثلا:
كيف يمكن إدانة الوائد ابنته "وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت"؟ مع أن الاية تتكلم عما قبل الاسلام مما وقع في الجاهلية ..
وكذلك:
مخالفة العمل للقول خلق سيء عقلا ..
وفي القران الكريم "اتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم … افلا تعقلون"
فلو صحّ ماقلت لردّ المخاطبون الاستدلال بان دلالة العقل فضفاضة
شفت يا اخي محمد :
"وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت"؟ مع أن الاية تتكلم عما قبل الاسلام مما وقع في الجاهلية ..
المسائل ليست بهذه السهولة .. كثير جداً من الايات استوقفتني ولما أقرأ التفاسير الرسمية ازداد حيرة .. انت نفسك الان ذكرت المعضلة لماذا يتطرق القران لشئ كان اصلاً في الجاهلية؟
وصدمت عندما بحثت عن التفسير في مصادر أخرى .. المعنى يختلف تماماً ويبدو منطقياً .. ولكن لاحظت ان السلفية لا يطيقون سماع هذا التفسير وبل قد يحكمون عليك بالشيوعية والنازية والردة وووو ..
فهل تطيق تفسير الآية
هو يخدم وانا ارتحت شخصيا بعد عرفت الحاصل ولماذا تبدو ايات القران احيانا غير منطقية وغير مفهومة .. الامر بسيط وهو الانسان كائن معقد جدا ولديه مصالح ومواقف وممكن يراعيها حتى ولو على مصلحة القران ..
صدقني لا ينفع ان انقل لك .. انا اشرت الى ان هناك زوايا خرى وانت ابحث لان الموضوع "خطير"
خالص التحية اخي محمد
أهلاً بك يا أخي إكس مان .. كلامك يفتح باباً مهماً جداً: هل المشكلة في (المطلق/الوحي) نفسه، أم في (العقل) الذي يفسره؟
ما أشرتَ إليه بخصوص 'المصالح وتغيير المعاني' هو في الحقيقة أكبر دليل على أهمية مرجعية الوحي!
فعندما يتدخل العقل البشري بمفرده ليُخضع النص لمصالحه (كما فعل بعض المفسرين أو أصحاب الأيديولوجيات)، فإنه يمارس نفس الخديعة خطيرة: 'تطويع المطلق ليخدم النسبي'.
لذا، الحل ليس في التخلي عن الركيزة المطلقة (الوحي)، بل في تحريرها من سجن الأهواء البشرية. الوحي يظل هو البوصلة الثابتة، وإذا أخطأ البشر في القراءة، فالعيب في العين لا في المسطرة.
ولهذا نحتاج لمرجع ثابت نتحاكم إليه جميعاً حتى لو اختلفنا في فهمه. أما بالاعتماد على العقل أو الوعي فقط، فنجعل لكل إنسان مسطرته الخاصة؛ وهنا لن نجد أرضية مشتركة أبداً للحكم على الصهيوني، أو الوائد، أو الطاغية، لأن كل واحد منهم سيملك تفسيراً عقلياً يبرر به فعله.
الأخلاق بلا وحي مطلق هي مجرد آراء، وبالوحي تصبح حقائق.. حتى لو اجتهد البشر في فهمها.
- الله سبحانه ووتعالى قال: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً" هذا صحيح، فالشريعة بعمومها لا يمكن معرفتها إلا ببعث الرسل ..
لكن لا يمنع أن يكون هناك بعض الأخلاق العامة التي لا يختلف عليها اثنان، لكن لأن الشريعة محصورة على عدد محدود من الآخلاق العامة، بل هي شريعة كاملة فيها آلاف التفاصيل، وفيها معتقدات كبيرة عامة لا تعرف إلا عن طريق الوحي لم يُعذّب الله سبحانه أحدًا حتى يبعث رسولاً ..
فلو كانت الرسالة مقتصرة على معرفة سوء الظلم والغش والقتل والسرقة لم يُحتج لبعث رسول ليُبيّن ذلك.
- أنت تقرّ في مثال سابق على أن الناس متفقين مثلاً على أن قتل البريء خطأ .. ولكنهم مختلفون في تفسير من هو البرئ ..
طيب: معناه أن العقل أنتج حكمًا مقبولاً لدى الجميع .. لكن المشكلة في تطبيقه، فمعناه القبول بمصدرية العقل ..
- آية "أتأمرون الناس بالبر" ليست المشكلة في تحديد البر، فتلك مهمة الشريعة .. الموضوع الاتفاق على قبح مناقضة القول للعمل
- مخالفة تطبيق الأخلاق الواضحة مكابرة لا يُعفى عنها .. حتى في الشريعة .. فالذي يؤولون بعض النصوص تأويلات بعيدة لا يُقبل تأويلهم وهم محاسبون على فعلهم ..
ولو سلمنا بتأويلات العقول وجدواها في التنصل من الخطأ والعقاب الألهي فلن يبقى شيء يحاسب عليه الإنسان .. فبعض الفرق وبعض الأفراد المنسبين للإسلام لا يرون كفر أحد من الناس، حتى إبليس عندهم مؤمن لأن الإيمان عندهم مجرد المعرفة ..
وحين ضربت مثلاً لقتل البرئ انجرّ الموضوع إلى قتل الإسرائيلي للفلسطيني .. دعك من هذا وهب هذا الموضوع مما تختلف فيه العقول .. لكن لو قتل شخصًا شخصًا آخر .. وقال: وجهت نظري أنني أحق منه بالحياة أو لأجل أني أتلذذ بقتله .. هل سيقبل هذا العذر منه عند أهل العقول أم أن العقلاء مجمعون على شناعة فعله ..
يا محمد، أنت تقع في مغالطة (العقل المثالي).
أنت تفترض وجود عقل بشري في غرفة زجاجية بعيداً عن الهوى، بينما العقل في الواقع هو ابن البيئة والمصلحة.
تقول إن المشكلة في التطبيق لا في مصدرية العقل.
لكن يا صديقي، إذا كان العقل هو المصدر وهو المطبق في آن واحد، فمن الذي سيحكم على خطأ التطبيق؟ سنعود لدوامة النسبية.
أما مثالك عن الذي يقتل لأنه يتلذذ: في عالم مادي لا يؤمن بالوحي، قد يقول لك هذا القاتل: 'وعيي يخبرني أن لذتي هي أقصى منفعة لي، ومنفعتي فوق العقد الاجتماعي'. بأي منطق ستحاكمه؟ بمنطقك أنت؟ هو سيرى منطقك مجرد رأي وليس حقيقة، لأنك ألغيت المرجع المطلق (الله) الذي يضع قانوناً فوق وعيي ووعيك.
ومنه العقل 'مكتشف' للجمال والقبح ولكنه ليس 'مخترعاً' لهما. الوحي هو الذي يضع القالب، والعقل هو الذي يملؤه بالوعي. وبدون القالب (الوحي)، يسيح وعي البشر ويصبح القتل وجهة نظر كما نرى في فلسفات ما بعد الحداثة اليوم.
يا محمد، لم يكن هناك زمن بلا وحي أصلاً ليكون الظلم فيه حلالاً!
فمنذ أول إنسان (سيدنا آدم)، وضع الله الركيزة الأخلاقية عبر الوحي.
وما تراه في الجاهليات ليس غياباً للدين، بل هو انحراف عن الوحي الأصلي وتشويه له بواسطة العقل الذي اتبع الهوى
لذا، العقل لم يخترع الأخلاق في أي عصر، بل كان دائماً إما مستجيباً للوحي (فيكون صالحاً) أو متمرداً عليه (فيكون مشوهاً كما في الوأد).
كيف نختلف على مصدر الأخلاق ونحن نؤمن أن أول إنسان (آدم) لم ينزل للأرض إلا وهو مزود بوحي ومعرفة أخلاقية كاملة من الله؟ الأخلاق لم تكن يوماً تجربة عقلية بشرية، بل كانت دائماً أمانة إلهية نزلت مع الإنسان، وكل ما فعله العقل لاحقاً هو إما الحفاظ على هذه الأمانة أو خيانتها بتبريرات واهية.
يا محمد، استدلالك بآية الملائكة يثبت لي وجهة نظري تماماً.
الملائكة لم يكتشفوا قبح سفك الدماء بعقل تجريبي، بل بعلمٍ لدنيّ محكم.
المشكلة التي نهرب منها هي: من يملك سلطة 'التعريف'؟
العقل يقول: (الظلم قبيح)، لكنه يعجز عن تعريف الظلم دون غرض.
الوحي يقول: (هذا هو الظلم) ويضع له حدوداً ثابتة لا تتغير بتغير ميزان القوى.
أنت تريد جعل الميزان هو عقل الإنسان، ونفسه الإنسان هو المادة التي توزن، فكيف يكون هو الميزان في نفس الوقت؟ الميزان يجب أن يكون من خارج النظام البشري.. يجب أن يكون وحياً.
وملاحظة (خيانتها بتبريرات واهية) هنا هو الفساد بعينه لأنه أنزل الحق للأرض ولكن البشر شوهوه بتبريرات عقلية.
يا محمد، الدليل على أن علمهم لدني هو قولهم الصريح في نفس السورة: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا).
فكل حكم أطلقه الملائكة على "سفك الدماء" بأنه "فساد" هو فرع عن علم الله الذي علمه لهم، وليس اختراعاً عقلياً مستقلاً.
أما بخصوص من سكن الأرض قبل آدم (كالجن مثلاً)؛
فوجودهم يقوي حجتي ولا يضعفها. لماذا؟ لأن هؤلاء كانوا مكلفين، والتكليف يقتضي وجود وحي يحدد لهم الخير والشر. فالملائكة لم يكتشفوا قبح القتل بعقل تجريبي، بل رأوا عاقبة مخالفة الوحي عند من سبق.
إذن، نحن نعود لنفس النقطة: لا يوجد تعريف للظلم والفساد خارج دائرة التعليم الإلهي (الوحي). حتى الملائكة لم يصفوا الفعل بالفساد إلا لأن الله علّمهم أن هذا الفعل يبغضه ويخالف أمره. فكيف تريد من عقل الإنسان القاصر أن يتفوق على الملائكة ويضع هو الميزان؟
طبعًا .. كل ماذكرته عمن تكليف من سكن الارض في حيّز الممكن الذي ليس عليه دليل واضح .. لاني لا اعلم احدًا قال: انه يوجد نبي قبل آدم عليه السلام ..
فلذا نرجع الى مثال اوضح ..
لو أن أناسًا نشؤوا في غابة ولم يختلطوا بأي أحد ..
أليس الغالب أن صفات الظلم والفساد ستكون مذمومة وأن صفات الصدق والاحسان ستكون محمودة؟
فكيف حصل لهم ذلك دون أن يتلقوا من مصدر وحي ؟
يا محمد، الفطرة هي بذور زرعها الله، لكن الوحي هو النور والماء الذي يجعلها تنمو بشكل مستقيم.
تأمل في الواقع: لماذا تشرعن دول متحضرة اليوم (تملك عقلاً وفطرة) أفعالاً كانت بالأمس قبائح؟ لأن الفطرة إذا تُرِكت دون مرجع غيبي منفصل (وحي)، فإنها تتشوه وتتأثر بالبيئة والمصلحة والشهوة حتى تشرعن القبح وتسميه حرية أو حقاً.
إذن، نحن نعود لنفس النقطة: الإنسان لا يمكن أن يكون هو المسطرة التي يقيس بها استقامة نفسه.
أهلاً محمد. استدلالك بآية الموؤدة هو تحديداً مربط فرس!
أهل الجاهلية الذين كانوا يئدون البنات لم يكونوا يرون أنفسهم ظلمة، بل كانوا يرون ذلك حماية للعرض أو درءاً للفقر. عقلهم في تلك البيئة صوّر لهم الجريمة كأنها مصلحة أو خلق.
القرآن لم يأتِ ليؤكد ما قرره عقلهم، بل جاء ليصدم عقلهم بمعيار مطلق (بأي ذنب قتلت؟). القرآن هنا هو الذي أعاد تعريف 'الذنب' و'البراءة' لأن عقلهم كان قد شوهها.
أما آية (أفلا تعقلون)، فالخطاب موجه لمن يملك بقايا وحي أو من تصله الحجة، والعقل هنا وظيفته الاتساق وليس التشريع. العقل يخبرك أن التناقض خطأ، لكنه لا يخبرك ما هو البر أصلاً؛ الوحي هو من حدد البر، ثم جاء العقل ليفهم ويطبق.
باختصار العقل مستقبل للحق وليس مصنعاً له. لو كان العقل كافياً لإدانة الوأد، لما احتاج الله لإرسال الرسل وتنزيل الكتب لنهيهم عنه؛ فإرسال الرسل هو الدليل الأكبر على أن العقل قد يضل ويشرعن الجرائم إذا تُرِك وحده.
مجتمع لمناقشة واستكشاف الأفكار الفلسفية. ناقش المفاهيم، النظريات، وأعمال الفلاسفة. شارك بأسئلتك، تحليلاتك، ونصائحك، وتواصل مع محبي الفلسفة لفهم أعمق للحياة والمعرفة.