الفصل الرابع

كل شيء في الوجود يبدو أنه “هو”،

إلا الإنسان… يبدو وكأنه يحاول أن يكون.

هو الكائن الوحيد الذي لا يسكن صورته،

بل يطاردها كما يطارد الحلم نفسه حين يهرب عند الفجر.

كأنّ الإنسان لم يُخلق ليعيش،

بل ليحلم أنه يعيش.

منذ أن نظر الإنسان إلى الماء فرأى انعكاسه،

وهو لا يرى نفسه أبدًا،

بل يرى ما يظن أنه هو.

ومنذ أن قال "أنا"،

انقسم إلى اثنين:

الذي يقول، والذي يُقال عنه.

ومنذها، ظلّ يبحث عن نفسه بين الكلمتين،

ولم يجد إلا الصدى.

الإنسان لا يسكن العالم،

بل يسكن وهمًا متحركًا يسمّيه “حياته”.

إنه ينسج حوله شبكةً من الأسباب والمعاني،

ثم يصدقها،

ويعبدها،

ويخاف فقدانها كما يخاف الطفل من استيقاظه من حلمٍ جميل.

لكن ما الإنسان سوى فكرةٍ تراود الوعي؟

إنه صورةٌ افتراضية نُقشت على جدار اللاموجود،

تبدو حقيقية لأنها تتألم.

الألم هو البرهان الوحيد الذي يملكه الإنسان على وجوده،

لكنّه برهانٌ مزيّف،

فهو لا يدلّ على الحياة، بل على صراع الحلم مع يقظته.

إن الإنسان يحلم بأنه حر،

لكنّ حرّيته لا تتجاوز قدرة الحلم على تغيير مساره.

هو يختار، نعم،

لكن اختياره يحدث داخل نصٍّ كُتب قبل أن يولد.

كل ما يظنه بداية هو تكرار،

وكل نهايةٍ ليست إلا فصلًا من وهمٍ أطول.

العجيب أن الإنسان هو الكائن الذي يشتاق إلى ما لم يعرفه،

ويحزن على ما لم يملكه،

ويخاف مما لم يحدث.

كأنّ وعيه آلة لصناعة الفقد.

إنه لا يعيش كي يكون،

بل يعيش ليُدرك أنه لم يكن بعد.

كل إنسانٍ هو إلهٌ ميت في طور النسيان.

نُفي من كماله إلى ذاته،

وصار عليه أن يخلق المعنى بيديه كي يبرّر سقوطه.

لذا يخترع الإله، ويكتب الكتب، ويبني الأخلاق،

لا ليقترب من الحقيقة،

بل ليحمي نفسه من الفراغ الذي يتهدده في الداخل.

لو توقف الإنسان لحظةً عن الحلم بنفسه،

لانطفأت صورته كما ينطفئ ضوء المرآة إن غاب الوجه عنها.

لكنه لا يستطيع.

فالحلم هو وجوده،

والاستيقاظ هو فناؤه.

إنه الكائن الذي لا يحيا إلا وهو نائم في فكرته.

وهكذا،

يبقى الإنسان شاهدًا لم يشهد شيئًا،

يحكي قصة لم تبدأ بعد،

ويحلم بحقيقةٍ لا وجود لها إلا في خوفه منها.

هو الكائن الذي حلم أن يكون،

فصار وهمًا يمشي،

يبحث عن حلمٍ أكبر ليختبئ فيه من نفسه.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

العجيب أن الإنسان هو الكائن الذي يشتاق إلى ما لم يعرفه،
ويحزن على ما لم يملكه،
ويخاف مما لم يحدث.

نعم أتفق معك؛ ذلك أن في الإنسان مكون سماوي عنصر متعالي عن ثقل الطين وهو الروح تلك النفخة الإلهية التي بها الوعي وبها التعقل وبها الشعور. لذلك فالفضول البشري لن ينطفأ طالما الإنسان إنسان أما الحزن و الخوف فهما أيضًا من متعلقات كونه إنسان وليس حيوان ولم نرَ أو نسمع بأن بهيماً حزن على ما لم يملكه او سعى خلفه أصلاً او خاف من المستقبل أو توقع شراً أو تفائل لأنه رهن لحظته وغريزته فقط لا غير.

كل إنسانٍ هو إلهٌ ميت في طور النسيان.
نُفي من كماله إلى ذاته،
وصار عليه أن يخلق المعنى بيديه كي يبرّر سقوطه.
لذا يخترع الإله، ويكتب الكتب، ويبني الأخلاق،
لا ليقترب من الحقيقة،
بل ليحمي نفسه من الفراغ الذي يتهدده في الداخل.

كيف يكون إله ميت في طول النسيان؟! لم أفهم في الحقيقة أخي. ثم كيف صار يخلق المعنى بيديه ليبرر سقوطه؟! ما أعمله أنه يبحث عن المعنى بما فيه من عنصر سماوي مفارق للعنصر الأرضي فهو دائم البحث عن المعنى لأنه مفطور على ذلك.

لا أفهم هل تقصد يخترع اﻵلة أم الإله؟! أما الأولى فأفهمها أما الثانية فنحن لا نخترع الإله ولكن نُحس بالحاجة إلى وجوده ونشعر به ونحب أن يكون موجود وشوقنا هذا قابله وجود حقيقي في الخارج. وكوننا نبني المعاني لأننا لا نطيق حالة العبث أو نكون عبثيين أو نعيش في عالم بلا معنى دليل على وجود الإله في الخارج. ثم إن إلا ترى أن تأصل الفكرة في العقل البشري منذ وجوده دليل على صداها خارجنا فهي ليست فكرة ذاتية بل له مقابل موضوعي خارجنا؟

khouloud_benzeghba أضف ردا
العجيب أن الإنسان هو الكائن الذي يشتاق إلى ما لم يعرفه،
ويحزن على ما لم يملكه،
ويخاف مما لم يحدث.
كأنّ وعيه آلة لصناعة الفقد.

في اعتقادي أن هذا أروع ما في الأنسان فعلا، أنه يتحرك نحو المعنى الذي يخلقه هو نفسه، وحتى وإن كان يتحرك نحو الوهم، في النهاية الوهم صناعة ، وليس هناك كائن غير الإنسان قادر على خلق شيء جديد ، بالاضافة الى السحر الأكبر وهو سحر المشاعر الناتج عن خلق المعنى، فالانسان هو المخلوق الوحيد القادر على العيش في فقاعة مشاعر يختارها بنفسه، أنه الوحيد الذي يعرف المعاناة، الحب، الشوق، والكره، الانسان هو الخالق الصغير الذي يخدع بنفسه بعبقرية، ثم يبكي من الخداع.