ما الذي يجعل الحب يقل بالقرب، ويزداد بالفراق؟

سمعنا جميعاً عن قصص الحب الخالدة التي كان العنصر الأساسي فيها هو التباعد والفراق، فلولا أن كانت عبلة بعيدة المنال عن عنترة مثلاً لما عرفنا قصائد الغزل الرائعة وما كان خاض من أجلها المصاعب والحروب.

نفس الرأي قاله سقراط في محاورة "سمبوزيوم" قال أن الحب هو الرغبة الشديدة في شخص نفتقده، فنحن لا نريد ما لدينا بالفعل، لذا ينشأ الحب عندما يشعر المحب بنقص وفقدان، والحب هو القوة التي تجعلنا نبحث عن الشيء المفقود.

من الغريب مدى صحة هذا الرأي لأن وقائع التاريخ تؤيده، فلا نجد قصائد قوية لحبيب ومحبوبه متقاربان وفي متناول يد بعض، لكن نجدها دائماً في حالات الهجر والبحث والفراق، ولا نعرف أحداث مجيدة حدثت من أجل الحب إلا وكان المحبوب فيها في فراق مع من يحبه.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أتفق معك يا جورج في أن الفراق يجعل للحب أداة للشعر، لكن هذا لا يعني أن الحب يحتاج إلى نقص وفراق ليكتمل. وما وصل لنا عبر التاريخ ما هو إلا قصص مليئة بالصخب والدراما ،اما ما قاله سقراط بأن الحب يأتي من النقص أو ما نفتقده، فهو وصف لمرحلة من الحب وليس كله. وأعتقد أن الحب الناضج هو الذي يأتي من الاختيار والامتلاء، لا من الحرمان والنقص ،وإن كان القرب ينقص من الحب وأنا لا أؤمن بهذا لكن السبب يعود ربما لان في القرب نوعًا من انكشاف العيوب للطرفين ويضع الحب تحت روتين وضغط الحياة اليوميه وهنا قد يضعف لان عامل الفضول والحماس الموجود في البعد قد اختفى

لو كان هذا صحيح والقرب هو الحب الحقيقي لكنا سمعنا عن تراثيات بخصوص الحب القريب، وكنا سمعنا عن ملامحه ومظاهره، لكن كل التراثيات تحكي عن اللوعة والإخلاص والوفاء وكل مظاهر الحب التي نعرفها في الحب البعيد فقط.

من المؤسف أن عنترة تزوج على عبلة بعد كل ذلك...

يبدو أن تلك الحالات تكون تطبيقاً لمقولة(الممنوع مرغوب). وتزداد المشاعر وقتها، وأغلبها تكون مشاعر شوق ورغبة شديدة فيمن ليسوا بين أيدينا، والبعض يعتقد خطأً أن مشاعر الشوق والرغبة تلك هي مشاعر الحب...حيث أصبح المعنى الحقيقي المقصود من العلاقات -ألا وهو المودة والرحمة والأنس- مشوهاً ومعروفاً فقط بهذا التفسير الخاطئ للحب.

الغريب أننا لم نسمع أحد يتحدث ببراعة ويصف جمال المودة والرحمة والأنس كأن تأثيرهم على مشاعرنا البشرية ضئيل أو لا يستحق الكتابة، على عكس ذلك وصف الكثير مشاعر الشوق والفرح في النوع غير القريب من العلاقات.

أعتقد أن مشاعر الأنس والمودة تلك من يصل إليها يعيشها ويطمئن لها دون الحاجة للتعبير عنها، فإذا نظرنا لمشاعر الشوق تلك قد تكون خانقة لايستطيع كتمها فيخرجها في الشعر، فيصل لنا شدتها، في حين انها تنتهي فور الحصول على المرغوب.

من الغريب برأيي أن يكون هناك نوع من المشاعر أو التجارب لا تدفع الإنسان للتعبير والكتابة عنها، فالإنسان كتب في كل شيء تقريباً حتى لذة الطعام، الحل الآخر أن تكون هذه المشاعر ليس لها قيمة كبيرة لدرجة أن يتم الكتابة عنها.

بعد ذكرك لكتابتهم عن لذة الطعام أدركت أن الأغلب يصف أنواع الشهوات والملذات المختلفة، إن كانت بطعام أو حب ملتهب أو شوق أو حتى بالخيول والفرس وملذات الدنيا، لكن لا استحضر أن أحداً كتب عن مشاعر الأمومة والأبوة من العصر الجاهلي مثلاً، في حين أن تلك المشاعر لا يمكن التقليل منها.

الحل الآخر أن تكون هذه المشاعر ليس لها قيمة كبيرة لدرجة أن يتم الكتابة عنها.

ان لم تكن بهذه القيمة لما رأينا أزواج مطمئنين في حياتهم سوياً، فأعتقد أن بعض المشاعر لا يعبر عنها بالكتابه بل الأفضل لها أن تعاش.

تذكرت أيضاً شعراء أحبوا زوجاتهن بحق ولم تحدث مشاكل أثناء زواجهم، لكن لم يكتبوا الشعر أيضاً إلا في تلك اللحظات قبل الزواج أو عند اضطرارهم للانفصال بفعل الأهل أو القبيلة، لكن عدم كتابتهم لمشاعر الود تلك لا تعني انتفاءها وعدم قيمتها عندما كانوا مطمئنين معاً.

الحب الذي أصدقه هو حب الأزواج.

الزواج هو اختبار عالي الجودة لصدق الحب، فالحب قبل الزواج هو حب خيالي، كل طرف يحب الصورة التي رسمها في ذهنه عن الطرف الآخر وليس الطرف الآخر نفسه، الحب الحقيقي يأتي بعد العشرة.

لذا فيخيل للمفارقين أنهم فارقوا ما لا يرجى تلاقيه مرة أخرى.

فيبكي الشعراء على الأطلال

ويكتب الكتاب الرسائل

وإن سألتني عن الحب الذي أصدقه

سأخبرك أنه هو رسائل حراجي القط إلى فاطمة أحمد عبدالغفار .. "قصائد الأبنودي عن زوجين من الصعيد"

رسائل حراجي القط إلى فاطمة أحمد عبدالغفار

قرأت نبذة منها وسأكمل قراءتها وهي لفتة ممتازة منك في وصف الحب الزوجي القريب، لكنها تتفق مع المساهمة في جزء منها، وهو أن هذه الرسائل استدعى كتابتها رحيل الرجل عن زوجته..

أعتقد أن الفراق يصنع حبًا شعريًا، بينما القرب يصنع حبًا واقعيًا.قصص الأزواج الذين عاشوا معًا عقودًا طويلة زى جدى وجدتك ، نجد أن حبهم لم يكن قصيدة ملحمية، لكنه كان بناءً مستمرًا: مشاركة في المسؤوليات، دعم في الأزمات، وتقدير في التفاصيل اليومية. هذا النوع من الحب لا يكتب عنه الشعراء كثيرًا لأنه أقل درامية، لكنه في الواقع أكثر تأثيرًا في حياة الناس.

ذكرتِ تقوى أن الشعراء لا يكتبون عن هذا النوع من الحب لأنه "أقل درامية".

الحقيقة أن هناك شعراً للمكان وشعراً للتفاصيل (كما فعل نزار قباني في وصف تفاصيل البيت، أو محمود درويش في "قهوة الأم"). المشكلة في ذائقة الجمهور التي تميل لتمجيد المأساة (مثل قيس وليلى) لأنها تمنحهم شعوراً بالسمو دون الحاجة لبذل مجهود الطبخ والغسيل.

نحن الذين اخترنا أن نسمي الألم شعراً، ونسمي الاستقرار مللاً.

نحن الذين اخترنا أن نسمي الألم شعراً، ونسمي الاستقرار مللاً.

أظن اختيارنا لذلك منذ قديم الأزل يوحي أنه حقيقة أكثر منه اختيار حر، ومع ذلك لم يكن الألم فقط محور الحب البعيد بل كان الشوق واللهفة والفرح والبهجة لهم دور كبير وهذا ما تملىء به دواوين الشعراء.

لو كان أكثر تأثيراً لكتب عنه الشعراء بسهولة فهم يكتبون عن الجماد ويبرعون في وصفه، وملاحظتك الحصيفة الحقيقية بخصوص أن الحب القريب ليس قصيدة ملحمية يؤكد أن هناك خفوت كبير في المشاعر بين البعد والقرب، وأن الحب القريب لا تزدهر فيه المشاعر كالحب البعيد.

من وجهة نظري اعتقد أن المسألة ليست قربًا أو بُعدًا بحد ذاته، بل شعور الإنسان بالأمان. حين يكون الحب حاضرًا وواضحًا، لا يحتاج الغياب ليكبر ولا القرب ليُختبر. لكن عندما يدخل الاعتياد أو الخوف من الفقد، يتحول البُعد إلى محفّز مؤقت، لا لأنه حب أعمق، بل لأنه يعيد الإحساس بما كان مفقودًا. المشكلة أن هذا الإحساس لا يدوم، لأن السبب الحقيقي ليس المسافة بل ما بين الطرفين.

لو كان السبب الحقيقي هو ليس المسافة بل ما بين الطرفين: لأكمل الشعراء قصادئهم بعد اجتماعهم مع أحبتهم، لكننا نجد فقط قصائد ونثريات في حالة البعد، وكأن القرب يؤثر على المشاعر بالخفوت أو الاضمحلال.

فعلا أخي رأيك هذا يلامس جوهر الحب كما لو أنه يكشف سره القديم. كأن الحب لا يولد من الامتلاك بل من المسافة، ولا يشتعل في حضن الاكتمال بل في فراغ النقص. الفراق هنا ليس عدوا للحب، بل شرطه الخفي، لأنه يحول الشعور إلى معنى، والمعنى إلى فعل، والفعل إلى أثر يبقى.

لو كانت المحبة سهلة ومضمونة لما احتاج القلب أن يكتب، ولا الروح أن تجازف، ولا الإنسان أن يسمو فوق عادته. البعد هو ما يمنح الحب لغته، ويمنح العاشق سبباً ليكون أكثر مما هو عليه. لذلك خلدت قصص الانتظار لا قصص الطمأنينة، وخلدت الأشواق لا لحظات الوصول.

ربما الحب في جوهره ليس رغبة في شخص بقدر ما هو توق إلى ذات أعمق نصبحها ونحن نبحث عنه. وفي هذا البحث وحده يتحول الشعور العابر إلى أثر إنساني يستحق أن يروى.

على البعد يولد في القلوب تأجج

وبنقصنا يعلو الهوى ويتوهج

ما كان حب في الوصال مكتملاً

لكنما بالفقد يصبح أنضج

عبلة لو دنت الخطى من عنترة

ما سال شعر ولا اشتعلت ملاحم

الشوق نار لا تعيش بموضع

إن طال حرمان زادها التلهف

نهوى الذي غاب لأن غيابه

ترك الفراغ فصار قلباً يخفق

قال الحكيم قديماً إننا

لا نبتغي ما نملك المتحقق

بل نرتقي بالحب حين نفقده

فالفقد باب للمعاني أصدق

فدع المسافة تصنع المعنى لنا

فبها يطول الحب ثم يخلد

بل الحب للعاشق كمثل الزاد للجوعان

الزاد يصبرنا عن الجوع ولا ننسى بسببه لذة الطعام

من حسن حظنا أن قرب المحبوب يخمد النيران

وإلا لظللنا نقاسي آلام الحب في القرب والبعد

وفقدنا عقولنا وقتها من كثرة الشوق وكان مصيرنا الجنان