كيف يتحمل الإنسان فراق أهله لفترة طويلة؟

أحد صديقاتي تعيش بعيدًا عن أهلها في بلد آخر لتدرس، وقد مرّ أكثر من سبع سنوات منذ آخر مرة رأت أحدًا منهم بسبب دراستها، وأعلم الكثير من الأشخاص الذين يقضون وقتًا طويلًا دون أن يروا أي أحد من عائلاتهم فقط ليدرسوا

في الحقيقة، كنت أرى من قبل أن الأمر يستحق، وأن الدراسة والعمل أمران مهمان في حياة الإنسان، وأن كل إنسان في النهاية سيركز على حياته، لذلك علينا تقديم حياتنا ومصلحتنا على أي شيء آخر.

ولكن أرى مؤخرًا أن الأمر أصبح أكثر تطورًا لدرجة أن الناس أصبحوا ينسون ويتجاهلون أهلهم في سبيل دراستهم، وأرى الكثير من الجامعات والتخصصات التي تضع المرء في موقفٍ يجعله يختار بين أهله ودراسته.

أرى أن هذا التركيز المبالغ فيه هو أمر سلبي، لن يشعر الشخص بنتائجه إلا مع مرور الوقت، وللأسف لن يجد فرصة لتعويضه أو تصحيحه.

لذلك أرى أن المبالغة في الدراسة والسعي للمستقبل هي أمر غير صحي على صاحبه، وأن سباق العلم القائم الآن سيضر كل المشتركين فيه.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

Abdelrahman_985 أضف ردا

أغلب الأهالي خاصة في الأرياف نجدهم يشجعون أبناءهم على السفر لبناء مستقبلهم مهما كانت تبعات ذلك، فالتبعات طبيعية كثمن عادل للسفر واكتساب العلم أو المال.

فلسفتهم قائمة على: اهتم بنجاحك أولاً وإن فسد كل شيء بعد أن تنجح وتقف على رجليك صلح ما يمكن إصلاحه. وهي فلسفة بها بعض الوجاهة في نظري

في الحقيقة، الحالة التي أتحدث عنها ليست في الأرياف بتاتًا، بل على العكس، أغلب الأشخاص الذين أعرفهم ويعيشون بنفس الطريقة يكونون من عائلات تعيش في المدن أو في بلاد أخرى، وتكون العائلات مثقفة للغاية. وأظن أن المنطق مما يقومون به غالبًا ما يكون مبنيًا على اهتمامهم وتقديرهم للعلم، وفي حالات أخرى، للأسف، يكون بسبب وجود عدد كبير من الأبناء، فكنت أشعر بأنهم يبدون استعدادًا أكبر للابتعاد عن أحد الأبناء بسبب وجود غيره.

أما بالنسبة لنظرية إصلاح ما يمكن إصلاحه بعد أن يقف الشخص على رجليه، فأراها غير منطقية، فبعض الأشياء لا يمكن إصلاحها أو إعادتها كالوقت. وللأسف، الوقت الذي يمضيه الناس بعيدًا عن عائلاتهم يسلبهم الكثير من اللحظات المهمة، بعضها يكون سعيدًا والبعض الآخر يكون حزينًا للغاية.

الوقت الذي يمضيه الناس بعيدًا عن عائلاتهم يسلبهم الكثير من اللحظات المهمة، بعضها يكون سعيدًا والبعض الآخر يكون حزينًا للغاية.

قد نكون بجوار الأهل ولكننا ثابتين في مكاننا، لا نفعل ما يتوجب فعله في هذا التوقيت، وبالتالي لا علم حقيقي نتعلمه ولا عمل جيد نسافر له. والحجة أننا لا نريد فراق الأهل.

السفر لا يكون رفاهية بل لسبب قوي يخص الرزق والاستمرار في الحياة بقيمة عالية..لذا البعد عن الأهل لفترة مهم وطبعاً على حسب ما تسمح ظروف كل شخص..لا نعمم.

في أحيان كثيرة اتخاذ قرار الابتعاد عن الأهل في وقت مبكر من العمر أفضل من أن نكون مرغمين على ذلك عندما تزداد المسؤوليات علينا ووقتها.. العمر لن يرجع والفرص لن تتكرر ووقتها الأهل سيكونون في أمس الحاجة إلينا بسبب العمر.

ولكن تتحول نتائج الأمر إلى نتائج عكسية إن زاد عن حده، فقد أتفهم اضطرار الشخص للسفر وعدم رؤية أهله لسنة أو سنتين، ولكن تحمل أكثر من هذا وعدم رؤية الأهل بسبب العمل أو التعلم ليس بشيء صحيح، فالأمر يستنزف الإنسان على المدى البعيد ويجعل إنتاجيته أقل.

لذلك أرى أن قرارًا مثل التخلي عن الحياة العائلية للحصول على عمل جيد أو تعليم جيد هو قرار صعب، ونتائجه غالبًا ما تكون كثيرة على الإنسان أن يتحملها.

طرحك يلامس جانبًا حساسًا من حياتنا الحديثة: السعي للمستقبل أصبح في كثير من الأحيان على حساب الروابط الإنسانية الأساسية. الابتعاد الطويل عن الأهل قد يبدو “تضحية ضرورية”، لكنه مع الوقت يتحول إلى فجوة عاطفية لا يمكن تعويضها. المشكلة ليست في الدراسة نفسها، بل في ثقافة المبالغة التي تجعل الإنسان يختزل حياته في هدف واحد، وينسى أن العمر لا يُعاد. التوازن هو المفتاح؛ العلم مهم، لكن العائلة هي الجذر الذي يمنح الإنسان معنى واستقرارًا. من يكتشف هذا متأخرًا يدرك أن النجاح بلا روابط إنسانية يشبه بيتًا بلا أساس.

أتفق معكِ، وأرى أننا نعيش عصر "تغريب الإنسان عن فطرة الانتماء".

إذ نجحت المنظومة الحديثة في إقناعنا بأن "الذات" هي مشروع اقتصادي يجب استثماره وتطويره بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو بتر الصلات الإنسانية الأكثر جوهرية. السبع سنوات التي ذكرتها، تشكل فجوات شعورية لا يمكن ردمها ببرامج المحادثة أو الدرجات العلمية الرفيعة؛ فالعلاقات الإنسانية، وخاصة مع الأهل، ليست أشياء "تُخزن" في الثلاجة لنعود إليها بعد الحصول على الدكتوراه، بل هي كائنات حية تذبل وتموت بالإهمال.

​ما تسمينه "سباق العلم" هو في الحقيقة "فخ الاغتراب"؛ فهو يخرج لنا "خبراء" محترفين في تخصصاتهم، لكنهم "يتامى وجدانياً" في حياتهم الخاصة.

​المبالغة في السعي هي بالفعل "حالة غير صحية"، لأنها تقوم على وهم أن الإنجاز سيعوض الفقد. الحقيقة المرة التي يدركها الكثيرون بعد فوات الأوان هي أن مقعداً فارغاً على طاولة العائلة لا تعوضه كل ألقاب العالم، وأن الزمن لا يمنحنا "فرصاً للتعويض" فيما يخص رحيل الأهل أو كبر سنهم. نحن نضحي بـ "المعنى" من أجل الوسيلة وفي الاخير نكتشف اننا فقدنا في الطريق الأشخاص الذين كنا نركض من أجل إسعادهم أصلاً.

اعرف امرأة مُسنة اعياها التعب والشوق الى ابنائها، وحين شكت لي وجعها، قالت لي ومن شدة شوقها وحنينها (ليتهم ما قرأوا ولا كتبوا 😇، ولاسافروا، و و الخ)

في تعليقي انا لا اشجع على العجز، وان الإنسان، لايجب ان يسافر او يسعى لتحقيق هدف في الحياة، وانه فقط يجب ان يجلس الى جوار عائلته و..و الخ..

لا طبعاً

نحن ناقشنا الموضوع هنا من الزاوية التي تحدثتٍ بها أنتِ.

أنعم الله علينا بالتكنولوچيا في هذا العصر بطريقة يمكن أن تعوض المسافر أو المغترب ولو قليلًا وتجعله من الممكن أن يرى أهله ويسمعهم وهو في بلد أخرى بعيدة، وهذا بالطبع لم يكن متاحًا من قبل بالنسبة للأجيال العصور السابقة، لذلك أصبح البُعد عن الأهل ليس بنفس الثقل كما سبق.

البعد والاغتراب صعب لكنه ضريبة النجاح، وحتى لو بقى الإنسان بجوار أهله ولم يسافر فسيجد أيضًا ما ينغص عيشه، فهكذت هي الحياة، وربما المسافر للعلم يجد متعة في ذلك.

قد يرى البعض أن التكنولوجيا تعوض الفراق، ولكن من عاش تجربة الغربة فعلًا سيعلم كم أن هذه الفكرة ليست حقيقة، فالكثير من اللحظات والمشاعر لا يمكن تعويضها بمكالمة فيديو. أعلم بعض الأصدقاء الذين وصلهم خبر وفاة أشخاص مقربين منهم وهم في الغربة، وللأسف اضطروا لعيش هذا الحزن وهذه المشاعر بمفردهم، ووجود التكنولوجيا لا يشكّل فارقًا في هذه اللحظات، فالتواجد بجسدك في المكان مع أقربائك أو أحبائك له بالتأكيد فرق كبير مقارنة بالتحدث معهم باستخدام الهاتف.

وفي الحقيقة، الكثير من المغتربين يجدون متعة فعلًا في العلم والتعلم، ولكن بعد وقت معين تبدأ طاقتهم في النفاد، ويبدأ دائمًا التساؤل عن كيف ستكون الحياة إن استطاعوا الدراسة والعيش مع أهلهم في نفس الوقت.

لا يمكن إنكار أن التكنولوجيا لا تعوض بالكامل، لكنها تخفف من حدة الفراق. ففي مواقف الحزن يكون التواصل الفوري مع الأهل دعمًا نفسيًا مهمًا، وبعض المغتربين ينجحون في بناء دوائر دعم جديدة في بلد الغربة، مما يساعدهم على التكيف بشكل أفضل.

وفي المقابل، تمنح الغربة أحيانًا فرصًا للنضج والاستقلال واكتساب خبرات لا يمكن تحقيقها بسهولة عند البقاء في نفس البيئة.

لكن لا يمكن إنكار أن الوضع الآن أفضل من السابق من ناحية التواصل، كما أن التعويض الجزئي أفضل من لا شيء، وهكذا يمكن للشخص الدراسة والعمل وفي نفس الوقت لا ينقطع عن أهله تمامًا.

ولكل شيء ضريبة، ومن يجلس بجوار أهله قد لا يجد نفس فرصة الدراسة أو العمل كالموجودة بالخارج.

لقد اغتربت فترة وشعرت بذلك، لم أكن أتوقع أنها تسحب كل الوقت، والأهل يكبرون ولا أستطيع قضاء بعض الوقت معهم، وأحاول تعويض ذلك بالتعلم من البيت لكن ربما أخاف أن تأتيني فرصة لا ترفض وأضطر لذلك

للأسف، الكثير من الناس لا يشعرون بالأمر ويرونه مبالغة من المغتربين وتضخيمًا للأمور، ولكن حين يغترب المرء يكتشف أن الحياة تمضي سريعًا، وأنه مع كل يوم إضافي يمضيه في الغربة تفوته أحداث ووقت لا يتكرر، لأن العمر لا يتوقف في انتظار من ذهب ليأتي.

وللأسف، يظل الصراع بين الأهل والتعلم قائمًا، فنخاف الاغتراب كيلا يفوتنا الوقت مع الأهل، ونخاف من البقاء كيلا تفوتنا فرصة للتقدم.

ليس صحيحا أن النتائج دائما سلبية أو غير قابلة للتعويض.

بعض الناس ينجحون في بناء علاقة قوية مع أهلهم رغم البعد، وربما يكون غيابهم مؤقتا جزء من استثمار طويل المدى يعود بالنفع عليهم وعلى عائلاتهم لاحقا.

المشكلة ليست في السعي نفسه، بل في فقدان التوازن. هناك فرق بين شخص يضحي مؤقتا وهو واع بالثمن، وشخص يذوب تماما في طموحه حتى يخسر علاقاته.

والمشكلة أيضا ليست في الغربة نفسها، بل في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان معها.. هل ينسى جذوره فعلا أم يحاول الحفاظ عليها رغم الظروف؟ هنا يظهر الفرق.

الغياب المؤقت إن كان لشهر او اثنين فيمكن تعويضه ولكن إن كان لعدد سنين كثيرة فيستحيل تعويض الوقت الضائع حتى وإن حاول الإنسان الموازنة، وفي الحقيقة لمن جرب التغرب سيعلم ان فكرة الموازنة هي فكرة ليست قابلة للتحقيق

اما بالنسبة لفكرة نسيان الجذور ف الامر لا يكون هكذا ابدًا، من عاش الغربة فعلا سيعلم ان الامر يجعل الانسان مشتتًا ويسلبه شعور العيش مع العائلة، ف يصبح لديه عائلة وذكريات في كل مكان ولكن لا يجد نفسه في اي مكان، فيظل احساس انه في لحظة ما سيذهب عن كل هذه الذكريات ولن يرى اصدقائه مجددا، فيصبح التمسك بالأصدقاء في الوطن صعب، والتمسك بالأصدقاء في الغربة اصعب، وتظل حياة الإنسان منقسمة بين هنا وهناك، لذلك الامر لا علاقة له بطريقة تعامل الإنسان معها

ذكرتني بأحد أفراد العائلة لا نراه إلي با الصدفة أو بعد سنوات