"من أكرمك فأكرمه، ومن استخفك فأكرم نفسك عنه."

الكرم هنا ليس مالًا ولا مجاملة فارغة، بل هو اعتراف صادق بقيمتك. حين يراك الآخر بعين التقدير، حين يُنصت لك دون استخفاف، حين يمنحك مكانك دون أن تطلبه… فذلك كرمٌ يستحق أن يُردّ بكرمٍ مثله، لا لأنك مدين، بل لأن النفوس الراقية تتقن فنّ التوازن، فلا تُفرّط ولا تُبخس.

أما الوجه الآخر، فهو أكثر قسوة ووضوحًا: الاستخفاف.

الاستخفاف ليس كلمة جارحة فقط، بل شعور يتسلل في نبرة الصوت، في تجاهلٍ متكرر، في تقليلٍ من شأنك كأنك هامش في حياة الآخرين. وهنا، لا يكون الرد بالضجيج ولا بالمواجهة المستميتة لإثبات الذات، بل بفعلٍ أرقى وأصعب: الانسحاب الواعي.

أن تُكرم نفسك عن من يستخف بك، يعني أن تدرك أن البقاء في موضع التقليل إهانةٌ مؤجلة، وأن المغادرة في وقتها نجاة. يعني أن تختار الصمت حين يصبح الكلام استنزافًا، وأن تبتعد حين تصبح القرب خسارة. ليس هروبًا، بل حفاظًا على ما تبقى من احترامك لذاتك.

المشكلة أن كثيرين يخلطون بين الطيبة والتنازل، بين الصبر والإهانة. يظنون أن الاستمرار في علاقة غير متكافئة فضيلة، بينما هو في حقيقته استنزاف بطيء للكرامة. فلا كل من ابتسم لك صادق، ولا كل من بقيت لأجله يستحق هذا البقاء.

في النهاية، العلاقات ليست ساحة لإثبات أنك قادر على التحمّل، بل مساحة لتكون فيها إنسانًا كامل القيمة.

فإن وُجد الكرم، فبادله بما يليق.

وإن حضر الاستخفاف، فلا تُحاول إصلاح ما لا يُحترم… بل أصلح موقفك منه.

لأن أعظم أشكال الكرامة، أن تعرف متى تقترب… ومتى تنسحب.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

المشكلة أن كثيرين يخلطون بين الطيبة والتنازل، بين الصبر والإهانة. يظنون أن الاستمرار في علاقة غير متكافئة فضيلة، بينما هو في حقيقته استنزاف بطيء للكرامة. فلا كل من ابتسم لك صادق، ولا كل من بقيت لأجله يستحق هذا البقاء.

هذه خلاصة قد نصل لها بعد العديد من التجارب التي نعيشها وتعلم علينا، ليس سهلا على الشخص الطيب أو ذو النوايا الجيدة أن يدرك هذا من أول تعامل، هذه الشخصية غالبا تعاني وتجرح كثيرا قبل أن تفهم هذا، فأحيانا نتنازل لأننا نريد أن نكمل أو ظنا منهم أن هذا التنازل وسيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن بالواقع وإن حتى حدث ذلك واستمرت العلاقة ستسمر فقط على أكتاف هذا الشخص لا أكثر والطرف الثاني سيكون مثل الطفيلي الذي يتغذى على طيبة الطرف الأول وهذه وحدها مأساة

هذا ما دفعني لقولي هذا ،وأكثر ما دعاني للتأمل في هذا القول الجزء الثاني منه ،

"من استخفك فاكرم نفسك عنه"

في الشق الأول يتناول فعل طبيعي بديهي في إكرام من أكرمك وانا بطبعي احب خدمة الناس وأشعر بالسعادة لذلك ومن يكرمني يحرجني لاني احتار كيف ارد له معروفه.

اما الشق الثاني من يستخف في معروفي او يستغل طيبة نفسي وبالبلدي كده "يعض الايد لتمدتلو " ده إكرام النفس في الاعراض عنه والا سوف يستنذفنا ويرهقنا ويخلي عيشتنا طينة 😂😂😂

بصراحة لي رأي آخر، فأنا لا أرى أن من يستمع لنا أو يبادلنا المعاملة الجيدة كرم منه، بل هو شيء نستحقه، أو على الأقل طبيعي، فكما اهتممت أنا بالشخص ووقفت بجانبه واستمعت لهمومه ومشاكله فمن المفترض أن يفعل ذلك معي أيضًا لتكون هناك علاقة حقيقية، أما العلاقة التي يعطي فيها طرف واحد كل شيء بينما الآخر يستقبل فقط، هي علاقة من طرف واحد والانسحاب يكون في أوقات كثيرة أفضل.

لا أراه حق لأنه لم يطلب منا أن نقف بجانبه أو نهتم به نحن من نختار الاهتمام والدعم من أنفسنا سواء بدافع شخصي أو أخلاقي هذا كان اختيارنا نحن فإذا قابله بنفس الاهتمام فهو كرم وتبادل جميل وليس حق واجب على الطرف الآخر

ازرعْ جميلاً ولو فِي غَيرِ مَوضِعهِ فَــلا يَضيـعُ جَميــلٌ أينَمــا زُرِعــا إنَّ الجَميـلَ ...

رأيك يصب في بحر المقال ولو تأملتي طيات العنوان لرأيتي ما قلتي ينطوي داخله

من أكرمك أكرمه ومن أستخفك أعرض عنه

حدد قوانين العلاقات في كلا الحالتين.

وكأنه درس ملخص للتعامل الحقيقي في الحياة، كلمات تستحق الاعجاب.

كثير من كتب التراث أشادت بفضل التسامح وجعلته من صفات الكرام، فقد قال معاوية رضي الله عنه: لو بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: كيف؟ قال: لأنهم إن شدّوها أرخيتها، وإن أرخوها شددتها، ولهذا تسمى شعرة معاوية وقد رأينا حلمه رضي الله عنه في مواقف كثيرة معروفة.

ومثال آخر المهلب ابن أبي صفرة قائد الجيوش المشهور المهيب كان راكب على حصانه يوماً فصاح به شخص يشتمه ويقول: هذا عبد لا يساوي 100 دينار، تخيل أنه يقول عن قائد الجيوش المهيب أنه عبد.. فرمى المهلب بصرة فيها 100 دينار لمن شتمه وقال له: والله لو زدت في ثمننا لزدنا في عطيتك، وجعل الشاتم يتمنى لو قال عنه أنه يساوي 100 ألف أو أكثر.

العفو عند المقدرة من شيم الكرام ،إذا العفو مشروط بالمقدرة وفي حال الضعف العفو بعد خنوع وذل حينها صون الكرامة واجب .

احب كثيراً تلك المقولة، لأنها حقاً تحفظ كرامة الإنسان بتطبيقها، فكرة أننا نحارب لنحصل على مكانٍ عند الطرف الآخر أمر مهين جداً، فبعض الأشياء التي لا تأتي من تلقاء نفسها، لا فائدة منها إذا أتت بعد صياح وشجار، فمن استخف بك، فأكرم نفسك عنه.

قرأت سابقاً عن أنك لن تحصل على ماتستحقه من الطرف الآخر، بل ستحصل عما يملكه هو، فإن أردت أن تحصل على ماتستحقه فعلاً، فأنت أكثر من يمكنه منح ذلك لنفسك، وأراها منطقية جداً.

احسنت رسمت هذه المقولة قاعدة ذهبية في العلاقات بين الكرم يرد بكرم يفوقه.

ومن استخف بنا او زهد في عطائنا نحجم عنه صونا" لكينونتنا.